بيان الجمعة: أكدت الدكتورة حورية مجاهد أستاذ العلاقات السياسية والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة أن الاهتمام بمستقبل انتشار الإسلام في إفريقيا يرجع إلى أكثر من ربع قرن مضى، حيث وقعت يدها على إحصائية مهمة ذكرت أن من بين كل 10 أشخاص يعتنقون دينا سماويا ينضم 9 أشخاص للإسلام، وشخص واحد للمسيحية وهذه الأرقام لابد أن تؤخذ في الحسبان مشيرة إلى أن إفريقيا هي قارة الإسلام حيث أن ما يزيد على نصف سكانها ينتمون للإسلام بنسبة 59% من شعوب إفريقيا مسلمون حول خط 10 شمال الذي يعد خط الإسلام و يمر في شمال الصومال حيث أن بعض الدول فيها 100% مسلمين وتقل هذه النسبة كلما اتجهنا جنوبا وبذلك يتضح أن ثقل الإسلام في القارة الإفريقية يتركز شمالا وغربا ويقل في جنوب القارة هذا إلى جانب الدول التي يدخل فيها الإسلام لعوامل سياسية مثل نيجيريا وأثيوبيا والتقديرات المحايدة تؤكد أن أثيوبيا اغالبها من المسلمين حيث أن اغلب الإحصائيات في إفريقيا يتم الحصول عليها من الإرساليات الأجنبية المسيحية إلا أن الواقع أن هناك تيارا عاما لدى شعوب القارة الإفريقية يتجه بكليته إلى الإسلام الذي ينتشر بقوة الدفع الذاتية نحو الشعوب الإفريقية لتصبح بحق هي قارة الإسلام . وتتساءل د. حورية في الندوة الموسعة التي عقدها مؤخرا مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة بالتعاون مع مركز الدراسات المعرفية عن سر انتشار الإسلام بالرغم من الجهود الجبارة التي تبذلها الإرساليات التبشيرية والكنائس الغربية في إفريقيا ؟!! وتشير إلى أن إفريقيا هي قارة الإسلام وقارة التغيير في القرن المقبل ومركز ثقلها الإسلامي في غربها وليس في شرقها بالرغم من قربه من الأراضي الحجازية وذلك لان غرب إفريقيا شهد ممالك وإمبراطوريات إسلامية قوية لم تنقطع صلتها بالإسلام إلى يومنا هذا رغم الاستعمار المقيت مثل غانا ومالي والسنغال وعرفت زعماء مؤسسين أمثال عثمان بن فوديو، الحاج عمر سماتوري وغيرهما العشرات الذين أعلنوا الجهاد في وجه الاستعمار الصليبي الغريب على الديار الإفريقية وساهموا في توسيع رقعة انتشار الإسلام في غرب إفريقيا الذي ظل يغزو الساحل ولم يخترق قلب إفريقيا منذ انتشاره بسبب وعورة التضاريس في كينيا وما حولها مما جعله يغزو الساحل حيث كانت هناك دول إسلامية كاملة في إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي ولفت نظر العالم إلى ثراء إفريقيا من الهدايا التي كانوا يحملونها للخليفة في رحلات حجهم إلى الأراضي المقدسة في الحجاز ذهابا وإيابا ومظهرهم وما يحملون من خيرات وأموال وذهب . وقالت إن سبب تأخر انتشار الإسلام في شرق إفريقيا هو موقف الكنيسة الأثيوبية من الإسلام واستعانتها بالكنيسة الأوروبية الاستعمارية البرتغالية على وجه الخصوص منذ منتصف القرن الخامس عشر ضد الأمير نجران وجاء الاستعمار البرتغالي وبدأ في تطويق القارة بعد ذلك إلا أن ذلك لم يسفر عن انتشار المسيحية بشكل يهدد الوجود الإسلامي في إفريقيا حيث أن الإسلام بما يحتوي من يسر وبساطة في عقيدته وأوامره وعباداته كان الأقرب إلى قلوب الأفارقة من اتباع الديانات التقليدية غير السماوية حيث يصعب عليهم تقبل العقيدة المسيحية بتعقيداتها كما أن الأفارقة من اكثر شعوب العالم تدينا وإيمانا بوجود خالق أعظم قوي ولم تكن ديانتهم وثنية بحتة مما جعلهم اقرب للدخول في الإسلام حيث وجود الخالق الأعظم في عقيدتهم جعل مفهوم الوحدانية اقرب إلى أذهانهم فضلا عن أن حياة الأفارقة لا تعرف التفرقة بين الدين والدولة فالزعيم الموجود ينظم كافة الأمور الروحية والدنيوية معا في مجتمع القبيلة . وحول أسباب تقلص المسيحية في إفريقيا توضح د. حورية مجاهد أن انتشار المسيحية في إفريقيا ارتبط منذ البداية بالتسلط الاستعماري وعاش التبشير على الحظوة الاستعمارية كما ارتبطت المسيحية في إفريقيا بظروف تاريخية وبمثلث الأطلسي ونهب القارة وتجارة العبيد كما أنها دخلت على يد الأوروبيين البيض وفي ظل التفرقة العنصرية التي يتميز بها البيض ارتبطت المسيحية في ذهنه بأنها ديانة الرجل الأبيض واعتبروها ديانة غريبة عليهم هذا فضلا عن أن ما قدم للأفارقة كانت مسيحية سطحية وهي عقيدة صعبة معقدة ومفهوم التثليث استعصى على الأفارقة فهمه أو قبوله، وما زال المسيحيون أنفسهم في حروب وصراع مرير بين مختلف الكنائس المسيحية هذا إلى جانب رفع شعارات تصادم فطرة الإنسان الإفريقي مثل «البتولية خير من الزواج» وهو مجتمع عرف تعدد الزوجات لأسباب اجتماعية بينما تعاليم المسيحية تؤكد أن الزواج بعد الزوجة الأولى غير محبوب، والزواج الثالث تعد، والزواج الرابع من أفعال الخنازير والذي يقدم عليه يطرد خارج الكنيسة في الوقت الذي نجد فيه أن عدد النساء يفوق عدد الرجال في معظم البلاد الإفريقية لعوامل الحروب والصراعات القبلية وغيرها من العوامل ففي دول مثل ناميبيا وكينيا وأوغندا ورواندا نسبة الذكور اقل بكثير عن النساء وفي بعض الدول الإفريقية عدد النساء ثلاثة أضعاف عدد الرجال، ولذلك تعاليم الإسلام جاءت متوافقة معهم في نقاط عديدة فغزت قلوبهم وتمكنت منها وانتشرت بين الأفارقة بالدفع الذاتي عكس المسيحية التي لم يفهموا طقوسها مثل المعمدانية، والعشاء الرباني، وسر الذبيحة، وغير ذلك من التعاليم الصعبة والمعقدة علاوة على أن في إفريقيا اكثر من 6500كنيسة طوائف نصفهم في جنوب إفريقيا وحدها، كما أن هناك كنائس للبيض لا يدخلها السود، وأخرى للسود لا يدخلها البيض، وظهر بعض مدعي النبوة من المسيحيين السود وظهرت كنائس المسيحية الوثنية، وكنائس المسيحية القبلية وكنائس ما بعد المسيحية، علاوة على أن الإسلام كان له دور رائد في محاربة تجارة العبيد بينما الكنيسة الغربية وفروعها في إفريقيا كانت تبارك تجارة العبيد وتأخذ حصتها كاملة من ريع هذه التجارة مما كرس رفض الأفارقة لها. وأضافت انه في ظل هذا المناخ اخذ الإسلام ينتشر بسرعة بين الأفارقة ببساطته وسهولة عقيدته ويسر تعاليمه وعدم الحاجة إلى طقوس التعميد أو خلافه كما انه إذا كان الدخول في المسيحية فردي فان الدخول في الإسلام دائما يكون جماعيا . ومما ساعد على انتشار الإسلام أن الأفارقة يرونه دين الرجل الأسود وان العرب والمسلمين يلجأون إلى الاستعانة بمستعمر أجنبي وقام أبناء الشعوب الإفريقية المختلفة من المسلمين بحمل لواء الدعوة إلى الإسلام بين أهلهم مما جعل الأفارقة يعتبرون الإسلام أحد المكونات الأصيلة للهوية الإفريقية . وحول الدور الرائد للطرق الصوفية في الحفاظ على الهوية الإسلامية في القارة الإفريقية أكدت د. حورية مجاهد أن الطرق الصوفية تعتبر من أهم وسائل انتشار الإسلام وتفهيم الأفارقة المسلمين لصحيح الدين وتعليمهم أمور دينهم حيث ظهر عدد كبير من الفقهاء والعلماء من بين قيادات الطرق الصوفية على عكس ما هو شائع عن الطرق الصوفية في بعض البلاد العربية أو الأسيوية فان الطرق الصوفية في إفريقيا دورها إيجابي بدرجة كبيرة في مجال نشر وتعليم المسلمين أمور دينهم وجذب غير المسلمين للدخول في الإسلام من خلال المزارع الجماعية والتجارة والاختلاط الاجتماعي بهم والدعوة بالحسنى وابتكار الأساليب التي تتوافق مع البيئة الإفريقية . وحذرت الدكتورة حورية مجاهد من تبني حكومات الدول العربية الرسمية لأسلوب نشر الإسلام في إفريقيا مؤكدة أن الإسلام إذا سلك سبيل الانتشار تحت المظلة الحكومية الرسمية سوف يتقلص انتشاره ويلقى نفس مصير المسيحية في إفريقيا حيث أن الأفارقة لا يريدون ما يفرض عليهم أو يرتبط بسلطة دولة ما، كما تفعل الإرساليات التبشيرية في إفريقيا حيث يقول الإفريقيون أنا لا اعبد رب الأوروبي الأبيض ولكن أريد أن اصلي لرب الإفريقي وأوضحت أن السبيل الوحيد للمساهمة في نشر الإسلام إنما يكون من خلال مؤسسات شعبية غير حكومية ومتطوعين من الدعاة المخلصين وبدعم من أهل الخير وأغنياء المسلمين.