بيان الكتب:اليزابيث وورتزل روائية وكاتبة سيرة ذاتية وناقدة موسيقية وصحفية امريكية معروفة عملت في عدد من الصحف الامريكية منها صحيفة «نيويوركر» و «نيويورك» وبالاضافة الى كتابها الأخير «اكثر، الآن، مجدداً» الصادر في شهر نوفمبر الماضي صدرت لها العديد من الاعمال المتميزة منها «أمة بروزاك» وهي سيرة ذاتية حققت نجاحا كبيرا في قائمة افضل المبيعات بعد نشرها في الولايات المتحدة في سنة 1994 ونظر اليها في حينها على انها ظاهرة ثقافية شديدة الاستثنائية. تعود اهمية وورتزل على خارطة الابداع الادبي الامريكي المعاصر الى القيمة الفنية والابداعية التي استطاعت ان تقدمها اعمالا التي تدور فكرتها الاساسية حول ظاهرة الادمان الاشكالية الاجتماعية التي تمكنت من احتوائها ابداعيا. وحسبما يرى احد نقادها، فان وورتزل في اللحظة التي تبدأ فيها امريكا مرحلة جديدة مليئة بعدم التوازن والحروب ضد ما تسميه بالارهاب والاسلحة الجرثومية، وفي اللحظة التي تتطلع فيها الى افغانستان، والى تحقيق ما تسميه بالديمقراطية، واللحظة التي يتأمل فيها الرئيس الامريكي في احداث الحادي عشر من سبتمبر، فان هذه الكاتبة تأتي في هذه اللحظات العصيبة من حياة الامة الامريكية لتعلن ان ازمتها اكبر من ذلك. هذه المقولة ايضا تستمر وورتزل في التعبير عنها، على نحو صريح وان كان مختلفا في كتابها « نساء مشاكسات» وهو عمل يشتمل على عدد من المقالات المثيرة للجدل حول وجهة نظرها في عدد من الشخصيات النسائية غير العادية تشكل في حد ذاتها موضوعات مثيرة للجدل على مر العصور بدءاً بشخصية دليلة وانتهاء بالاميرة البريطانية «ديانا» وكل ذلك من اجل التوصل الى نظرية مقنعة حول مدى الظلم وسوء الفهم الذي تعرضت له المرأة عبر التاريخ الانساني الطويل. في كتاب «أمة بروزاك» تروي وورتزل تفاصيل معاناة شابة مراهقة تعاني من ازمة نفسية حادة ومن الكآبة الامر الذي يحملها على التفكير في تدمير نفسها. وكانت قد اعترفت بأنها كتبتها اثناء معاناتها الحقيقية غير انها وبعد سنوات من نشرها هذا الكتاب تبدو كما لو انها تسعى الى اضافة تفاصيل جديدة ترمي الى حد ما للاشارة الى حالة من التفاؤل كانت قد وصلت اليها بانتهاء تلك الازمة الشاملة التي تجتاح شباب الولايات المتحدة. ومن جانب آخر تروى تفاصيل شيء اشبه بملحمة الصراع من اجل البقاء الامر الذي تتراءى لقارئها من خلاله هذه التفاصيل وكأنما هي مجرد سخرية تحتوي عليها هذه السلسلة من الاعترافات التي تدلي بها المؤلفة بقدرة فائقة على التصدي ابداعيا ونفسيا. ان تعامل وورتزل مع ظاهرة صعبة كظاهرة الادمان وتوابعها، وان كان يبدو من جانب متعلقا برغبتها في الاعتراف والكشف عن تفاصيل حالة الاستلاب والالم الا انه يبدو من الجانب الآخر متعلقا بقدرتها ككاتبة على اختزال هذه التجربة وطرحها بوعي شديد والواقع ان بدايات وورتزل كانت تشير الى انها كانت تمتلك هذه الموهبة باستمرار، فقد نشر اول عمل ابداعي لها «أمة بروزاك» وهي شابة مراهقة في العشرينيات وعلى الرغم من ان موضوعه يبدو مشابها للموضوع الذي يدور حوله كتابها الاخير الا انها وضمن موهبتها في كتابة السيرة الذاتية استطاعت ان تعبر عن تجربة فريدة ممتدة تقريبا لا يمكن تجزئتها على الرغم من حالة التفاؤل التي تبرز بين الحين والآخر في كتابها الاخير. تروي وورتزل في «اكثر، الآن، مجدداً» قصة الكيفية التي تحولت بها الى مدمنة للعقاقير التي وصفت لعلاجها من حالة مرضية نفسية، ثم تحولت بعدها الى الادمان على الكوكايين وانواع اخرى من المواد المخدرة في الفترة نفسها التي بدأت فيها بكتابة مجموعة المقالات التي يحتوي عليها كتابها «نساء مشاكسات». وبشيء من التفصيل يتضمن الكتاب سرداً للأوضاع النفسية والحياتية اليومية السيئة التي يشعر القارئ بأنها حلقة من العذاب الحقيقي تبدأ بسلوك منحرف كالكذب وتنتهي بالآلام الجسدية والهياج ومحاولات الانتحار وتدمير الذات. لكن وورتزل على الرغم من النجاح المتوقع ان يحققه كتابها الجديد لاعتبارات ربما كانت تعود في الغالب الى قدرتها على امتاع القارئ بقصة واقعية الا انها حسب رأي العديد من النقاد لم تقدم عملاً ابداعياً بالمستوى نفسه الذي ظهرت فيه أعمالها السابقة المتميزة بالعمق والمحافظة على قدر من التقنية الابداعية اللازمة لعمل ككتابة السيرة الذاتية بشكل خاص بالمقارنة بـ «أمة بروزاك». يقارن النقاد أحياناً بين وورتزل وبين الشاعرة سلفيا بلاك في محنتها النفسية الصعبة وصراعها الطويل من أجل البقاء في الساحة الابداعية وفي الوقت الذي صدر فيه كتاب وورتزل الأول «أمة بروزاك» سنة 1994 لم تكن هي بالفعل قادرة على مقاومة هذا الاستقبال الحافل الذي لقيته سواء من قبل النقاد الذين اعتبره غالبيتهم عملاً شديد الاثارة للجدل أو من قبل جمهور القراء حيث وصفه عدد كبير منهم بأنه انجاز انساني جريء صادق يضرب بجذوره الابداعية عميقاً في التجربة الشخصية النفسية لأي انسان يمر أو مرّ بأزمة حادة كتلك التي مرت بها المؤلفة واستطاعت ان تعبر عنها بشراسة المنتقد المتحدي. و«أمة بروزاك» رواية مذهلة شديدة الامتاع لتجربة مؤلفتها الشخصية المرتبطة بعلاقتها القاتلة بأقراص «البروزاك» المضادة للاكتئاب الموصوفة في الأساس من قبل طبيبها كمحاولة لمقاومة التفكير في تدمير الذات. إلا أن هذه الرواية يمكن قراءتها كوجهة نظر عدمية مليئة بشتى الاحتمالات المرعبة السيئة الجازمة بأن الحياة لا معنى لها وان القيم والمبادئ الاخلاقية لا اساس لها من الصحة