من بين غابات بريطانيا الكثيرة يتميز بعضها بتسمية «غابة قديمة» وهي تلك الغابات التي لاتزال باقية من عصر غابات ما قبل التاريخ والتي غطت البلاد بعد تراجع اخر عصر جليدي عنها، والتي تعدى عليها أوائل المزارعين حينما اقتطعوا مزارعهم على حسابها. ومثل هذه الغابات القديمة المتبقية والتي ترسمها المراجع التاريخية وتحدد مكانها تظهر أكثر من غيرها قوة وإشكالية العلاقة بين البريطانيين وغاباتهم. كما أنها الوحيدة التي تحتوي على الأشجار الأصيلة التي استوطنت الجزر البريطانية، قبل ثمانية آلاف عام، اي قبل ان تنفصل هذه الجزر عن البر الأوروبي بالقناة الانجليزية. وربما كانت الشجرة التي تمثل واسطة العقد في هذه الأشجار الانجليزية العتيقة هي البلوط. لكن هناك ايضاً أشجار البندق والدردار. وما تبقى من بقع متناثرة هنا وهناك من هذه الغابات هو أول دليل فظ على ماضي وحاضر البلاد الصناعي الكثيف وهو نفسه الذي يفصل البلاد عن ماضيها القديم ويصلها به في الوقت نفسه. في القرون الماضية الأقل حميمية بين الشجرة والانسان المترف في عصرنا هذا، أي قبل ان يصبح المشهد الطبيعي شيئاً بحاجة لتجميعه مثل الفسيفساء قطعة هنا وقطعة هناك، كانت الغابات مناجم لتحريك الاقتصاد وليست تحفاً طبيعية تستنشد من يحميها ليصون جمالها. وحتى الحرب العالمية الاولى كانت الغابات مصدر الطاقة للجزر البريطانية حيث تزودها بالخشب والفحم للنار وبالأخشاب للبناء والسفن. ومن هذه الأخشاب كانت تصنع حتى المسننات والتروس الضخمة لتشغيل المطاحن ودواليب المصانع. وعلى ابواب تلك الغابات كان يقف البناءون وتجار الأخشاب وصناع المفروشات وملاك المناجم وأصحاب المطاحن والحدادون وكل يريد الخشب ليستمر في عمله. لكن العصر الحديث الذي نعيشه قد بدأ برفض ثقافة وإدارة وأخلاقيات استهلاك الغابة التي سادت فيما مضى. فرفع فأس اليوم ضد جذع شجرة يعني مباشرة اشهار هذا السلاح في وجه المجتمع بأكمله واستهتاراً بأخلاقياته. بل ان شجرة مهددة بالموت اصبحت قادرة على ان توحد الناس من حولها في سبيل انقاذها على اختلاف مشاربهم. وفي مواجهة كل مشروع او عمل يهدد الغابة في بريطانيا تجد العمال جنباً الى جنب مع الارستقراطية في مواجهته. وكلما كانت الشجرة أقدم عمراً كلما كانت هيبتها اكبر بين الناس. وحينما سقطت شجرة عمرها 150 عاماً صريعة الاعتداء عليها في حديقة وندسور الكبرى عام 1995، لم يتردد الحانقون في وصف الأمر بأنه بمثابة «قطم رقبة الملكة الأم». لكن المفارقة عند البريطانيين هي ان معظم العامة من عشاق الغابات لا يستطيعون التمييز بين شجرة جوز وشجرة كستناء، نتيجة ابتعاد الناس عن الاهتمام الفعلي المباشر بالغابة لعدم حاجتهم الاقتصادية لها. وبعد ان كانوا قادرين على معرفة كل نوع منها مثلما يعرفون معاني اشارات الطرق اليوم، فان عيونهم شأن معظم أبناء المدن اصيبت بالعمى عن مميزات وملامح كل نوع مثلما أصبحت آذانهم غير قادرة على التمييز بين تغريد نوع وآخر من العصافير والطيور. كما أنهم شأن غيرهم لا يعرفون لماذا كانت اشجار بعينها تزرع قديماً. فمن يعرف ان اشجار الطقوس هي في أغلبها أكبر عمراً من الكنائس التي تعود الى العصور الوسطى او اشجار العرعر البري وزيتها كان الوسيلة الطبية الوحيدة المتوفرة لاجهاض حمل غير مرغوب فيه. والمفارقة الاخرى هي ايضا ان هذا الابتعاد العملي والمادي عن الغابة قد ولد في المقابل التصاقاً عاطفياً وشعورياً اقوى بها. فهذه الغريزة البشرية اصبحت اقوى من السابق. خصوصاً وان الغابة في التراث البريطاني الادبي والشعبي تمثل مكاناً بارزاً. فهي الملاذ لعصابة روبن هود، وهي الستار الذي كان يبعد العشاق عن عيون العذال والمسرح المظلم للجرائم الغامضة ونقطة انطلاق الرجال في رحلة التمرد على الظلم والطغيان. وبالنسبة للبريطانيين لم يعد الشعور والعاطفة هو المسألة الوحيدة فقط. فالعلم ايضاً يقف الى جانب البلوط والدردار وغيرها. ذلك ان الأشجار على عكس البشر وأفعالهم مستهلكة لثاني اكسيد الكربون ومنتجة للأكسجين. وبالتالي لم يعد روبن هود هو الذي يعد البريطانيين بحمايتهم من الشر بل ان الغابة نفسها اصبحت هي الحصن الذي يتطلعون اليه في هذا العالم الصناعي. ومن بين الأمور التي تحز في نفوس البريطانيين المهووسين بمنافسة البر الاوروبي في كل صغيرة وكبيرة هو ان الغابات تغطي 36% من المساحة الاجمالية لدول الاتحاد الاوروبي الاخرى فيما لا تتجاوز الغابات مساحة 8 في المئة فقط من بلادهم. لكن هذا لا يعود لأفعالهم فحسب بل ان الغابات بطبيعة الحال أقل في بريطانيا منها في البر الاوروبي. ففي عام 1086 كانت تغطي 15% من مساحة البلاد تراجعت الى 5% فقط عام 1870 قبل أن تعود للانتعاش. ولم تبلغ في بريطانيا نسبتها في أوروبا الا حوالي العام 2000 قبل الميلاد حينما غطت 36% من مساحة الجزر. وربما كانت فؤوس الانسان البدائي السابقة للغزو الروماني هي المسئولة الأولى عن حالة الصلع التي تعيشها الجزر البريطانية مقارنة بأوروبا، أكثر من مسئولية الإنسان الصناعي الحديث. وعلى سبيل المثال فإن سهول سالزبيري كانت قد جردت تماماً من أشجارها بين 4000 و2000 قبل الميلاد. وربما كان هذا هو الذي اثار اطماع قياصرة روما للجزر البريطانية. فهؤلاء كانوا يريدون سهولا فسيحة يزرعوها بالقمح وليس اشجاراً يقطعونها للتدفئة وما أكثرها عندهم وحولهم. جلال الخليل عن «صنداي تايمز مجازين»