بيان الكتب: عمل هنري جينو، مؤلف هذا الكتاب، لسنوات مفوضا للتخطيط ثم استاذاً للعلوم السياسية في الجامعات الفرنسية. سبق ان نشر له العديد من الكتب من بينها: «العزوف الغريب» وكتاب «حوارات مع دانييل كوهن سنبديث» احد رموز احداث الطلبة ـ ثورة الطلبة كما يقال ـ خلال شهر مايو من عام 1968 في فرنسا، حمل الكتاب عنوان: «هل يمكن لفرنسا ان تنحلّ في اوروبا»؟ موضوع هذا الكتاب هو «الحداثة» التي يرى المؤلف بانها اصبحت كلمة فارغة الى حد كبير من مضمونها الاساسي وبأنها قد «غيّرت كثيراً من طبيعتها». واصبح هناك سؤال يواجه الجميع تقريباً وهو: «هل نحن حداثيون ام لا؟». لكن الاجابة قد تحمل بعض «المخاطرة» اذ ألا يكون المرء تحديثياً ـ او حداثياً ـ فهذا يعني انه لا شيء. ثم ألا يكون المرء حداثياً فهذا يعني بكل بساطة تهميشه و«استبعاده» من اطار «النخب» في المجتمع الذي يعيش فيه. على هذا الاساس يؤكد المؤلف بان السؤال السياسي والاساسي الكبير المطروح على زمننا انما هو سؤال ذو طبيعة ثقافية بالدرجة الاولى، لاسيما وان الثقافة نفسها اصبحت تعني «كل شيء» و«لاشيء» والخلط نفسه نجده ايضا عند الحديث عن «الحداثة» و«الحداثيون». وسابقا كان يتم الحديث عن التاريخ الحديث والدولة الحديثة والادب الحديث والرسم الحديث والشعر الحديث والرياضيات الحديثة.. وكان هناك التقليد والتجديد.. وكنّا نعرف تقريباً ماذا يعني التمييز بين «التقليديين» و«التحديثيين». باختصار كان هناك مضمون ودلالة «شبه محددين» لـ «الحداثة».. اما اليوم وفي مواجهة هذا كله يقول مؤلف الكتاب: الحديث اصبح لا يعني سوى كلمة فارغة جوفاء، ومجرد شعار يدعو الى الخضوع، وذلك بمعنى ان كل ما هو مطلوب الخضوع له انما هو «بالتعريف» ينتمي الى الحداثة.. مثل البورصة والتبادل التجاري الحر والحقائق التلفزيونية.. الخ. وضمن هذا الاطار لم يعد هناك اي مكان لتقديم الحجج والحجج المضادة او «الاختلاف على المباديء» وحيث كانت «المجادلة بين دعاة القديم ودعاة الحداثة مهمة غالباً وخصبة وحيوية». ما يؤكده المؤلف ايضا في تحليلاته هو ان المجتمعات «الحديثة» قد شهدت نوعا من الانتقال «من الجدل الديالكتيكي الى السفسطة» او بتعبير اكثر بساطة من «الذكاء الى الحماقة».. ومن هنا يمكن المقصود بفهم عنوان الكتاب «حماقة الحداثيين» اما الترجمة الواقعية لمثل هذا «الانتقال» فان المؤلف يراها في «وهم التقدم» الذي يعتقد الحداثيون بانهم يلجون سبيله بينما هم في الواقع لا يتقدمون، بتعبير اخر هناك «خلط» كبير اليوم بين «الحداثة» و«الموضة».. هذا الخلط نفسه هو كابح لاي تقدم، واذا كانت «الحداثة» تعني في الماضي «امتلاك مشروع مجتمعي» فإنها اصبحت اليوم تعني في الواقع «غياب اي مشروع».. بل و«غياب اية مرجعية ثقافية حقيقية». ومن السمات الاساسية التي يحددها المؤلف في «حداثيي» اليوم هي انهم «لا يؤمنون في الانسان وفي التقدم». ولهذا يصفهم بأنهم «مغرقون في رجعيتهم» لان «حداثتهم» ليست في واقع الأمر سوى نوع من «اللغط اللغوي» الذي لا يأخذ في حساباته «ازمة الثقافة والحضارة».. وضمن اطار مثل هذه الازمة لابد للنقاش ان «يتيه ويراوح في مكانه». اضف الى هذا التراجع والتقهقر بل الانهيار الذي اصاب سلطة المرجعيات التقليدية او العقلانية وبالتالي غياب «الفكرة الواضحة» التي كان الفيلسوف الكبير «ديكارت» قد تحدث عنها طويلاً. ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو ان «حداثة» اليوم هي «مزيفة» الى حد كبير بينما لم يتم الاحتفاظ بـ «تراث الماضي». وبالتالي اننا لا نعيش ازمة حضارة.. وانما ازمة «الحضارة» مع «ال» التعريف.. يقول: اردنا ام لم نرد، اننا نعيش ازمة الحضارة ككل وليست ازمة حضارة معينة. وهذا ما يتم التعبير عنه بالتشكيك بفكرة الحضارة نفسها وحيث ان مثل هذا التشكيك لم يبدأ بتاريخ 11 سبتمبر 2001 مع انهيار برجي مركز التجارة العالمي حيث رأى منظّرو تصادم الحضارات بان فرضيتهم قد تجسّدت فجأة في سياق التاريخ». «منظّرو تصادم الحضارات» الذين يعنيهم المؤلف هم اولئك الذين يمثلهم جيداً المفكر الامريكي صموئيل هنتنجتون صاحب الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه: «تصادم الحضارات» والذي قام فعلياً وعملياً بـ «التنظير» للهيمنة الحضارية على اساس المعطيات القائمة على اساس «الترويج» للحضارة الغربية بنسختها الامريكية تحديداً ومما يخلق في احيان كثيرة توترات حقيقية «ثقافية» بين امريكا وحلفائها الاوروبيين بشكل خاص اذ ليس غريباً ان نقرأ على صفحات الجرائد والدوريات مقالات ودراسات تصب كلها في كيفية مقاومة «أمركة» الثقافة. وضمن النهج نفسه من التحليل يخالف المؤلف بشكل واضح وصريح ومستمر المقولات السائدة حول «استعباد» التكنولوجيات للانسان او حول قيام علاقة جديدة بين الانسان والطبيعة والعلم.. اذ ان هذه العلاقة كانت قائمة مع بروز الثورة الصناعية الاولى وخاصة منذ بدايات استخدام تعبير الحضارة نفسه في القرن الثامن عشر مع عصر التنوير. اما الان فإن محور العلاقة المعنية يتمثل في البحث عن كيفية السيطرة على العلم. ان المؤلف يرفض القبول بأن «مأساة الانسان» اليوم تكمن في التخريب الذي أحدثته التكنولوجيات فيه.. لكن «المأساة تكمن في الكذب الذي يخلط الاوراق ويمنع رؤية التراجع الذي اصاب الفكر على جميع الجبهات كما يقول ويستفيض في شروحه للتأكيد على ان «مأساة العصر» المأساة الحقيقية التي يعيشها الانسان اليوم لا تكمن في تراجع دور الدولة وانحطاط الحضارة وانما بالأحرى في الخطاب البلاغي المزيّف للحداثة المعاصرة». ان الترجمة الواقعية للسياق المأزوم القائم يجدها المؤلف في تزايد اشكال الهشاشة التي يعاني منها البشر في حياتهم وفي تنامي حالة اللا أمن وانتشار العنف.. باختصار «تعاظم كل ما يمكن ان يجر الانسان نحو الأدنى» وكل ما يساهم في استعباده وعزله ودفعه للانزواء على ذاته وقطعه عن الحداثة الحقيقية التي يمكن ان تساهم في تحقيق الحلم الانساني بالانعتاق والتحرر. ان ما نشهده اليوم هو نوع من «تشظي المخيلة الجماعية» الى كم «كبير من» المخيلات الفردية التي تجد صعوبة كبيرة في التواصل فيما بينها.. ان القواسم المشتركة للأزمة الراهنة للحداثة تتجلّى في عودة روح التعصب وذهنية العصابة وسلّم القيم الاقطاعي وازمة المدرسة وانهيار الاسرة وتضاؤل دور الدولة وتراخي الروابط الاجتماعية وخلل تنظيم العمل.. وظواهر اخرى كثيرة من الطبيعة نفسها.. لكن اذا كانت هذه الظواهر كلها تخص الحضارة الغربية بشكل خاص فإنها لا تخصها وحدها ايضاً. وعلى مدى التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب يعتمد المؤلف اطروحة كان المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل، احد مؤسسي مدرسة «الحوليات» لكتابة التاريخ قد قال بها من اجل شرح تطور مسيرة التاريخ، وهي ان هذا التطور يتم «على المدى الطويل». يقول مؤلف هذا الكتاب: «لاشك بأن حالة الاستياء التي تعاني منها الحضارة تتقدم دائماً في الاعماق وعلى المدى الطويل». لهذا يرفض مرّة اخرى، مقولة سادت حول ازمة الحضارة الراهنة في بلد مثل فرنسا وهي ان هذه الازمة قد بدأت مع احداث الطلبة في شهر مايو 1968. فهذه الاحداث كانت هي نفسها بمثابة تعبير واضح وصريح عن الازمة، بل المأساة، التي كان يعيشها مجتمع يعاني من حالة التشكيك بالقيم التي كانت قد «أسست» له اصلاً. في المحصلة يرى المؤلف بأن صلب الازمة الحضارية الراهنة يتمثل في «ازمة مبدأ السلطة» نفسه.. هذا لا يعني بأن التشكيك بهذا المبدأ نفسه هو غير مشروع، ذلك ان «الانعتاق» يكون بالضرورة من السلطة التي تمثل القمع على جميع المستويات... هذا ما بدا بوضوح في برامج عصر التنوير نفسه.. لكن «التمرد ضد السلطة لا يعني ابداً نفي كل سلطة» وانهيار سلم القيم كله بحيث تختلط الاوراق وتتم «العودة الى نقطة الصفر». ان المطلوب كما يراه مؤلف هذا الكتاب هو ان يبقى للنقاش بين الحداثة والتقاليد مضامينه ودلالاته مما يمكن ان يساهم في تقدم المسيرة الحضارية كلها بعيداً عن خطر «تكرار الماضي الى درجة التجمد الكامل». وهذا ما كان المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل قد عناه عندما كتب: «ان الحضارة هي بمثابة ارث. لكنه ارث يتحوّل ويتنامى». هذا كتاب قد لا يحتوي على جديد غير معروف الى هذه الدرجة او تلك، لكنه يذكّر في وقت يبدو ان ناسه مصابون جماعياً بـ «فقدان الذاكرة» بأن «الحداثة قد ولدت التقدم، والحداثة المزيفة هي عامل في تقهقرنا». و«لنبحث في اعماق المجهول كي نجد جديداً» كذا قال بودلير في احد اشعاره