دفنت بريطانيا قبل أيام ملكتها الأم التي توفيت عن عمر يناهز 101 سنة في جنازة مهيبة لم تشهدها البلاد منذ جنازة رئيس وزرائها الاشهر ونستون تشرشل وان كان هناك من شيء يتفق عليه المؤرخون بعد هذا العمر المديد الذي عاشته فهو ان اليزابيث الملكة زوجة الملك جورج الخامس وام الملكة اليزابيث الثانية قد قدمت الكثير لتعيد للعرش البريطاني والعائلة المالكة الألق الذي كان لها قبل ان يتخلى الملك ادوارد الثامن شقيق زوجها ادوارد عن العرش عام 1939 ليتزوج بالمرأة التي احبها. ولدت الليدي اليزابيث بوييه ليون عام 1900 في بيئة بعيدة عن البيئة الملكية في لندن فقد كانت المولود العاشر لأبويها وامضت طفولتها في قلعة جلاميس في اسكتلندا منزل اسرتها العتيق وهو حصن كئيب يقول البعض انه كان الموقع الذي قام فيه مكتب بطل مسرحية شكسبير بقتل غريمه دونكان. وفي تلك القلعة والريف الذي يحيط بها اكتسبت اليزابيث حبها للخيل وسباقاتها وموهبتها في التعامل مع الناس وفي بعض الاحيان كانت تقوم بعمل الدليل السياحي الذي يقود الزوار ضمن مزرعة العائلة وقلعتها وحينما تحولت القلعة الى مستشفى عسكري خلال الحرب العالمية الاولى كانت تقوم على الترفيه عن الجند المصابين ويبدو ان الحياة وسط العائلة المالكة وقصورها لم تكن الحياة التي كانت ترغب بها حين صباها اذ يقول بعض المؤرخين ان الملك جورج الخامس قد حذر ابنه الثاني الامير ألبرت حينما حاول خطبتها قائلاً: «ستكون شاباً محظوظاً لو وافقت على الزواج منك» وتقول الاشاعات التي راجت حينها ان اليزابيث رفضت الخاطب المتودد طوال سنتين بعد ان تقدم لها اول مرة عام 1921 لكنها وافقت اخيراً ليتزوج الاثنان في مراسم ملكية في لندن. بعد 14 عاماً من الزواج وانجاب طفلين هما اليزابيث ومارجريت قرر شقيق ألبرت الأكبر ادوارد الثامن ان يتخلى عن العرش والتاج ليتزوج بعشيقته ووليس سمبسون الامريكية التي طلقت زوجها الثاني لتتزوج بملك سابق. وهكذا اصبح ألبرت ملك انجلترا باسم جورج السادس فيما أصبحت اليزابيث زوجته الملكة وحتى آخر يوم في حياته ظلت إليزابيث تعتبر فعلة ادوارد الثامن لا تغتفر لأنها تهرب من الواجب. الجلوس على العرش لم يجعل اليزابيث ابعد عن الناس ويقول احد المقربين من القصر عن ذلك: «لقد دخلت العائلة المالكة من خارجها وجلبت معها الطبيعية والعفوية التي لا يمكن اكتسابها داخل القصور». هذه الطبائع كان لها اكبر الأثر في الحرب العالمية الثانية حينما كشفت الملكة عن روحها الشعبية حيث كانت تتردد على المستشفيات والحواري وتبث رسائلها الاذاعية بفرنسية طليقة الى نسوة فرنسا المحتلة وكانت اليزابيث تعتقد ان الحرب ستكون دعامة قوية للديمقراطية فبعد ان نجا مقر باكنجهام من القصف الجوي الألماني قالت عام 1940: «أنا سعيدة جداً لأننا تعرضنا للقصف ان ذلك يجعلني قادرة على التطلع بقوة عيناً لعين في الجانب الشرقي..». ويقول البعض ان هتلر قال ذات مرة: «انها اخطر امرأة في اوروبا». لكن نهاية الحرب لم تكن نهاية المصاعب للمملكة ففي عام 1947 سقط زوجها مريضاً وظل يصارع سرطان الرئة 5 سنوات الى ان توفي عن عمر يناهز 56 عاماً وهكذا وجدت ارملة الملك عزاءها في وطنها اسكتلندا حيث اشترت هناك قلعة ماي التي اصبحت معتزلها المفضل اما الدور الجديد الذي اختارته لنفسها فهو مساندة ابنتها اليزابيث التي اصبحت اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا وهي ابنة 25 عاماً. يقول المقربون ان الام والبنت كانتا محبتين جداً لبعضهما ومتناقضتين جداً ايضاً كما بدأت تشغل نفسها في العمل الاجتماعي حتى بلغت الثمانينيات حينما كانت راعية لأكثر من 300 منظمة اجتماعية وحتى الايام الاخيرة من عمرها ظلت تحافظ على بعض النشاط الاجتماعي لها. في مكانها الجديد، الملكة الام، كانت اليزابيث اقوى المدافعين عن الملكية البريطانية حتى انها رفضت قطعياً فكرة ان يدفع افراد العائلة المالكة الضرائب كما ظلت تدين ما تصفه فضيحة ادوارد وسمبسون ولهذا كانت تحاول فرض اقسى الضوابط السلوكية على افراد العائلة وحينما تفشت فضيحة تشارلز وديانا قالت للبعض انها تشعر بأن ديانا ليست سوى بنت سخيفة وذات احساس قليل بالمسئولية والواجب اما ديانا فكانت تعتقد ان اليزابيث ترى فيها سمبسون ثانية تهدد بزعزعة الملكية البريطانية. على كل حال كان حفيدها تشارلز ولي عهد بريطانيا هو اكثر افراد العائلة قرباً منها وهي أقربهم اليه بل انهما عملياً وعاطفياً كانا الام والابن وليس الجدة والحفيد. وأكثر ما يتذكره البريطانيون عن ملكتهم الراحلة هو نشاطها ورباطة جأشها وبعدها عن التزمت وبرود أعصابها امام الاستفزاز ايضاً فذات مرة حاول احد ابناء جنوب افريقيا ان يستفزها بالقول «انا لا احترم كثيراً العائلة المالكة وارى ان جنوب افريقيا يجب ان تصبح جمهورية» لكن بدون توتر او انفعال قالت له: «ذلك هو ما نشعر به نحن الاسكتلنديين في وطننا، لكن الانجليز لن يسمحوا بذلك ابداً». وحينما رأت جارها في اسكتلندا ذات يوم وهو يجاهد لادخال اغنامه للحظيرة لم تتردد ابداً في القفز فوق السور الحجري لتساعده ولاحقاً قالت عن ذلك لمن سألها عنه: بدا لي ان هذا ما يفترض بالجار ان يفعله دوماً. جلال الخليل