بيان الكتب: «سيبدو لك غريباً، قال لي، ولكن في النهاية اكتشفت ان الموت لا وجود له يمكنك التأكد من ذلك اتبعني»، بهذه الكلمات المقلقة تبتدئ الرواية الجديدة للكاتب الإسباني المعروف أنطونيو جومث روفو، وهو الكاتب الذي نشر كتباً في أنواع أدبية متباينة لعل أبرزها في حقل الرواية كما في روايتيه الأخيرتين: دموع آنان و روح الأسماك (روايته الجديدة ) بحار الخوف الصادرة حديثاً تدور حول شخصية طبيب معاصر لمحاكم التفتيش الشهيرة في القرن السادس عشر، وبسبب رغبته الشديدة في البحث عن غموض النفس البشرية، يبقى على تناقض مع أهوال الخوف والموت التي تنبئ بها فترته التي عاشها، وهو في رحلته الحياتية الطويلة تلك وبمساعدة أستاذه الطبيب العربي الموريسكي، الذي يعلمه أسرار علم الخيمياء، يصل في النهاية إلى الكشف عن القدر النهائي لكل البشر. نحن في القرن السادس عشر، خلال فترة حكم الملك فيليب الثاني، أسبانيا تعيش فترة عصرها الذهبي في العلوم والطب والآداب، وقد ورثته بأكمله من آخر أمجاد العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية، خاصة بعد استيلائهم على أهم المدن الأندلسية بعد انهيار الحكم العربي الأندلسي عام 1492. وفي مدينة مدريد، عاصمة الإمبراطورية الجديدة، تتطور أحداث الرواية عن حكاية حب تقترب من ظروف احتضارها، وعن العلوم الخفية والأسرار والمتاهات التي لا تحزر داخل النفس البشرية بطل الرواية (فرناندو رويث ألكلا) طالب كهنوت نهم للعلوم وشغفه الوحيد في الحياة هو الاستزادة والتعلم أكثر تشاركه الرحلة،رفيقة الطفولة (كلارا) ، المرافقة الأبدية له والمستمعة الأولى لكل غرائبه وقصصه العجائبية التي يقصها عليها في أصياف مدريد الحارة إن فرناندو بالنسبة لكلارا هو كل صلتها بالحياة، وهي لا تجد مستقبلاً واضحاً دونه بينما المستقبل الوحيد الذي يراه فرناندو هو في الكتب والتوصل لحلمه الأساسي الذي طالما شغله في مراهقته ومن ثم في شبابه ألا هو: الانتصار على الموت، الانتصار على الخوف، أي اكتشاف ماهية الروح والحصول على الحياة الأبدية. يغادر فرناندو بيته للدراسة في أرقى جامعات أسبانيا، حيث يعيش أيامه في تجارب على الجثث المسروقة من المقابر ليستدل عن قرب عن أسرار الروح حيث باعتقاده لا بد من وجود الإجابة عن سر الحياة و خلودها، بينما تجد كلارا نفسها في عزلة قاتلة وتجاهل من قبل أملها الوحيد فرناندو، فتقرر الارتباط برجل آخر، وهو صديق فرناندو المدعو دون ألفونسو. بعد انتهاء دراسته، يعود فرناندو إلى مدريد ويقرر العمل في علاج العقول المريضة، وفي وظيفته الجديدة هذه، وبمساعدة صديقه وأستاذه العالم الموريسكي الذي يطلق عليه مؤلف الرواية اسم ابن الرازي، يبدآن بتجاربهما في علم الخيمياء، بينما تعيش أسبانيا ومن ضمنها العاصمة مدريد أسوأ فتراتها في المحاسبة والتنكيل للأشخاص الذين يشك بانتماءاتهم الدينية أو لجوئهم لأغراض تتنافى وتعاليم الكنيسة التي كانت تبث عيونها ومراقبيها بين الجمهور، ولكن فرناندو وأستاذه العربي بمنجى لفترة عن هذه الملاحقات بسبب من تعاطف البلاط مع العالم الشاب وحماية الملك الشخصية له، ولكن هذا لا يمر على فرناندو، ولا على القارئ، الذي سيلاحظ من خلال الأحداث مديات الخوف والرعب التي يعيشها الناس من جراء ملاحقات محاكم التفتيش الدينية البغيضة، وهو ما يلجأ له الكاتب في الخوض والتعريف والكشف، حتى أن القارئ سيكتشف بالتتابع بأن المؤلف جومث روفو قد اتبع أكثر من طريقة في الروي، لعل من أهمها طريقة الكشف التوثيقي المباشر لأحداث وأسماء ومناقب جرت في تلك الفترة، مستفيداً من كتب ومنشورات وبحوث تطرقت لموضوع محاكم التفتيش الدينية بالتفصيل. من وسط هذا البحار المرعبة المخيفة، كما يشير لها مؤلفها، سيكون البطل فرناندو إزاء واقعة ستغير تفكيره جذرياً عن الروح وأسرارها، وهذا الحدث الختامي يكون في اكتشافه لحمل كلارا، والذي سيجر عليها آلاماً مرعبة تنتهي بولادتها لابن، ومن ثم موتها بين يدي صديقها الطبيب فرناندو دون أن تجدي كل معارفه العلمية بإنقاذها من القدر المحتوم، ولكنه إزاء هذه الحقيقة الرهيبة والواقعية سيكتشف فرناندو الغموض الذي يكتنف الروح والطريقة المناسبة للانتصار على الموت، هذا المشهد النهائي الرمزي، والذي وضعه المؤلف بطريقة درامية مشحونة، سيكون الحجر الختام بمعرفة الوسيلة المناسبة للانتصار على أي خوف، ومنها الموت نفسه، هذه الوصفة تكمن في الحب الذي وجده متأخراً في شخص كلارا،رفيقة طفولته، ومن ثم في شخص ابنها ألونسو الذي سيتبناه بعد موت أبيه، وكذلك قضائهما الوقت الطويل بحب المعرفة والتوافق مع الآخر المختلف، وهو انتصار بحقيقته، يكون نداً للموت الحقيقي وللموت المختلق من قبل محاكم التفتيش الرهيبة التي كانت تطبق أحكامها على البشر بسبب أختلاف في العرق أو الدين أو الرأي. بهذه الطريقة الساحرة بالقص، يمضي الكاتب طوال أحداث الرواية، باعادة بناء الأماكن والأحداث في القرن السادس عشر، ومنها نرى معرفة الكاتب روفو العميقة بعلوم ومعارف تلك الفترة، حيث أن ظلامية وجهل العصور الوسطى قد بدأت تنقشع تاركة المجال لأنوار المعرفة، وحيث أن الثقافات قد بدأت بالتداخل فيما بينها وهي تستعد لطفر الأبواب المغلقة للعصبية الدينية، وبداية أسئلة الناس الحقيقية بعيداً عن الطرق الشائكة للفروقات العرقية والطائفية، وهو في هذا العالم المتناقض والمتغير بسرعة رهيبة، يركز الكاتب على شخصيتين رئيستين وأخرى ثانوية لكشف أساس الحكاية، من جانب هناك فرناندو طالب اللاهوت الذي يترك كل شيء بسبب رغبته الكبيرة لمعرفة ما يجري على الجانب الآخر، وكذلك كلارا وتحدياتها الكبرى لتعاليم المجتمع والكنيسة بحثاً عن خلاصها الخاص، ومن جانب آخر، الصياغة الرائعة والشغوفة من قبل المؤلف في رسم شخصية ابن الرازي العالم الموريسكي، الذي يمنحه هنا صفة الحجر المكمل للروح الحائرة (روح فرناندو) مقدماً نموذجاً جريئاً ويكاد يكون غريباً في الرواية الإسبانية، وهو نموذج الموريسكي العالم، الذكي، والأستاذ المضحي وسط بيئة تراقبه وتنبذه بسبب اختلافه. لقد نجح الكاتب في الرواية برسمه الدقيق لأسبانيا الباروكية آنذاك، أسبانيا بأقبية وسراديب محاكم التفتيش القسرية، وأسبانيا بعلمائها وسادتها وبلاطاتها رواية (بحار الرعب) هي احتفال مركز بالسيطرة على التقنية الحكائية و تطور الشخصيات، مثلما هي تتابع جذري لهذا الطبيب و العالم في الأرواح وسط غابة المعرفة الحياتية ومغامراتها المفاجئة، كما أن الرواية في حقيقتها، هي حكاية صراع أبدي وتلاقي: صراع العقل والجسد، المواجهة بين الرغبة الجسدية والرغبة الذهنية، كل ذلك في رواية سردية يطغى عليها الحس الشعري، مستخدماً كأي تلميذ نبيه أساليب كبار كتاب العصر الذهبي الإسباني أمثال ثربانتس أو لوبه دبيجا أو كبيدو. مدريد ـ عبدالهادي سعدون