بيان الكتب: تود جيتلين مؤلف هذا الكتاب شخصية مرموقة في أمريكا. فهو أستاذ الثقافة والصحافة وعلم الاجتماع في جامعة نيويورك. كما انه مؤلف العديد من الكتب التي لقيت سابقا نجاحا كبيرا في المكتبات. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: داخل الزمن الاول، العالم كله ينظر، سنوات الستينيات، انهيار الاحلام المشتركة ... الخ. أما مقالاته وتعليقاته المتركزة على فقه وسائل الاعلام والشئون السياسية فلا حصر لها ولا عد. وهي تظهر بشكل منتظم في كبريات الصحف الامريكية من امثال: لوس انجلوس تايمز، الواشنطن بوست، نيويورك تايمز ... إلخ. وهو يعيش حاليا في مدينة نيويورك. ينطلق المؤلف في هذا الكتاب الاستفزازي في الحقيقة التالية: وهي اننا في عصر العولمة اصبحنا مغمورين بسيل من الصور والاصوات التي تنهمر علينا من وسائل الاعلام المرئية أو المكتوبة أو المسموعة. وهذا شيء حديث العهد في تاريخ البشرية ولا يعود إلا الى العشرين أو الثلاثين سنة الماضية فيما يخص المجتمعات الغربية المتقدمة. بالطبع فان المجتمعات الفقيرة التي لم تدخلها الحداثة بعد لا تعاني من هذه المشكلة. فهناك مناطق في افغانستان مثلا لا تعرف الراديو حتى الآن، ولا الجريدة ولا التلفزيون. وبالتالي فهذا الكتاب لا يتحدث إلا عن المجتمعات التي تسيطر عليها وسائل الاعلام من كل الجهات بما فيها الانترنت، والفيديو، وغير ذلك. الجميع يعرف اننا غاطسون في بحر من الصور والاصوات التي تتدفق علينا من شاشات التلفزيون ولكن لا احد يتساءل: متى حصلت هذه الظاهرة؟ وكيف انها قلبت حياتنا رأسا على عقب. وهذه هي المهمة التي يتنطح لها هذا الكتاب ويحاول تحليلها وشرحها. في الواقع انه كان قد درس ظاهرة التلفزيون ومدى تأثيرها على حياتنا في كتابه السابق: داخل الزمن الاول. كما ودرس ظاهرة الحروب بين الثقافات في كتاب بعنوان: انهيار الاحلام المشتركة. وفي هذا الكتاب الاخير يعود مرة اخرى الى وسائل الاعلام لكي يناقشها من جديد. ولكن هذه المرة لا يقتصر حديثه على التلفزيون وانما يشمل كل وسائل الاعلام بما فيها الراديو، والصحافة، وألعاب الفيديو، والسينما، والموسيقى، والانترنت ... الخ. فحياة الانسان في عصر الحداثة أصبحت مغروسة بكل ذلك. فنحن نعيش على وسائل الاعلام دون توقف أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة. ولم نعد نعرف عدد القنوات التلفزيونية التي تنهمر علينا بصورها واصواتها طيلة النهار والليل، ومن كل حدب وصوب. وبعضهم يمتلك اربعين او خمسين او سبعين قناة تلفزيونية وربما أكثر. انه شيء مخيف ولا يعود يترك لنا أي لحظة لكي نخلو بأنفسنا، لكي نفكر ولو للحظة خارج ضجيج وسائل الاعلام الحديثة وتأثيرها. ووسائل الاعلام في جريها اللاهث وراء الجدة والانبهار تسلبنا وتكاد تشغلنا حتى عن انفسنا. ففي كل لحظة نرى صورة جديدة، أو نسمع بخبر جديد.. وهكذا نلهث وراء الصورة والصوت الى درجة اننا ننسى انفسنا ويمر الزمن دون ان نشعر به. ولذلك ايجابيات وسلبيات يحاول المؤلف ان يحللها ويدرسها وينتقدها بشكل عنيف احيانا. فاذا كان الآخرون يعتقدون بأننا دخلنا عصرا اعلاميا جديدا بانفجار الوسائل الحديثة وبانهمار الصورة والصوت علينا بهذا الشكل، فإن المؤلف يعتقد بأن لذلك سلبيات كبيرة تهدد حياتنا. فهو يرى ان هذا الوضع الجديد وغير المسبوق في تاريخ البشرية يعودنا على المشاعر العابرة، والعلاقات السطحية، ويشكل نوعا من الغسل لأدمغتنا. وفي نهاية المطاف فانه يهدد الديمقراطية لاننا لا نعود نحن الذين نشكل افكارنا عن هذا الموضوع أو ذاك وانما تصبح وسائل الاعلام هي التي تشكله بالنيابة عنا. ثم يقول المؤلف بأن صناعة الصورة والصوت على هيئة السيل المتدفق الذي لا يتوقف أصبحت احدى سمات الحضارة الحديثة. فهناك مؤسسات ضخمة في امريكا بدءا من هوليوود وانتهاء بشبكة الـ «سي. ان. ان». وفي مقدمة الكتاب يقول المؤلف بأن الفكرة الاساسية التي دفعته الى تأليفه هو اكتشافه مدى التفاوت بين ما تقوله وسائل الاعلام، وبين حقيقة الامور. فنحن نتخيل ان كل ما نراه ونسمعه صحيح، هذا في حين انه مفبرك ومصنوع بطريقة منحازة من اجل التأثير علينا. وبما ان الحس النقدي ليس موجودا عند جميع الناس فان الحيلة تنطلي على الجمهور العام الذي يشاهد الصورة والصوت ويكاد يصدق كل ما يرى. وهنا يكمن وجه الخطر في وسائل الاعلام الحديثة. فمن يمتلك هذه الوسائل يستطيع في الواقع ان يتحكم في الرأي العام ويصوغه على هواه كما يشاء ويشتهي. وبما ان امريكا تمتلك اكبر صناعة سينمائية، تلفزيونية، اعلامية فانها تتحكم بالرأي العام العالمي الى حد كبير وخطير. لا ريب في ان وسائل الاعلام الحديثة ذات تأثير كبير على عقليات الناس وسلوكهم. ولا يعود ذلك الى قوة خطابها من الناحية الفكرية وانما لانها تستخدم منهجية فعالة جدا: التكرار، ثم التكرار، ثم التكرار.. والتكرار يعلم الحمار كما يقال! أو لنقل بأن التكرار ينطبع في النفس ويترسخ بالضرورة. وهناك نقطة اخرى مهمة جدا وهي ان وسائل الاعلام الغربية تدعي الموضوعية الكاملة في نقل الاخبار. في الواقع انها أقل موضوعية مما نظن. والدليل على ذلك ما حصل للمؤلف نفسه أثناء حرب الخليج عندما شنت امريكا حربها على العراق تحت اسم عاصفة الصحراء. فقد لاحظ انه في الأيام التالية لاندلاع الحرب اختفى جميع رجالات السياسة الغاوين لها. ولم تعد ترى على شاشات التلفزيون الامريكية الا المؤيدين للضربات، من صحفيين او معلقين او سياسيين. وهذا شيء غريب ومخالف للأعراف والتقاليد الديمقراطية المتبعة عادة في امريكا. نقول ذلك وبخاصة ان الرأي العام الامريكي كان منقسما على نفسه الى حد كبير. ولم يكن كله مؤيدا للحرب على عكس ما حصل بالنسبة لافغانستان بعد عشر سنوات. كان الكثيرون من الامريكيين يريدون فقط تطبيق العقوبات الاقتصادية على العراق فعاقبته بسبب اجتياح الكويت. وبالتالي فلو كانت وسائل الاعلام موضوعية لاعطت حتي الكلام للمعارضين للحرب مثلما اعطته بغزارة للمؤيدين لها. وهذا عالم يحصل الشخص الوحيد الذي اتيح له ان يتكلم عن الحرب من موقع المعارض كان مؤلف هذا الكتاب: تود جيتلين. فبما انه كان في الستينيات من معارضي حرب اخرى شهيرة هي حرب فيتينام، ربما انه احد قادة اليسار الجديد في امريكا، فإن بعض وسائل الاعلام استجذبته لمعرفة رأيه بهذه الحرب الجديدة. فقد اتصل به في شهر يناير من عام 1991 مراسل القناة التلفزيونية (N.B.C) لاجراء مقابلة معه. والشخص المذكور هو بوب دوستون، الصحفي بسؤال عن أحد فروع القناة الموجودة في مدينة اطلنطا. وقال له بأنه يريد اجراء المقابلة التلفزيونية معه لأنه احد المحاربين القدماء لليسار الامريكي الذي طالما عارض حرب فيتنام في الستينيات. ثم سأله عن كبار المناضلين الاخرين طالبا منه أرقام هواتفهم لكي يتصل بهم ايضا فأعطاه أرقام بعض اصدقائه القدامى المقيمين في منطقة سان فرانسيسكو حيث كان يقيم هو آنذاك قبل ان ينتقل الى نيويورك. ثم حدد له موعدا بعد بضعة أيام في نيويورك لاجراء المقابلة. في الوقت ذاته كان المؤلف يتخذ موقفا اكثر تعقيدا من موقفه اثناء حرب فيتنام. صحيح انه ضد الحرب، ولكنه ليس من اتباع الحركة السلمية على طول الخط. وقد رأى ان الحركة السلمية الامريكية بددت رصيدها لانها لم تفعل الا القليل، ولم تفعل اي شيء ضد اجتياح العراق للكويت. ولم تؤيد حتى فرض العقوبات الاقتصادية على العراق. وهذا موقف استسلامي اكثر مما هو سلمي في نظره. وبالتالي فإن موقفه كان مع الادانة الشديدة للاجتياح ولكن دون ان يتوصل الى درجة تأييد عاصفة الصحراء. فماذا فعل الصحفي بمقابلته التي بثت على شاشات التلفزيون في نشرة الاخبار واستمرت ثلاث دقائق؟ لقد حذف ما يقارب الدقيقة وأوهم الشاهدين بأن المناضل اليساري الشهير الذي كان ضد حرب فيتنام غير الآن موقفه وأصبح مع حرب الخليج! وهذا ما لم يقله أبدا في المقابلة. مهما يكن من امر فإن احدى السمات الاساسية لحضارتنا المعاصرة هي اننا اصبحنا مغمورين بذلك السيل الهائل من الصور والاحداث التي تتدفق علينا من كل حدب وصوب. واحيانا لا نعرف ان نميز الصالح والطالح فنضيع بين القنوات، والتحليلات، والتقارير، والتعليقات والاخبار.. وبذلك تهمنا توسيع ثقافتنا ومداركنا لكي نعرف ماذا نأخذ وماذا ندع، وماذا نرى وماذا لا نرى. فلا أحد يجبرنا على رؤية كل القنوات التلفزيونية دفعة واحدة وهناك قنوات افضل من غيرهما واكثر جدية واحتراما للمشاهد والسامع. وهناك برامج تستحق بالفعل ان تشاهد، وبرامج اخرى سخيفة لا تستحق ان يضيع فيها خمس دقائق. وبالتالي فعلى الشاهد ان يدافع عن نفسه ويعرف كيف يختار. وماذا يختار.. وهناك مسألة اخرى: وهي ان السيل الاعلامي في التدفق قد اصبح يتجاوز الحدود الوطنية. فالشخص الجالس او حتى النائم في غرفته في القاهرة او الدوحة او الرباط يستطيع ان يشاهد عشرات القنوات التلفزيونية من عربية وعالمية. وبالتالي فالعالم كله اصبح تحت تصرفه. وظاهرة العولمة هذه كان قد تنبأ بها منذ نصف قرن تقريبا عالم اجتماع امريكي يدعى «مارشال ماكلوهان» وذلك عندما اصدر كتابه الشهير: القرية الكونية. وهذا يعني ان العالم كله اصبح عبارة عن قرية واحدة او سيصبح قرية واحدة في عصر الاتصالات الحديثة ووسائل المعلوماتية. ولكن لا ينبغي ان تكون لدينا اوهام حول هذه العولمة. فالبعض يعيش في قصر منيف مزود بكل وسائل الترفيه والاتصالات، والبعض الآخر يعيش في كوخ فقير ولا يمتلك اي وسيلة من وسائل الحضارة الحديثة. وهذا التفاوت الصارخ في مستوى المعيشة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، او حتى داخل البلد نفسه بين الفقراء والاغنياء اصبح اصعب على التحمل من ذي قبل. ففي السابق لم يكن الفقير يرى كل هذه الاضواء والبهرجات والثروات. وأما الآن فأصبح يستطيع ان يراها ويتحسر اكثر على انه محروم منها. من هنا الطابع الوحشي واللاانساني للعولمة الامريكية المعاصرة. فالفقراء في آسيا وافريقيا وافغانستان والسودان. الخ. يمكنهم ان يروا على شاشات التلفزيون النعيم الذي تتمتع به الشعوب الاوروبية والامريكية، وكذلك حياة الترف والبطر. وهذا ما يزيد في آلامهم وعذابهم. اما في السابق فما كانوا يستطيعون ان يروا شيئا، كانوا بالتالي يعتقدون ان جميع الناس مثلهم يعيشون حياة الفقر والحرمان.. والشيء الذي يزيد الطين بلة هو ان الاعلام الامريكي القوي والجبار اصبح يفرض شخصياته السينمائية والفنية على العالم اجمع. فمن هم نجوم اليوم الذين تعلق صدورهم على جدران الشوارع والبيوت؟ هل هم العلماء الذين نالوا جائزة نوبل وقدموا خدمات جليلة للبشرية؟ بالطبع لا. انهم مارلين مونرو، أو جي آر، او بوبي، او بقية ممثلي مسلسل «دالاس» الشهير الذي انتشر في العالم اجمع. وكانت الحركة تنقطع في الشوارع عندما يبث المسلسل على شاشات التلفزيون.. فهل هذه هي ثقافة المستقبل؟ هل ستكون ثقافة القرن الواحد والعشرين سطحية وهزيلة الى مثل هذا الحد؟ لهذا السبب يطرح المؤلف في آخر كتابه مسألة نهاية الثقافة في عصر العولمة التلفزيونية الطاغية. فإذا كانت مطاعم الماكدونالد ستسود العالم كله وتطغى على المطابخ المحلية، واذا كان لباس الجينز سيعمم ايضا على شبيبة العالم واذا كان مشروب الكوكاكولا هو السائد واذا كان بوب ديلان ومادونا ومايكل جاكسون سيحلون محل فيروز وام كلثوم وفاتن حمامة وعمر الشريف فعلى الدنيا السلام. هناك خطر يهدد الثقافة البشرية حاليا هو النمطية الامريكية أو «العولمة الامريكية التي تريد ان تفرض نفسها على جميع شعوب العالم» وحتى دول قوية كفرنسا اصبحت تخشى على نفسها من هذه الهيمنة فراحت تدافع عن لغتها وثقافتها وصناعتها السينمائية والفنية في وجه هجمة الافلام الامريكية والمسلسلات الامريكية الكاسحة واذا كانت تجد صعوبة في ذلك فما بالك بنا نحن؟ ينبغي على العرب ان يدافعوا عن الثقافة العربية والاسلامية واللغة العربية التي اصبحت مهددة الآن في عقر دارها من خلال هجمة التلفزيونات الاوروبية والامريكية بلغاتها الفرنسية والانجليزية وحتى الايطالية فيما يخص دول المغرب العربي على وجه التحديد وينبغي ان ندافع عن السينما العربية والمطبخ العربي الاصيل مثلما يدافع غيرنا عن اصالته وخصوصيته وهذا لا يعني الانغلاق الكامل على الثقافة الحداثة، فما نفهمه من هذا الكتاب الذي الفه باحث امريكي هو ان الثقافة التي تبثها وسائل الاعلام الامريكية على مدار الساعة ليست كلها جديدة بل ان فيها الكثير من السهولة والميوعة والسطحية والسرعة واللهاث الدائم وراء الموضات الجديدة والصرعات الخ.. وقد اصبحت تشكل خطراً على الشعب الامريكي نفسه فما بالك ببقية الشعوب الاخرى؟ ويرى المؤلف ان الهيمنة الامريكية على الصناعة الثقافية ليس امراً جديداً والمقصود بالصناعة الثقافية هنا صناعة الافلام السينمائية، وافلام الفيديو، والمسلسلات التلفزيونية والاسطوانات الموسيقية والاغاني وفي هيمنة اللغة الانجليزية على جميع اللغات الاخرى، ففي العقد الثاني من القرن العشرين اصبحت هوليوود اكبر منتج للافلام والمسرحيات في الغرب، واذا كانت السينما الاوروبية وبخاصة الايطالية استطاعت ان تقاوم حتى مشارف الثمانينيات فإنها انهارت بعدئذ امام هجمة الافلام الامريكية ويقدم لنا مؤلف الكتاب بعض الاحصائيات الدقيقة التي تبرهن على ان الامبريالية الثقافية الامريكية ليست حديثة العهد، ففي عام 1925 مثلا كان 90% من الافلام المعروضة في بريطانيا، واستراليا، وكندا، والبرازيل، والارجنتين، واسبانيا، والبرتغال، والمكسيك آتية من هوليوود وفي عام 1927 اصبحت النسبة 65% في بريطانيا واستراليا وكندا والبرازيل وايطاليا والمكسيك واصبحت على الاقل 75% بالنسبة لبلدان كالصين وكولومبيا ومصر. واخيراً يمكن القول بأن هذا الكتاب يعري النظام الاعلامي الذي يسود العالم حاليا. كما ويبين لنا مخاطره على العقول والنفوس اذا لم ننتبه للامر، فنحن اصبحنا نعيش في طوفان من السيل الاعلامي من الكلمات والصور والاصوات التي تنهمر علينا دون توقف صباح مساء. وبالتالي فما علينا إلا ان نحمي انفسنا من آثارها الضارة عن طريق الاختيار الجيد لما يستحق المشاهدة وغض الطرف عما لا يستحقها ثم عن طريق اقفال شاشات التلفزيون احيانا، لم لا؟ فالصمت ضروري من اجل هدوء الاعصاب والتفكير بهدوء وقراءة كتاب له معنى