«لتقارب الشعوب والحضارات ولتحضير التعاون من أجل السلام بين الأمم».. بهذه الكلمات التي قالها باسم الجسر عام 1989 الذي كان آنذاك مديرا لمعهد العالم العربي، عرّف الهدف الأساسي للمعهد الفتي. لكن اعتبره وهماً. وقال للجميع في البداية انه برنامج طموح مشكوك فيه. لكنها ترجمت مع الزمن بنجاح أكيد. قررت فرنسا وتسعة عشر بلدا عربيا عام 1974 الانطلاق في مشروع لا سابق له تمثل ببناء مركز مخصص للثقافة العربية في باريس تموله وتديره بشكل مشترك الدول المؤسسة له. وولد المعهد بعد ست سنوات بمشاركة 23 بلداً. وعام 1980 وقعت على عقد التأسيس الحكومة الفرنسية و22 بلدا عربيا من المغرب والمشرق. وحددت مهمة معهد العالم العربي آنذاك برعاية وتشجيع التعرف على العالم العربي وتبيان ثقافته داخل المجتمع الفرنسي، وتطوير البحث العلمي في اللغة العربية وفي القيم الثقافية والروحية، وتشجيع التعاون بين فرنسا والعالم العربي. وبرزت الثقافة في قلب هذا المشروع وافتراض ان تكون في خدمة الحوار لتؤدي دورها كمصدر للمعرفة وللفهم وللاحترام المتبادل. وبرز بين السطور مطلب سياسي هو اقامة وسيط ثقافي بين فرنسا والعالم العربي كمركز للشراكة بين الطرفين. وعام 1987 ارتفع مبنى المعهد، ومنذ ذلك الوقت يستقبل أكثر من مليون زائر في العام. معهد العالم العربي هو حيز ثقافي وفني يقدم للجمهور تشكيلة من النشاطات الثقافية بشكل دائم، المستمرة منها والاستثنائية. المستمرة هي (المتحف، وحيز الصوت والصورة وبينالي السينما العربية في باريس والمعرض الأوروبي العربي للكتاب والحفلات والمؤتمرات والمعارض)، كما هو ايضا حيز للعمل وللتفكير، فهناك المكتبة والملتقى ومركز اللغة العربية ومنشورات المعهد الخاصة. وهو ايضا مؤسسة في حركة دائمة يحلو فيها التأمل والتعلم والاستماع واللقاء والتبادل، حيث يتلاقى في هذا الحيز يوميا زائرون من فرنسا ومن خارجها بدافع الفضول، كما ان هناك الكثير من الاطفال (حوالي 50 ألفا كل عام) يأتون برفقة أهاليهم أو مدرّسيهم، الى جانب طلاب وباحثين في قاعة المطالعة وفي المكتبة أو وفي برج المكتبة اللولبي. ولهؤلاء هناك أكثر من 65 ألف منشور من كتاب ومؤلف نادر وبطاقات وأقراص مدمجة وحوالي 1500 دورية. ومهما كان الدافع للذهاب الى معهد العالم العربي، فالكل يتأمل معمارية هذا المبنى الخاصة، ففضلا عن دوره كمركز ثقافي فهو مبنى توليفة معمارية مدهشة. مبنى المعهد هو آخر المشاريع المعمارية الكبيرة في الثمانينيات، ويبدو البناء على تناسق تام مع أهداف المعهد. ففي البداية هو ثمرة عمل جماعي أعده مع جان نوفل، جيلبير ليزين وبيير صوريا ومكتب «ارشتكتور ستوديو» والمعماري السعودي زياد زيدان. يقع على ضفة السين في وسط باريس حيث وجد مكانه بين مباني العاصمة الاثرية في حين مثل تكريما للثقافة العربية. كما نجح في ضم المفهوم الغربي المعاصر في البناء (زجاج وألمنيوم) الى مركبات من التراث الشرقي. ويتضمن المبنى برجاً لولبياً يرتفع كمنارة بابلية مع فناء داخلي يذكر بالبيوت الاسلامية أو المتوسطية وفسيفساء معدنية من 240 مشرفية تفتح وتغلق حسب آلية دقيقة مقدمة أضواء رائعة