بيان الجمعة: تبذل الشعوب النفس والنفيس.. وتنفق جليل الأموال في سبيل اذاعة أسماء بلادها.. وبث ثقافتها في العقول والأفئدة والشفاه. بينما شاء قدر مصر أن يكون لها من جذور العقيدة سهم ينفذ الى سواد القلب وحنايا الصدور. فقد شرفها الله سبحانه وتعالى بذكر اسمها في القرآن الكريم.. كما عظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاشادة بها في سنته النبوية الشريفة. حول هذا الموضوع يقدم لنا الدكتور أحمد عبدالحميد يوسف كتابه المهم: «مصر في القرآن والسنة». بداية يوضح المؤلف أن الله سبحانه وتعالى قدر للمصطفين من أنبيائه ورسله مقادير يجتمعون عليها ويشتركون فيها.. وموارد اليها يردون ومنها يأخذون.. ولأمر ما شاء رب العرش لأنبيائه ورسله أن يخرجوا من تلك البقعة الوسطى من شرق الأرض فيبشروا فيها بما نزل عليهم من كتب الدين ورسالات السماء.. ولأمر ما شاء رب العرش أن يقبل أنبياؤه على مصر ويردوها فيقيموا فيها ما شاء لهم أن يقيموا أو يكون لهم بها سبب يعظم أو يهون. فإذا سلكنا سبيل المؤمنين المستسلمين.. ونظرنا في هذا نظر التقاه الممتثلين قلنا: إن لله حكمة هو بالغها فيما قدر لأنبيائه ومرسليه. ولئن بدت الأمور كذلك للمتقين المستمسكين بالايمان دون غيره.. فقد يجد المؤرخون أنفسهم ـ مع ايمانهم ـ من وقائع التاريخ حيال أحداث متشابهات.. وظواهر متكررات.. تفرض على عقولهم ومناهجهم التساؤل والاستقصاء.. وتخرج بهم من معلول يستظهرونه الى علة يطمئنون اليها واليها يركنون. على أن سنة القرآن فيما روى من قصص.. واستعرض من أحداث.. أنه إنما ينتقي منها من الشواهد ما يدعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. مخلدا الى الايجاز.. معبرا عن القصص عما يريد من اللباب الذي يتعمق الى الأغوار.. محققا بذلك العظة التي أرادها وقصد اليها من السيرة ورواياتها. فلم يكن كتاب الله إذن سجلا للأحداث.. ولا كتابا للتاريخ بمعناه المفهوم.. ولا صحيفة من صحائف الأمم.. ولا شعب من الشعوب.. ولذلك فلسنا نأنس فيه الأسماء الكثيرة ولا تفرع الأنساب والسلالات.. ولا نجد فيه استقصاء لأحداث معدودات مفصلات.. وهو مع ذلك ـ على ايجازه وبيانه ـ خليق أن يحفز على البحث والاستقصاء.. خليق بالنظر فيما أورد من أخبار الأيام.. والتحقق من أحداث التاريخ. فصل جليل! ويؤكد المؤلف أن جلال الدين السيوطي أخرج في كتابه «حسن المحاضر في أخبار مصر والقاهرة» عن ابن زولاق أن مصر ذكرت في القرآن الكريم في ثمانية وعشرين موضعا.. وقال: بل أكثر من ثلاثين.. وقع فيها ذكر مصر من القرآن صريحا أو كناية.. وقد نقل السيوطي عن الكندي تعليقه على طائفة من آيات القرآن فيها قوله: «لا يعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصفه بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم غير مصر». لقد كانت مصر فصلا جليلا من تاريخ كل دين.. على أرضها كلم الله موسى وبعثه هداية للعاملين.. وأقبل عليها يسوع في المهد وكانت به أسبق المؤمنين.. ثم صارت من بعده حصن الاسلام ومعقله الحصين. ومن قبل ذلك أقبل عليها أبو الأنبياء خليل الرحمن ابراهيم فأقام بين أهلهم يقول لهم ويسمع منهم.. ثم يخرج بجارية مصرية تكون أما لبكر بنيه.. فلقد كانت هاجر مصرية.. تحمل اسما مصريا ورد في الآثار المصرية بما لا يلحظ فيه غير تصحيف يسير.. إذ نقرؤه في المصرية: هاقر وهاقرة. وتلد هاجر المصرية اسماعيل الذي باركه ربه.. فكان صديقا نبيا.. ومن اسماعيل تخرج أمة عظيمة.. هي أمة العرب المستعربين.. ومنها كانت قريش زعيمة العاربين والمستعربين أجمعين. وقد شاء الله أن يشرف الأصل بالفرع.. فتشرف هاجر بمولد اسماعيل بل يشاء تخليدا لتلك الفتاة المصرية فيفرض على عباده السعي كما سعت بين الصفا والمروة حاجين أو معتمرين.. إذ تأذن ربك للآلاف من خلقه أن يطوفوا بين الجبلين إذ يتدافعون ما دارت الشمس كل عام مسبحين مهللين.. وملبين مكبرين.. وأن يظلوا على تدافعهم حتى يرث الأرض ومن عليها واليه يرجعون.. وأن يكون فرضه هذا من أركان دينه الذي أنزله وارتضاه كافة للعالمين.. يقول الله تعالى في سورة البقرة:«إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما». وكأنما كان خليل الرحمن يدعو لذريته في أرض الحجاز بمثل الذي رأى من الخير في مصر.. حين هبط اليها زائرا.. ثم متخذا من بناتها زوجة.. تكون أما لولده اسماعيل.. وأما للعرب ونبعة لسيد الأنبياء والمرسلين.. وكأنما تمثل له حين دعا في الحجاز لهاجر ما كانت قد اعتادت في بلادها التي هجرها وأقبلت منها.. يقول تعالى في سورة ابراهيم: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون». ومن بعد ابراهيم جاء يوسف.. إذ حمل اليها صبيا فعاش فيها حياته حتى توفاه الله في أرضها حيث حنط ودفن الى حين. وقد كان هبوط يوسف مصر مكانة ونعمة من الله يمن بها عليه.. ولو جاء اليها في مهانة العبودية وذل الإسار.. لأن الله إنما حمله اليها «مبعوثا» يتعلم العلم في أرضه التي أقام فيها العلم منذ غابر الأحقاب والدهور.. وقال عز من قائل في سورة يوسف: «وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون». وفي مصر نشأ موسى أيضا.. حيث ربى وليدا.. ولبث فيها من عمره سنتين.. يقول الله تعالى في سورة القصص: «ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين».. ويقول سبحانه أيضا في نفس السورة: «فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.. فلما آتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين». وأما يسوع.. فقد أتت به مريم تحمله حيث أقامت كما حدث الرواة بين عين شمس وبابليون.. وقال تعالى في سورة المؤمنون: «وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين». وكان لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم - كما كان لأبيه ابراهيم ـ زوجة مصرية.. أو قبطية.. هي مارية.. التي أنجبت له ولده ابراهيم. أسلم تسلم! وينتقل بنا المؤلف الى الحديث عن مكانة مصر في السنة النبوية الشريفة.. مبينا أن مصر شرفت من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بدعوتها في شخص حاكمها الى الاسلام.. إذ كتب الى المقوقس والى الروم عليها كتابه المشهور إذ يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبدالله ورسوله الى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الاسلام، فاسلم تسلم يؤتيك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم كل القبط».. «قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» وقد رد المقوقس فبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية.. هي مارية القبطية التي أنجبت له ابنه ابراهيم. ثم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مصر وأهل مصر من أحاديثه الشريفة من جوامع الكلم ما قدر لها ولهم من الفضل والكرم ما ننقله بسنده عن جلال الدين السيوطي من كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة».. قال: قال أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم في فتوح مصر، حدثنا أشهب بن عبدالعزيز، وعبدالملك بن سلمة قال: حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما».. وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما». وأخرج ابن عبدالحكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك خير أجناد الأرض، فقال ولم يا رسول الله؟ قال لأنهم وأزواجهم في رباط الى يوم القيامة». وأخرج ابن عبدالحكم عن مسلم بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ا«ستوصوا بالقبط خيرا فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم».