يفهم من كلام الآباء كبار السن ان النخلة تلك الشجرة الفارهة كانت عوناً لهم في حياتهم المعيشية قبل اكتشاف النفط فأكلوا من ثمارها حتى شبعوا واستفادوا من سعفها في امور عديدة مثل بناء البيوت والعريش وصناعة الحبال واعمال الطبخ والتدفئة. وتكتسب شجرة النخيل دون غيرها من الاشجار اهمية خاصة في سائر منطقة الخليج نظراً لأنها الاكثر ملاءمة مع الظروف المناخية السائدة وطبيعة التربة ونوعية المياه. وينظر الآباء كبار السن الى شجرة النخيل التي وقفت الى جانبهم في سنوات القحط وضنك المعيشة بإجلال وتقدير بل وتقديس لأن الخالق جلّ شأنه كرمها في كتابه الكريم حيث ورد ذكرها في سبع عشرة سورة وإحدى وعشرين آية قرآنية. وفي المنطقة التي كانت تعرف سابقاً بإسم «جلفار» وهو الاسم التاريخي لإمارة رأس الخيمة، كانت اشجار النخيل تملأ مساحات شاسعة من الارض. وإلى جوار اشجار النخيل ولد وترعرع محمد خميس جمعة وهو احد اشهر مزارعي النخيل هناك. وهو يقول: عندما جئت الى الحياة كان والدي خميس يمتلك عدداً هائلاً من النخيل مختلف الاصناف، لذلك عندما بلغت سن السادسة دخلت ضاحية والدي لأقوم بمهام محدودة غير شاقة. ويضيف محمد خميس الذي هو الآن في الثمانين من العمر: كان الآباء يحرصون على اصطحاب ابنائهم وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الى الضاحية لتحقيق منفعتين هما كسر حاجز الخوف في نفوس الاطفال ثم التعرف على متطلبات العمل الزراعي قبل فترة كافية من الانخراط فيه. وكما هي حال الكثيرين فإن محمد خميس على قناعة تامة بأن المعرفة في الصغر هي تماماً كالنقش في الحجر وهو يقول: قبل مرور فترة طويلة كنت ملماً بأمور مهمة كثيرة تتعلق بالزراعة وبخاصة النخيل. وتحدث عن مراحل تطور النخلة مشيرا الى انها ـ أي النخلة ـ كسائر المخلوقات تمر بمراحل نمو مختلفة وتحتاج الى رعاية خاصة في كل مرحلة وهي: القطيعة: وتعني المرحلة التي تقطع فيها النخلة من أمها بواسطة العتلة ثم تغرس غرساً بسيطاً في مكان تجمع فيه القطائع ويسمى هذا المكان الموردة أو الحاشية. الفسيلة: بعد ان تبقى القطيعة في مكانها (الموردة أو الحاشية) لمدة سنتين تقريباً وتكون جذورها قد تسللت في الأرض وهو ما يعرف في أوساط المزارعين بعملية ضرب العروق يجهز لها المزارع حفرة لتوضع فيها ثم يقوم بربط فصوصها ومن ثم يجرى نقلها مع قاعدتها الترابية وعندئذ يطلق عليها اسم فسيلة وهو ما يعني انه قد تم فسلها في المكان الدائم لها. الصرمة: وهي المرحلة التي يتم التأكد فيها من ان جذور النخلة قد ضربت في الارض وعندئذ يقوم المزارع بفك الرباط من حولها. البكس أو البجس: وهذه المرحلة تبدأ من ضربة الحابول وتكون النخلة في قمة السخاء والعطاء. العوان: وهي المرحلة التي تطول فيها النخلة ويتساقط كربها ويميل جذعها الى النحول وكان أهل المنطقة يقيمون الرهان فيما بينهم بشأن من يستطيع تسلق العوان بدون حابول أو يصعد بواسطة الحابول. وبالنسبة له فقد قفز محمد خميس سريعآً من مرحلة الطفولة الى الشباب وهو يقول: حينما بلغت الخامسة عشرة من العمر توفي والدي وبالتالي آلت المسئولية في الضاحية برمتها لشخصي ومن خلال ممارستي للعمل توسعت مداركي بمعارف جديدة فقد تعرفت على انواع النخل وهي: النوابع: وهذه تنقسم بدورها الى القدم وأسماؤه كثيرة منها النغال، المينازة، المزناج، جشفعر، بعذوق، أبوكبيال. الوسط: وكذلك يطلق عليها المزارعون أسماء كثيرة مثل الحاتمي، الأشهل، قش حمد، قش ربيع، قش حبش، هلالي، لؤلؤ، خاطري، دباسي، اخلاص، مزريان، رزيز، خنيزي. الآخر: وهو بيري، خصاب، برحي ميناوي. وفي السنوات الاخيرة استقبل المزارعون انواعا اخرى جاءتهم من خارج الدولة مثل: البرحي والميناوي، اما النوع الآخر من النخلة فهو ما يطلق عليه اسم الفحل ومنه اصناف مثل الخطيب والنبتة. ويسمى طلع الفحل عندما يكون في بدايته غيض جمع غيضة وبعد ان تكبر الغيضة تصبح نبتة. وفي مرحلة النضج يتفتح غلافها من حولها ويسمى الدانوي الذي تفوح منه رائحة اللقاح حيث تكون تلك دلالة على جاهزية النخيل للتلقيح. وطبقاً لما ذكره محمد خميس فإنه يمكن التمييز بين اصناف الفحول باختلاف الحجم او الطول كما ان النوع الاول المعروف بالخطيبي يمتاز بجودة النوعية. وحول كيفية معرفة نضوج النبات يوضح محمد خميس ان ذلك ليس بالأمر الصعب لمن تمرسوا جيداً في ممارسة النخيل فمن خلال رائحة اللقاح التي يمكن استنشاقها من مسافة بعيدة يدرك المزارع تلك المرحلة المهمة في مراحل نمو النخيل. ويشرح محمد خميس الطريقة التي كان يتبعها الأهالي في تلقيح طلع النخلة فيقول: تجزأ النباتة الى اجزاء تسمى عطول وهي التي تغرس في طلع النخلة. ويضيف قائلاً: بعض اصناف النخيل تحتاج الى كمية كبيرة من العطول. وإذا لم تحصل النخلة على الكمية الكافية فإنها لا تنتج رطباً بل يتحول الخلال الى شيص، ذلك الذي لا يأكله الانسان وانما يستخدم كطعام للحيوان. ولكن في موسم التعديل يقوم المزارع بإجراء تعديل عذوق النخلة التي حين تكبر يصبح وزنها ثقيلا وبالتالي يخشى عليها المزارع من الانكسار وعملية التعديل هي عبارة عن ربط كل عذق بواسطة حبل مصنوع من الخوص الى ساق النخلة. ويقول محمد خميس ايضا من المواسم التي تحظى باهتمام المزارع هو موسم اليداد الذي يتم فيه نفض عذوق النخلة بواسطة المنفض حيث تعرف هذه العملية باسم اليداد وأثناء ذلك يقوم المزارع او افراد اسرته بوضع التمر المتساقط في مكان خاص يسمى المسطاح لكي يجف بواسطة حرارة الشمس وقبل اكله تنقى منه الشوائب الضارة بالصحة مثل الخشاش والحاموض والحشف ولكن المزارع لا يرمي تلك الشوائب بل يقدمها طعاما الى حيواناته. وبعد جمع التمور يقوم المزارع بتعبئتها بطريقة تضمن سلامتها من التلف وطبقا لما جاء على لسان محمد خميس فإن التمر بعد اكتمال عملية تنظيفه يعبأ في وعاء الخصف «اليراب» المصنوع من خوص النخيل او في الخرس وهو وعاء مصنوع من الفخار. ويقول: في ذلك الوقت كانت توجد لدينا العديد من الطرق لتعبئة التمور وهي: المدلوك وهذه الطريقة تقتضي اضافة بعض البهارات لتحسين المذاق والرائحة مثل الكمون والزعترالفوطن والسمسم ومن ثم يعبأ التمر في خرس الفخار. المدبس: الذي تضاف اليه كمية من الدبس المصنوع من عسل النخيل اضافة الى السمسم والزنجبيل. النثر: وفي هذه الطريقة كان يضاف احيانا السمسم ويعبأ الخليط في وعاء الخرس او غيره. المديوس: ويضاف اليه الكمون احيانا ويعبأ الخليط في جراب او خصف. وفي الماضي استثمر المزارعون النخلة خير استثمار فالى جانب الاخشاب والسعف والكرب التي استخدموها في امورهم المنزلية وكذلك التمور للأكل فقد عمدوا لتصنيع العسل من النخلة. ويقول محمد خميس: لقد الفنا طريقة بسيطة لاستخلاص العسل وهي تتمثل في تجهيز المجاري مع توفير بخار داخل مخزن صنع خصيصا لهذا الغرض. ويضيف: اما الطريقة المتبعة فهي تتم على النحو التالي: يتم رص جربان التمر فوق جريد النخيل وتوصل اليه المجاري ومع توفر الحرارة يبدأ الدبس في السيلان عبر المجاري الى ما يطلق المدبسة. ويستطرد قائلاً: كانت بالنسبة لنا كل شيء في حياتنا ولا اتصور كيف كان يمكن لنا ان نعيش بدونها فإلي جانب امدادنا بالاكل تمراً أو عسلاً فإن الاهالي اعتمدوا عليها في امور اخرى عديدة فاستغلوا جذوعها في تشييد المنازل والليف في صناعة الحبال، والكرب كوقود لطهي الطعام والسعف الاخضر لصناعة السجاد وسفرة الطعام واغطية الاكل والقفه التي تجمع فيها الحاجيات وسجادة الصلاة ومشب التهوية ومكنسة النظافة اضف الى ذلك فإن الخوص اليابس سيجمع ليستخدم في صناعة انواع المنازل مثل الخيمة والعريش والكرنب. كما يصنع منه الحوش الذي يحيط بالمنزل لمنع دخول الحيوانات والجراب او الخصف الذي يعبأ بأنواع التمور. اما بالنسبة للعسق وهي مؤخرة العذوق او عصا العذوق في البداية وعندما يكون العذق اخضر يصنع منه العديد من الاشياء مثل المناقض واقفاص الدواجن وخيوط الجربان. وعندما يجف العذق ويصاب باليباس تسمى العسو ويستعمل كمكنسة لتنظيف المنازل ووقود لطهي الطعام. ويقول محمد خميس ان الجيل السابق من اهل هذه الديرة حباهم الله بخبرة واسعة في كل امور النخلة ولذلك حينما جاءت الدولة بالخبراء الزراعيين فوجئوا بما لم يكن يخطر على بالهم فقد وجدوا المزارع المواطن اكثرهم خبرة ومعرفة بالنخلة التي تشاركه الحياة فوق ارض الوطن. ويمضى قائلا: كما قلت من قبل فإن الخبرات في فلاحة النخيل يتوارثها الابناء عن الآباء والاجداد وذلك من خلال التدريبات النظرية والعملية التي تتم في الحقل. ويضيف: بالنسبة لي فإن اول شيء تعلمته من والدي هو كيفية التعامل مع النخلة عبر مراحلها المختلفة وكمثال على ذلك فقد قال لي والدي ان نمو طلع النخلة يمر عبر مراحل مختلفة هي: الطلع والحبابو، الخلال، البسر، القارين، الرطب، التمر. كما علمني الجفية وهي عملية قطع الكرب لتنظيف النخلة. والشراطة اي قطع السعف الجاف. ويقول محمد خميس بالرغم من الصعاب التي كانت تواجهنا الا انني لم افكر البتة في الهجرة الى الدول الخليجية التي كانت قد شهدت طفرة اقتصادية فقد كنت اعشق الارض والنخيل ولذلك لم أشأ الابتعاد عن بلادي.