بيان الكتب: هذا الكتاب المواجهة المصرية الأوروبية في عهد محمد علي متعدد الشخصيات فهو بحث موثق في العلاقات الدولية كما انه دراسة رصينة لجزء مهم من التاريخ الحديث، للشرق الأوسط فالمؤكد ان محمد علي نموذج رجل الدولة الذي لم تعرف هذه المنطقة من العالم مثيلا له فقد كان واعيا بتطور التحالفات الدولية وطبيعة الارتباطات الاقليمية واستطاع ببراعة القائد وحنكة السياسي أن يستثمر مكانة مصر ودورها في مواجهة الأطراف الاخرى أوروبية كانت أو شرق أوسطية وقيمة هذا الكتاب عن دار الشروق بالقاهرة للدكتور محمد عبدالستار البدري ـ متجددة لانها ترتبط بموضوع له أهميته وعمر لا تنتهي قيمته فالصراع الدائر في المنطقة ودور الدول الكبرى فيه يذكرنا دائما بمحمد علي ومافعله وكيف تواطأت ضده القوى الكبرى في عصره حتى انتهت بتحجيم دوره وتقليص امبراطوريته في سابقة تاريخية تكررت مع كل من أراد أن يخرج على حدود مصر متطلعا الى المنطقة من حوله. يتناول الكتاب أيضا القيمة الحقيقية لدور مصر اقليميا ودوليا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ورؤية الدول الاوروبية لهذا الدور وكيف تحولت مصر من تابع ضعيف للدولة العثمانية الى عضو مؤثر في الأمن الاوروبي في زمن قصير للغاية وهو مادفع المؤرخين لاطلاق لفظ (المسألة المصرية) لوصف الدور الذي لعبته مصر في منطقتها واثره المباشر على المصالح الأمنية والاستراتيجية الأوروبية. يستهل المؤلف الكتاب بالتعرض لمفهوم توازن القوى في العلاقات الدولية وتطبيقاته العلمية على النظام الأوروبي في القرن الثامن والتاسع عشر وكيف أصبح هذا المفهوم جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية للدول الأوروبية منذ بداية تشكيل النظام الأمني الأوروبي في أعقاب اتفاقية (وستقاليا) 1648 حيث يحاول ايضاح الانماط الرئيسية المتحكمة في العلاقات الأوروبية حتى يمكن فهم وجهة النظر الأوروبية والبيئة الدولية السائدة في ذلك الوقت. وأوضح المؤلف ان النظام الاوروبي كان مبنيا على توازنات خاصة مقبولة ضمنيا من قبل الدول الأوروبية كلها باستثناء حالة عدم توازن واحدة في المنطقة وهي الدولة العثمانية التي كانت تحتل جزءا كبيرا في شرق وجنوب شرق أوروبا الى جانب ممتلكاتها في الشام وشمال افريقيا والجزيرة العربية فأشار المؤلف الى الدور المحوري للدولة العثمانية في آليات توازن القوة داخل النظام الأوروبي مبينا أن دورها السياسي والعسكري النشط في الشئون الأوروبية لم يأت نتيجة الصدفة بل جاء نتيجة فتوحات عظيمة وتوغل عسكري واسع في أوروبا الى أن بدأت الدولة الروسية الحديثة في الظهور على المسرح الأوروبي في القرن السابع عشر على أيدي القيصر بطرس الأكبر وتوجهها الجديد نحو الغرب والتي استطاعت ان تكسر احتكار الدولة العثمانية على البحر الأسود والاستيلاء على مدينة أزوف الساحلية والتوسع في القوقاز وهو ماأنذر ببداية مرحلة الاضمحلال العثماني وفتح الطريق لطردها من أوروبا الا ان الدول الأوروبية تنبهت الى أهمية الدولة العثمانية في التوازن الأوروبي واهميتها المتزايدة بعد ضعفها لأن سقوطها في يد روسيا سيؤدي الى سقوط كل أراضيها ممايخل بمبدأ توازن القوى فحرضت الدول الاوروبية وفي مقدمتها الامبراطورية النمساوية على التمهيد لاختفاء الخلافات الحدودية معها لتحل محلها صفحة جديدة من المهادنة لمواجهة المارد الروسي الجديد وبنهاية القرن الثامن عشر انتهجت بريطانيا وفرنسا هذا الاتجاه حيث رأت انه من العبث الا يكون لهما دور بارز في تقرير مستقبل الدولة العثمانية بأوروبا لاسيما وانها تمثل أهمية كبرى لوجود مصالح تجارية هامة معها! الفصل الثاني من الكتاب يعالج تطور المسألة المصرية وبدايتها منذ قدوم الحملة الفرنسية على مصر والشام عام 1798 وحتى تولي محمد علي حكم مصر عام 1805 وهي المرحلة التي أطلق عليها المؤلف مجازا.. المرحلة الأولى للمسألة المصرية والتي لعبت فيها مصر دورا مؤثرا في النظام الأمني الأوروبي لاسباب جغرافية في الاساس وسيتضح من هذا الفصل كما اشار المؤلف الى انه لم يكن هناك تفاعل بالمعنى الحديث بين مصر والنظام الاوروبي قبل الحملة الفرنسية على مصر حيث سلكت أوروبا دربا غير الدرب الذي سلكته مصر والعالم العربي وقد جاءت العزلة المصرية كنتيجة طبيعية للسياسة التي فرضتها الدولة العثمانية عليها وذلك خشية تأثر مصر بالحركات الفكرية والتنويرية بأوروبا. ولابد من الاشارة الى حقيقة هامة هي ان الدول الأوروبية ذاتها لم تكن مهتمة بمصر بالقدر الذي قد يدفعها الى كسر طوق العزلة سياسية أو عسكريا أو حتى تجاريا! بيد ان هذا التجاهل كان حتما سيتغير ليفسح المجال امام صراع كبير بين الدول الكبرى من أجل السيطرة عليها لاسيما بعد أن صارت مصر ولاية شبه مستقلة بعد حكم محمد علي وتدخلها مرة في حرب المورة ومرتين من خلال انتصارها على الجيوش العثمانية واحتلالها لجنوب الأناضول في 1832 و1839 لذا تحولت مصر في زمن سريع من ولاية عثمانية الى مسألة دولية تهتم بها كل الدول الأوروبية الكبرى. لذا يمكن تقسيم المسألة المصرية (المقصود بالمسألة المصرية كما يوضح المؤلف هو الاطار العام للأحداث التي وقعت فيها مصر واثرها على أوروبا ككل خلال تلك الفترة الزمنية المحددة) الى ثلاث مراحل عملية: الأولى المرحلة السلبية والتي بدأت عام 1798 مع مجيء الحملة الفرنسية حتى فشل الحملة البريطانية عام 1807، المرحلة الثانية وهي مرحلة الاعداد وهي تبدأ من 1808 وحتى 1824 وهي الفترة التي وطد فيها محمد علي حكمه وحتى تدخل مصر في حرب المورة. أما المرحلة الثالثة فيه المرحلة الايجابية والتي بدأت منذ عام 1825 وانتهت بتكالب الدول الأوروبية على مصر وفرض شروط معاهدة لندن 1840 عليها ..المرحلة الأولى.. السلبية أطلق عليها ذلك ليس لافتقار مصر للقدرة على التأثير على أوروبا ولكن للتأثير المباشر للمصالح الأمنية الأوروبية على الأوضاع السياسية في مصر دون أن يكون للسياسة المصرية نفس الاثر على أوروبا أي أن العلاقة كانت علاقة أحادية الاتجاه أكثر منها ذات اتجاهين الا ان مستقبل مصر السياسي اصبح ـ بهزيمة الحملة الفرنسية ـ أمرا يخص الدول الكبرى في النظام الأوروبي خاصة بريطانيا وفرنسا وتزايد أطماعهم فيها فأقدموا على خلق نظما وقيادات سياسية موالية لهما في مصر الا ان أحدا لم يفكر في المراهنة على شخصية مهمة افرزتها ملابسات الحملة الفرنسية وهو ضابط عثماني من أصل ألباني اسمه محمد علي كما انهم لم يراهنوا على استيقاظ الوعي المصري الذي كان كفيلا برفعه الى كرسي الحكم في مصر فلقد غير هذا الضابط تاريخ مصر تماما وتحكم في مستقبل المسألة المصرية فأضاف اليها مزيدا من الروابط السياسية والاستراتيجية والثقافية بأوروبا. الفصل الثالث من الكتاب يتناول مايطلق عليه المرحلة الفعالة للمسألة المصرية أي الدور الفعال الذي لعبته مصر للتأثير على أمن وتوازن النظام الأوروبي منذ تدخلها في حرب المورة 1825 ويتعرض الى كيفية دخول مصر هذه الحرب ضد الثوار اليونانيين وانتصارها عليهم والى تخوف الدول الأوروبية الاخرى من احتمال التدخل الروسي لصالح هؤلاء الثوار والزحف المصري التدريجي على أوروبا سياسيا وجغرافيا وسرعان مابدأت الدول الأوروبية الكبرى تتعامل مع مصر على اعتبار انها دولة شبه مستقلة ولجأت بريطانيا الى مفاوضة محمد علي لازالة الاثار السلبية الناتجة عن تدخله العسكري في الثورة اليونانية وطالبته بالانسحاب من الحرب الدائرة غير ان محمد علي أعلن الثمن الذي يريده من بريطانيا نظير انسحابه وتفويت فرصة التدخل على روسيا وقد ذكر للقنصل البريطاني: (انه يتوقع المساعدة لتطوير البحرية ومساعدات مالية لتعظيم دولته) غير ان محاولاته باءت بالفشل! واستعرض المؤلف خطوات عقد معاهدة لندن 1827 والتي لعبت دورا مهما في عدم السماح لمصر بالتواجد العسكري في النظام الأوروبي وهو الأمر الذي وضع محمد علي في موقف لا يحسد عليه فقد أدرك ان استمرار تواجده العسكري في المورة سيؤدي في النهاية لهزيمة جيشه الوليد وزعزعة علاقاته مع الدول الأوروبية من ناحية ولكنه اذا ماقرر الانسحاب من ناحية أخرى فإنه سيكسب عداوة السلطان وفي كلتا الحالتين فإن ولاية المورة سوف تحصل على الحكم الذاتي وهو مايعني ضياع حلم اسنادها اليه. لذا بدأ محمد علي في مساومة بريطانيا : الانسحاب من المورة مقابل سيطرته على سوريا ودمشق الأمر الذي رفضته بريطانيا فتحالفت مع الدول الأوروبية على حشد القوات البحرية في المتوسط ونشبت معركة نوارين البحرية الشهيرة في أكتوبر 1827 والتي اسفرت عن هزيمة واغراق الأسطول المصري ـ العثماني وقد كان وقع الهزيمة قوياً للغاية على محمد علي فقرر سحب ماتبقى من أسطوله وقواته من اليونان حفاظا عليهما. وشهدت الفترة التالية لحرب المورة دخول مصر ـ كما أوضح المؤلف ـ كطرف مؤثر في النظام الأمني الأوروبي وبدأت الدول الاوروبية في التعامل معها من منطلق كونها دولة صاحبة قرارها. أما الفصل الرابع من الكتاب فيستعرض الحرب المصرية العثمانية الأولى 1831 ـ 1833 وكيف اصبحت سياسة مصر تهدد الكيان العثماني ومعه التوازنات الأمنية الأوروبية وكيف ان الاحداث داخل النظام الأوروبي منعت العمل الاوروبي المشترك لمواجهة مصر بآليات توازن القوة. أما الفصل الخامس فيشير المؤلف فيه الى الدور الذي لعبته مصر في تعميق حالة القطبية داخل النظام الأوروبي وهو ماتجسد في اتفاقيتين غاية في الخطورة اثرتا مباشرة على الأمن الأوروبي وكيف أن بريطانيا بدأت عند مرحلة معينة تفكر في توظيف العلاقة مع محمد علي لضرب نفوذ روسيا في الشرق. وفي الفصل الأخير من الكتاب يشرح المؤلف محاولة محمد علي الاستقلال عن الدولة العثمانية عام 1838 وكيف وقفت الدول الاوروبية بالتضامن مع الدول العثمانية لمنع هذا الحلم المصري. يتناول المؤلف ايضا في هذا الفصل الجزء الحاسم من المسألة المصرية والتي بمقتضاها تدخلت الدول الأوروبية لوقف الحرب المصرية العثمانية الثانية عام 1839 لأسباب تتعلق بالتوجهات الامنية للاطراف الأوروبية المعنية كما أوضح المؤلف كيفية تطبيق الدول الأوروبية لآلية توازن القوى لمواجهة الخطر المصري على الأمن الأوروبي وهو ماأسفر عن معاهدة لندن الشهيرة عام 1840 وماتبعها من اجراءات عسكرية ضد القوات المصرية في الشام بسبب رفض محمد علي لشروط تلك المعاهدة فقامت الحرب بين التحالف الأوروبي ومصر الذي الأمر اسفر عن سلسلة من الهزائم للجيش المصري في سوريا ولقد انعكست مسيرة الحملة العسكرية الأوروبية ـ العثمانية على موقف محمد علي الذي أدرك انه لا مفر من الاذعان لمطالب التحالف الأوروبي!! هكذا انطوت صفحة المسألة المصرية عام 1841 بعد معالجتها بآلية توازن القوة وعاد السلام الى النظام الأوروبي بحماية الدولة العثمانية والغاء الاثار المترتبة على السياسة المصرية المتوسعة فكانت الضحية الحقيقية هي امال مصر القومية وطموحاتها في التوسع والامتداد. اسلام الشيخ