بيان الكتب: الحب، الحرية، الموت: على زوايا هذا المثلث الغامض العجيب يرقص الشاعر البحريني أمين صالح بكلماته وقصائده وحروفه ليقدم لنا قصائد نثر استطاعت ان تمسك بالكثير من اسرار الحرية وجمالها، ومواعيد الحب وطعناته، وجمال الموت ووحشيته في مجموعته الشعرية «موت طفيف» الصادرة اخيرا ضمن منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر بالتعاون مع وزارة شئون مجلس الوزراء والاعلام البحرينية: انتزعوه من حضنها الوثير، وساروا به ـ حافيا ـ في طريق جبلية، على صخور مسنونة تدمي باطن قدميه، ابتعدوا كثيرا حتى ضاعوا في السديم. جاء الثلج عشر مرات ومحا عويل الدم جاء الخريف عشر مرات ونهب ودائع العمر وهي لا تزال في حومة الانتظار تشعل مصباحا بعد مصباح. لم تأت هذه «السيطرة الشعرية» عند امين صالح وتمكنه من احتواء التدفق الشعري واعادة انتاجه محكما متماسكا من الفراغ. بل جاءت من الامتلاء الداخلي والموهبة والتأمل المعمق، رغم ظهور التناصات الواضحة عند الشاعر، وبخاصة مع الشعر اليوناني والياباني والصيني. غير انها كانت تناصات ذكية عموما انارت ظلام القصيدة وبددت حيرة الشاعر الذي مارس اكثر ما مارس دور الطفل الذي رأى الحقيقة مطلقة في عرى الامبراطور في الحكاية المعروفة فصرخ بها بين وهم الناس المخيف بجمال ما يرتدي صاحب السلطان والذهب والدنيا. لم يقدم لنا الشاعر قصائد طويلة أو متوسطة. بل قدم نفثات روحه في هيئة قصائد قصيرة جداً: ومضات. وفي مثل هذا البناء ينبغي للشاعر ان يمارس مهارة عالية فنياً ليقنعنا ان هذه الومضة التي اطلقها انما تختصر الدنيا وتكتسب حقها في الحياة من خلال انطلاقتها من زاوية غامضة حقا او مظلمة حقا، مدهشة او عجائبية حقا. والا ستنسف المسألة برمتها وتكون القصيدة/ المقطع نفسها هباء منثوراً، وليس شيئا ولد ليصور هباء العالم ولا معقوليته وبطلانه الأكيد. لكن أمين صالح اجتاز في اكثر من مكان في «موته الطفيف» عنق الزجاج ليدل على خراب الزمان والمكان: يستريح تحت ظل الشجرة الأكثر شيخوخة من الشجرة وفمه مترع بطعم المشمش يسترخي منصتا الى رفيف رفاق الأمس وقلبه يغص بالحنين ــ الساهر مع الليل في غرفة عارية يحلب الوقت نأمة نأمة وهو يصيخ إلى: حمحمة حصان، سعال حوذي، وهسيس سفر مؤجل