بيان الكتب: «الزوجة المربكة» صاحبة هذه السيرة الذاتية هي زوجة «لويك لوفلوش ـ بريجان» الذي كان رئيساً ومديراً عاماً لشركة «الف» ـ الف اكيتين ـ البترولية الفرنسية، والتي تسميها مؤلفة هذا الكتاب بـ «الامبراطورية» نظراً لما تتمتع به هذه الشركة من نفوذ وما ارتبط به اسمها من قضايا ورشاوى ليس اقّلها تلك التي تنظر فيها المحاكم الفرنسية اليوم والتي يمثل احد المتهمين الرئيسيين فيها «رولان دوما» وزير خارجية فرنسا الاسبق والصديق الشخصي للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران وايضا محاميه في «مسائل الظل». وكان «لويك لوفلوش ـ بريجان» قد بقي على رأس مجموعة «الف» خلال سنوات 1989 ـ 1993.. وهو الان ايضا رهن المحاكمة حول عدة قضايا. هذا الكتاب ليس في واقع الأمر حلقة جديدة في مسلسل «قضايا» مجموعة «الف» البترولية ورشاواها في عالم النفط، وانما ايضا في عالم صفقات الاسلحة ومن اشهرها الصفقة التي لايزال القضاة الفرنسيون بصدد البحث عن خباياها منذ عدة سنوات والتي تخص حصول السيدة «كريستين دوفييه ـ جونكو ـ»، عشيقة «رولان دوما» السابقة على رشوة تزيد على 45 مليون فرنك فرنسي «حوالي 8 ملايين يورو» مقابل موافقة بيع فرنسي لفرقاطات عسكرية لتايوان وحيث ان شركة «الف» هي التي دفعت ذلك المبلغ على يد احد مسئوليها المدعو «الفريد سيرفن» المقرّب من «لويك لوفلوش ـ بريجان» منذ سنوات الشباب «وذراعه اليمنى» عندما كان على رأس «الف». هذا الكتاب ليس في واقع الامر كتاباً عن قضايا «الف»، وان كانت مؤلفته تتعرض لهذه القضايا وتلقي عليها الكثير من الاضواء من موقع من كان يرى الأمور من الداخل، ولكنه كتاب عن «الرواية السوداء» لحياة امرأة يمكن القول بانها كانت «ضحية السلطة» التي عاشت لسنوات في «قلبها». لقد كانت الزوجة المدلّلة لدى زوجها رئيس ومدير عام الف، لكنها وجدت نفسها بين ليلة وضحاها زوجة مطلّقة دون اي تبرير سوى القول: «لم يعد الامر بيدي»، كما جاء على لسان زوجها وبالوقت نفسه الذي عم طلاقها طلبوا منها ان تترك رئاسة المؤسسة الخيرية التي كان زوجها قد أسسها اصلاً كي تكون على رأسها على غرار زوجات الرؤساء الافارقة اللواتي كن يمارسن عبر مثل هذه المؤسسات والجمعيات نشاطات ذات طابع عام. ولم ينته الأمر عند ذلك بل ان «فاطمة بلعيد» وكما تؤكد في هذا الكتاب، تعرّضت بعد ذلك لكل اشكال المراقبة والضغط والتهديد. انها تروي في هذا الكتاب حصيلة السنوات العشر الأخيرة ـ سنوات ما بعد سلطة «الف» ـ وتؤكد بانه لا شيء يمكن ان يردع من ممارسة كل السلوكيات اذا كان الامر يتعلق بـ «مصلحة الدولة». وفاطمة بلعيد هي ابنة مهاجر جزائري كان قد وصل الى فرنسا مثل الآلاف غيره من الجزائر المستعمرة انذاك ـ سنوات الاربعينيات ـ بحثاً عن تحسين سبل المعيشة وتحسين مستواها في فرنسا «الدورادو بنظر الكثير من الجزائريين آنذاك»... وكان والدها «بلحاج بلعيد» قد فقد والده عندما كان في السادسة من العمر... وقد فهم بعد ذلك ان اباه قد مات مقتولاً من قبل السلطات الاستعمارية اذ كان من محبي الامير عبدالقادر الجزائري.. واصبح بلحاج نفسه احد العناصر النشيطة في حركة التحرر الوطني، من موقعه حيث كان يعيش في فرنسا، وتزوج بلحاج فتاة المانية التقى بها صدفة في فرنسا حيث كانت قد هربت من الخراب الذي تركته الحرب العالمية الثانية في بلادها... ونجم عن هذا الزواج اربعة اطفال اكبرهم «فاطمة بلحاج بلعيد» التي احبّت القراءة منذ نعومة اطفالها.. كذلك احبّت التصوير والموسيقى ودخلت مدرسة الفنون الجميلة لتعلم فن التصوير، وكانت تعمل اثناء دراستها في اشغال بسيطة كي تؤمن متطلبات العيش. تزوجت للمرة الاولى من «بيتر» الالماني عام 1977 وانجبت منه ابنها «نيلنس». لكن انفرط عقد الزواج لتلتقي ذات شتاء بـ «لويك لوفلوش ـ بريجان» الذي كان مطلّقاً هو الاخر.. ليصبح بعد فترة رئيساً لشركة «رون بولنك» الشهيرة ثم يترقّى بعد وصول فرانسوا ميتران الى السلطة في فرنسا لمنصب رئيس ومدير عام شركة «الف اكيتين» التي اصبح اسمها فيما بعد مجموعة «الف».. واعتباراً من عام 1988 بدأت فاطمة حياتها الجديدة الى جانب «لويك». وهذا كتاب ايضا عن آلية عمل احدى اكبر الشركات الفرنسية بل والعالمية في حقل الطاقة.. هكذا تتحدث «فاطمة بلعيد» عن «السلطات الاستثنائية» التي كان زوجها يتمتع بها الى درجة انها لم تكن تتصور «القسوة» التي سيواجهها او «مدى قوة الآلة» التي ستؤدي بها الى الطلاق قسراً. وكثيرا ما تفتح صاحبة هذه السيرة قوسين في حديثها عن شركة «الف» وعالمها، كي تعود لذكريات تخص طفولتها او طفولة وشباب زوجها ووالدته التي «كانت تتحدث عن التفوق الذي يتمتع به العرق الابيض» تقول المؤلفة: «ان غرور هذه المرأة ايقظ في داخلي ذكريات العنصرية التي عانيت منها في طفولتي. وقد عرفت فيما بعد بانها قد امتلأت غيظاً عندما عرفت بان ابنها الوحيد ـ لويك ـ يحب امرأة عربية». واذا كانت «فاطمة بلعيد» تتحدث كثيرا عن افريقيا وزياراتها المتكررة لها برفقة زوجها فإنها تكرّس فصلاً كاملاً لما تسميه «نفحة فلسطين» وحيث انها كانت قد اختارت بعد عام من طلاقها ان توظف معارفها وخبرتها التي اكتسبتها عندما كانت لسنوات على رأس «المؤسسة الانسانية» التابعة لشركة «الف».. وهكذا اختارت العمل باتجاه «الاراضي الفلسطينية المحتلة»، لقد فضلت الذهاب الى منطقة السلطة الفلسطينية الوليدة قبل اشهر فقط انذاك على الذهاب الى موطنها الاصلي الجزائر. ان المؤلفة تتحدث طويلاً وبحب كبير عن تجربتها في الاراضي الفلسطينية.. وبمدى «الانفعال» الذي يرافق مسألة البحث عن الجذور.. انه الانفعال الذي احسّت به عندما وطأت قدماها «ارض فلسطين العربية»، كما تقول وتضيف: «لقد كانت اسفاري الى منطقة الشرق الاوسط بمثابة انبعاث حقيقي بالنسبة لي». كانت زيارتها الاولى لقطاع غزة في شهر يونيو من عام 1994. يومها وبسبب «اسمها العربي» كما تقول طلب منها رجل الجمارك الاسرائيلي ان تقف جانبا مع شخصين فلسطينيين، بينما كان جميع الركاب الاخرين يتوجهون نحو أخذ حقائبهم. ويومها ايضا خضعت زوجة رئيس ومدير عام مجموعة «الف» الفرنسية ـ الزوجة السابقة ـ لاستجواب قام به جنديان.. وكانت الاسئلة: «لماذا اسمك فاطمة؟ ولماذا يتواجد ابوك في فرنسا؟ ولماذا امك المانية؟» .. ومع الوقت اصبحت التحقيقات روتينية. في المطارات الاسرائيلية و«من رأيت في غزة؟» و«مع من تناولت طعام العشاء امس؟ اعطنا اسم الاشخاص الذين كنت معهم، وعملهم وارقام هواتفهم الخ... اما على الجانب الاخر فقد ادهشها «مرح الناس وسط مشهد يعمه الخراب والفقر ومساكن بسيطة». من جهة اخرى تقدم مؤلفة هذا الكتاب شهادة مهمة في السياق الراهن الذي تشهده فلسطين. انها تؤكد القول: «ان الفلسطينيين يؤمنون بالسلام، اما الخطاب الاسرائيلي الذي يؤكد بان الفلسطينيين لم يختاروا طريق السلام ابداً انما هو خطاب كاذب». وبعد جولة تقوم بها مؤلفة هذا الكتاب في مختلف مستشفيات منطقة السلطة الفلسطينية، تبعاً لمتطلبات مهمتها، تؤكد على «الوضع المأساوي» في جميع مدن السلطة. غزة ورام الله ونابلس وبيت لحم وغيرها ذلك «ان الاسرائيليين يتابعون الحظر الذي فرضوه منذ عام 1967 مما منع اية امكانية للتطوير مع المحافظة على المنطقة بحالة مزرية من البؤس، يضاف الى هذه الحالة الاقتصادية الصعبة لأهل القطاع والضفة حيث هناك ما يقارب 70% من السكان يعانون من البطالة. والشباب دون عمل ودون مستقبل ودون اية امكانية للخروج من هذا السجن الاسرائيلي الكبير». كما تؤكد المؤلفة بان الشعب الفلسطيني يعاني من حالة معيشية شديدة القسوة وهي تغدو اكثر فأكثر قسوة. هذه التجربة الفلسطينية جرّت على صاحبتها الاتهام بانها «جاسوسة تعمل لحساب منظمة التحرير الفلسطينية» هذا الى جانب اتهام اخر هو انها «احدى العاملات في صفوف الاجهزة السرية الجزائرية». كتاب عن تجربة قاسية عاشتها صاحبة هذا الكتاب كزوجة لرئيس ومدير عام مجموعة «إلف» الفرنسية البترولية، ثم مطلقة له ـ تنفيذاً لاوامر كما تقول ـ وبعدها امرأة وحيدة تحيط بها الضغوط والتهديدات. باختصار تجربة وصفتها صاحبتها بالقول: «انها قصة كنت اتمنى ألا اعيشها ابداً»