عمل ستيفن كنزر، مؤلف هذا الكتاب، مراسلاً صحفياً في أكثر من خمسين بلداً في قارات العالم، واصبح في عام 1996 رئيساً لمكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في اسطنبول، وهو يعمل الان في شيكاغو حيث يساهم بالكتابة في عدة صحف قومية امريكية، سبق له ونشر العديد من الكتب من بينها: «دم الاخوة» و«الحياة والحرب في نيكاراجوا» وساهم المؤلف ايضا في عدة كتب جماعية. هذا الكتاب حول «تركيا بين عالمين» هو حصيلة تجربة السنوات التي عاشها المؤلف في تركيا وتعرّف على البلد بواقعه العميق وليس عبر الصورة السياحية التي تعود الغربيون ان يقدوا هذا البلد بها.. ولكن ايضاً بعيداً عن الصورة الاخرى التي اختزنتها المخيلة الغربية على مدى قرون عديدة لـ «التركي» البربري الذي يمارس كل انواع القمع وحيث الرجل يعيش محاطاً بعالم من «الحريم»... وفي المحصلة بعيداً عن الاحكام المسبقة التي يمتلكها الغربيون عن «الاخر»، الذي يمثله «التركي». وقد اختار مؤلف هذا الكتاب ان يقدم عمله وكأنه تحقيق صحفي عن تركيا اليوم. ولكنه تحقيق صحفي «يؤرخ» صاحبه له عبر التأريخ لتأسيس الدولة الحديثة في تركيا وعبر رصد المسيرة التنموية لهذه البلاد الواقعة على مفترق حضارتين وقارتين هما اوروبا وآسيا. حيث ان مدينة اسطنبول بالذات تمتلك هوية تمزج بين الغرب والشرق كما يبدو للوهلة الاولى من خلال هندستها المعمارية. كما ان تركيا، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب، تتأرجح بين «الحنين» الى امجاد الامبراطورية العثمانية التي مدّت سلطانها على آسيا الوسطى بجزء كبير منها وعلى العالم العربي وشطر كبير من اوروبا وبين «التطلع» الى مستقبل ذي طابع ديمقراطي تيمناً بالتجارب الاوروبية الغربية التي تطمح تركيا ان تكون احداها عبر الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. كذلك «تتأرجح» تركيا بين السلطة التقليدية التي يمتلكها جيشها وبين نفاد صبر مواطنيها من ضغط هذه السلطة العسكرية.. وبشكل عام «تتأرجح» تركيا بين بعدها الاسلامي المتأصل فيها منذ قرون طويلة وبين المكوّن العلماني الذي كان مصطفى كمال اتاتورك قد وضع لبنته الاولى منذ بدايات القرن العشرين وحيث اصبح الجيش بمثابة الحامي الاول لمثل هذا التوجه العلماني. وعلى خلفية هذا كله يطرح المؤلف عدداً من الاسئلة حول مستقبل تركيا ومدى تأصل التجربة الديمقراطية فيها والرهانات الحقيقية التي تواجهها ونمط علاقاتها مع العالم الغربي.. وغير ذلك من اسئلة ذات بعد مستقبلي.. انه يطرح الاسئلة ويحاول الاجابة عنها. وقد ساعدته اقامته الطويلة وتجربة عمله في البلاد على فهم «الحقائق التركية» التي يعيشها الناس في مدنهم وقراهم. ولعلّ من اجمل الصفحات التي يحتويها هذا الكتاب تلك التي يصف فيها المؤلف المقاهي في مختلف المدن التركية حيث كان يمارس مع الاخرين متعة تدخين «النرجيلة»، وخاصة تلك المقاهي التي تطل على مضيق البوسفور، كذلك وصف القرى الصغيرة المتناثرة على سفوح وحيث تتميز كل منطقة من المناطق ببعض السمات والخصائص تبعاً للاصول الاثنية او العقائدية لساكنيها.. وحيث تبدو هذه «الخصائص» واضحة جداً في حالة المناطق الكردية من تركيا ولكن بكل الاحوال يبقى الاتراك يرون في الحقبة العثمانية العصر الذهبي بالنسبة للتناسق الاثني وللتعددية الثقافية، كما يقول المؤلف ويعلن مباشرة بان الامر كان كذلك بصورة ما ويؤكد بالوقت نفسه بان السلاطين العثمانيين قد منحوا لرعاياهم هامشاً كبيراً من الحرية الدينية وقدراً مهماً من الاستقلال الذاتي السياسي. بل ويؤكد بانه عندما كانت اوروبا تمارس معاداة السامية فتح السلاطين العثمانيون المسلمون الابواب لليهود الذين هاجروا الى تركيا من اسبانيا وغيرها من البلدان الاوروبية التي اضطهدت اليهود.. وتجدر الاشارة هنا الى ان الامبراطورية العثمانية قد استمرت منذ حوالي عام 1300 الى عام 1920 حيث كان تفسخها وانحلالها هو احدى النتائج الاساسية للحرب العالمية الاولى وكذلك انحلال الامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية في اوروبا. وفي معرض الحديث عن الثقافة التركية منذ جذورها العثمانية ـ الاسلامية وحتى الفترة الراهنة يستعرض ما كتبه العديد من الادباء الغربيين، وخاصة الاوروبيين، عن تركيا وامجادها من امثال بيير لوتي والفيلسوف «جون بودان» وكثيرين غيرهما. ومن السمات الاساسية التي يؤكد بان الاتراك يتعلقون بها جداً هناك حرصهم الشديد على «استقلالهم».. ويؤكد المؤلف ايضا بان هذه الكلمة تحتوي على وقع خاص في اللغة التركية نظراً لما تعنيه في السياق التاريخي التركي وحيث كان مصطفى كمال اتاتورك قد اعلن تركيا جمهورية في عام 1923. لقد أعلن الجمهورية وفرض «قواعد لعبة جديدة» قائمة على العلمانية بشكل اساسي مع تبني النظام البرلماني ومؤسساته المختلفة. ان المؤلف يشير هنا الى حقيقة احترام القواعد البرلمانية والانتخابات في تركيا على مختلف المستويات.. لكن هذا لا يمنع واقع ان تركيا قد شهدت استيلاء الجيش على السلطة في كل مرة بدت فيها القوى الاسلامية على وشك الاستيلاء على السلطة وهذا ما حدث عام 1970 عندما قام انقلاب عسكري بقيادة الجنرال كنعان ايفرن. ان مؤلف هذا الكتاب يقدم لقارئه، وبأسلوب فيه الكثير من التعاطف، صورة تركيا الحديثة بكل ما تحمله من تعقيدات وغموض... وذلك بسبب خصوصية تاريخها الذي شهد تعاقب حضارات عديدة عليها كما تدل الاثار اليونانية والرومانية التي تم اكتشافها في مناطق عديدة. وحيث يؤكد «ستيفن كنزر» على «الغنى الحضاري»، الذي تحتوي عليه مناطق تركية عديدة وخاصة المناطق الساحلية ومنطقة حوض الفرات. وما اظهرت عنه ايضا عمليات التنقيب في «زيجما» وباختصار ان تركيا، كما يقدمها المؤلف، انما هي ملتقى حضارات قديمة من مصرية ورومانية ويونانية وفارسية قديمة.. وبالنتيجة اذا كانت تركيا اليوم هي «بين عالمين»، اي الغرب الاوروبي والشرق المسلم فإنها كانت باستمرار نقطة «ملتقى» او «مفترق» حضارات متنوعة.. انه الموقع الجغرافي الذي كان له دور كبير في صياغة التاريخ.. وتجدر الاشارة هنا الى اعمال الجغرافي الفرنسي «ايف لاكوست» الذي ألّف كتاباً شهيراً عن دور الجغرافيا في صناعة التاريخ. ومن الملفت للانتباه في عمل «ستيفن كنزر» هو انه عمل «ذو طابع شخصي» يقدمه مؤلفه بصيغة ضمير المتكلم المفرد، لكنه بالوقت نفسه عمل تحليلي لمختلف الابعاد الاستراتيجية التي تمثلها تركيا المشدودة باتجاهين متعاكسين. انه الموقع الوسط بين اوروبا والشرق الاوسط، والذي تبدو آثاره بوضوح عبر مسألة انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي حيث لايزال الاوروبيون الغربيون يرون بأغلبيتهم، في تركيا بلداً يقع على «محيط» اوروبا وليس ضمن اطارها وحيث ان هذا التمييز يتعدّى كثيراً المعطيات الجغرافية كي يستهدف خاصة مسائل الديمقراطية وحقوق الانسان، لكن مقابل هذا يؤكد مؤلف الكتاب بان تركيا شكلت لعقود طويلة معطى اساسياً في الاستراتيجيات الاطلسية ـ الامريكية ـ والاوروبية على أساس انها اخر «موقع اوروبي» ومتقدم في مواجهة الاتحاد السوفييتي «السابق». ولاشك بان هذا العمل مكتوب بقدر كبير من الحب الذي يفصح عنه المؤلف باشكال مختلفة حيال تركيا والشعب التركي وحيث يؤكد بان مثل هذه الرابطة انما قامت على اساس التعرّف على حقيقة الواقع بعيداً عن جميع الاحكام المسبقة المحكومة خاصة بثقل التاريخ وبإرث التحدي الذي خلقته الامبراطورية العثمانية اثناء مسيرتها التاريخية الطويلة لدى الاوروبيين، ورثة الامبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، ثم ان «المودة» الشخصية التي يبدو بوضوح ان المؤلف يكنها للموضوع الذي يكتب عنه، اي تركيا، لم تدفعه الى تجاهل المشاكل الاقتصادية والسياسية ـ خاصة المسألة الكردية ـ التي تواجهها تركيا وتتطلب حلولاً حقيقية وسريعة لانها تشكل كوابح جدّية امام مسيرة التقدم التركية.. كذلك يرى المؤلف في المذابح التي تعرّض لها الأرمن على يد الجيش التركي ـ العثماني ـ عام 1915 احدى النقاط السوداء في التاريخ التركي الحديث. ولكن وبكل الحالات يبدو بمحصلة التحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب بان دور الجيش في الحياة العامة للبلاد يبقى هو العامل الحاسم في التوجه الذي تنتهجه البلاد فهو الذي يملك السلطة الحقيقية. كتاب عن تركيا وواقعها السياسي عبر ملاحظات واحاديث شخصية على ارصفة المدن والقرى ومقاهيها عبر تحقيق صحفي مطوّل وتحقيق يأخذ باعتباره التاريخ والثقافة والاقتصاد والمجتمع لتركيا التي يبدو انها تعيش «مرحلة انتقالية» بين عالمين