كان أحد الشعراء يعشق الهدوء ويقدسه، وكان الصمت عاملا اساسيا كي يأتيه الالهام ويبدأ بالكتابة، وبينا هو على هذه الحال، بدأ كلب جاره بالنباح، فما كان منه الا ان ارسل خادمه ليأمر الجيران بكبح كلبهم، وبعدها عاد لتوه للكتابة بنشاط، ولدهشته اعلمه الخادم ـ بعد سويعات ـ بسفر الجار واستمرار الكلب فيما بدأه من نباح مزعج. لقد طفق الشاعر يكتب بانسياب كما لو كان الصمت قد عم، وكأن امره قد نفذ. هذا ما يدعى بالعامل النفسي، ويبدو انه في علم الطب والعقاقير، يوجد شيء مشابه نتحدث عنه بالسطور التالية. ـ هنالك قول طبي مأثور يحث الاطباء على التركيز بغية معالجة المريض، وليس المرض. بناء عليه، يستعمل بعض المعالجين الدواء المزيف (بلاسيبو) الآن يوفر العلم تفسيرا لأداء تلك الادوية. ـ ان كيفية معالجة علة المريض امر يمكن ان يكون من الاهمية، بحيث يقوم الطبيب المعالج بأي شيء سعيا وراء الشفاء. ـ نرى مثلا انه عندما يعتقد المريض تلقي معالجة ما، فإن اعراضه تخبو بسرعة، وبشكل اقرب للمعجزة، ولو كان ما يبتلعه بدلا عن الدواء حبات من سكر صرف. ـ كيف يمكن للدواء المزيف ان يؤثر؟ سؤال حير الاطباء لقرون من الزمن. ـ في اجتماع لإحدى الهيئات الطبية العالمية في أواخر فبراير الفائت، تم القاء بعض الضوء حول الموضوع وتبعا لفابريزيو بينيديتي، عالم الاعصاب من جامعة تورين ـ ايطاليا، يعتقد الباحثون الآن بأن تأثيرات الدواء المزيف تنتج عن اطلاق الدماغ لمواد قاتلة للألم والتي تدعى (مهدئات الألم باطنية التكوين)، مما يعجل الشعور بالشفاء. وعندما يعطى الناس جرعة من مادة تقاوم آثار تلك المهدئات، فإن تأثير تلك الادوية المزيفة تتبخر متلاشية. والاكثر من ذلك، يحوي الدماغ ايضا مادة تدعى كوليسيتوكينين تعاكس تلك عمل المهدئات. عندما يعطى المريض عقارا يفكك الكوليسيتوكينين، فإن سوية التأثيرات المهدئة تبقى اعلى من الطبيعي، وبالتالي فاستجابتها للدواء المزيف تضحي اقوى. وفي الحالة الاخرى، فعندما لا يعرف المريض بأنه يتلقى علاجا ما، فإنه لا يتجاوب ولا يستعجل بالتماثل للشفاء. يعرض د. بينيديتي للجمهور فيلما مميزا على الفيديو، يصور مريضا مصابا بالشلل الرعاش علما انه يمكن لأعراض المرض ان تزول بواسطة محفز كهربائي لحث الدماغ. يرينا شريط الفيديو بأن المريض غير عالم بأن التحفيز الكهربائي قد تم تطبيقه عليه، وبالتالي استمرت ارتعاشاته دونما انقطاع. ولكن حالما عرف المريض بأن مرابط الاسلاك قد تمت تغذيتها بالتيار الكهربائي، خفت اختلاجاته بشكل ملحوظ. والأمر اللافت للنظر، هو ان الاعتقادات يمكن ان تؤثر على الاداء الذهني علاوة على الجسدي، وهناك تجربة حول ذلك: درس كلود ستيل، عالم النفس في جامعة ستانفورد الامريكية، الفرق بين الجنسين في فحوص الرياضيات. ان الاعتقاد السائد هو ان الاناث ذوات اداء ادنى لدى المقارنة بالذكور في مثل تلك المواد. وجد د. ستيل بأن الفرق في سوية الاداء بين الجنسين قد اعتمد على وجود فرق بالثقة الداخلية بالنفس، وليس بسبب فرق بالكفاءة. لقد اكتشف ذلك لدى اجراء امتحان بالرياضيات لعدد من الذكور والاناث متساوين بالكفاءة، حيث كان الكل يدرس الموضوع نفسه في جامعة ستانفورد. لدى توزيع اسئلة الامتحان، اعلمت احدى المجموعات (ولنسمّها أ) بأنه قد تم البرهان على ان الامتحان «محايد» بالنسبة للجنس: اي ان اداء كل من الذكور والاناث متساوي الجودة. بينما لم تعط المجموعة الثانية (ولنسمّها ب، ولنتخذها كمقياس) اية ملاحظة حول ذلك. ان الفكرة السائدة بأن الذكور متفوقون على الاناث ضمن المجموعة ب (المتخذة كمقياس)، قد انتجت ما يلي: ظهر في المجموعات تحت الاختبار بأن الاناث قدمن امتحانا في المجموعة أ افضل بكثير من زميلاتهن في المجموعة ب، بينما كان اداء الذكور في المجموعة أ أسوأ من زملائهم في المجموعة ب. اما التقييم النهائي والشامل، بأن الاداء الكلي بمجموعه، متعادل بالنسبة لكلا الجنسين. يبدو مما سلف، انه في مجال التعليم كما في الطب، يعمل الذهن حول اي موضوع بطريقة عجيبة تفسر كل الغموض الذي نراه حولنا. د. رفيف غريب