(اكتب عن الحياة والموت بعض منها)، هكذا قال احدهم، كنت اردد هذه العبارة دائما اثناء تجوالي في مدينتي التي احبها، واعرف طرقاتها وعرصاتها واحيائها عن ظهر قلب، الى ان وصلت اليه مصادفة، كيف لم ا هتد الى هذا الزقاق قبلا؟ وانا لم اترك شبرا واحدا من مساحة هذه المدينة الا وقادتني اليه خطواتي، وقضت عند مدخل الزقاق، تلفت يمنة ويسرة، وساطتي دهشة مباغتة، كأنني عبرته في حلم من احلامي، هذا ما بدا لي وأنا ارنو الى البيوت العتيقة والابواب الخشبية المهترئة المنتشرة على جانبي هذا الزقاق، وخيل الي، انني بعد في حلم يقظة، وان ما ألمحه امامي ليس سوى تخيلات كائن خرف فقد السيطرة على نفسه وعلى ذهنه فالتاثت الأمور في ذاكرته، واعدت السؤال على نفسي.. كيف لم انتبه لوجود هذا الزقاق في المدينة؟ فجأة فتح باب خشبي عن يميني، فصر صريرا مزعجا، وخرجت امرأة عجوز، وما ان لمحتني، حتى وقفت واستدارت نحوي وقد تبدت على ملامح وجهها علامات واضحة من الدهشة والاستغراب كمن لمح شبحا، صاحت: ـ يا الله.. عماد.. اين كنت طوال هذه الغيبة.. حسبناك مت في الحرب.. لماذا لم تراسلنا.. حسنا.. تعال.. تعال ادخل! ونمت عني شهقة مباغتة، وكدت ان اخبرها بانها اخطأت الاسم، فانا لست عماداً، لكنها تقدمت إلي، طوقتني بذراعيها، ودفعتني برفق، فغدوت داخل الدار. واشارت، فتبعتها كالسائر في نومه، واجتزنا ساحة مكشوفة في وسطها فسقية ماء وتحيط بها من كل جانب اشجار الدراق الذي فاحت رائحته وتسللت برفق ودعة الى جوانيتي، ثم ولجنا احدى الحجرات، وكانت غرفة ضيقة ذات جدران كالحة ومفارش عتيقة شبه مهترئة، قالت برفق: ـ «اجلس يا ولدي.. ريثما اصب لك كأس شاي من الذي تعودت على شربه»! تركتني وخرجت، ارخيت جسدي فوق احدى الحشايا، وخطر ببالي ان انتهز فرصة خروج هذه المرأة المجهولة وانصرف بسرعة من حيث اتيت مسقطا عن كاهلي عبء اسئلة وأجوبة كثيرة كان يتعين طرحها على هذه العجوز الغريبة مكتفيا بما حدث حتى الآن لم تتقبله ذاتي اللجوجة التي باتت ومنذ البداية تستنكر كل هذه الاحداث البعيدة عن الحقيقة وعن الواقعة، ولكن (صورة) ما مسمرة على الجدار، استوقفتني وجعلتني اغوص اكثر فاكثر في الحشية المهترثة التي اخذ احد نوابضها البارز من احشائها يخزني، فتحاملت علي نفسي، واستكنت وانا مصدوم ومدهوش معاً. كانت الصورة صورتي وانا في العاشرة من عمري، اقف الى جوار امرأة حسناء في عقدها الثالث لم اتعرف اليها رغم ان وجهها بدا مألوفاً لدي الى حد كبير، كيف وصلت صورتي الى هذا المكان.. تساءلت، ورحت انقب في ذاكرتي الملتاثة عن جواب لتساؤلي فما اهتديت اليه، مما زاد في حيرتي واستغرابي، هل انا فاقد الذاكرة، لا، فلدي هناك في احد احياء المدينة بيت ولي زوجة كذلك، واسمي هو طلال، وهذي بطاقتي الشخصية التي احملها في جيبي تؤكد لي هذه المعلومة الاكيدة وتفسر كل شيء، فما سبب هذا اللبس الفظيع اذن؟؟ نهضت من مكان جلوسي، ورحت ادور في جوانب الحجرة الضيقة وانا ارنو الى محتوياتها البسيطة الفقيرة التي توحي بان قاطنيها بعيدون كل البعد عن رغد العيش، وبينما انا كذلك، لمحت مظروفا فوق احد الرفوف، ترددت ان التقطه في بداية الامر، لكنني وبفعل رغبة عارمة غامضة مددت يدي، وتناولت المظروف، وبهت، اذ كنت انا من ارسلة الى عنوان هذا البيت، وهذا الخط خطي بكل تأكيد، وهل يخفى الخط على صاحبه، فضضت المظروف، وفتحت الرسالة التي كانت هي الاخرى بخط يدي، ورحت اتلوها وأنا مصعوق وغير مصدق: «التهمت صفحات الكتاب بعيني، لم ادع ورقة دون ان استجر منها لهفة مودعة، وسمعت صوتا لم يرق لي، وسمعت ضجيجا موجعا ايضا، كانت نافذة الحجرة عالية مرتفعة فلم اتمكن من الرؤية، عدت الى مكان جلوسي، واتكأت على هذا الحزن الذي ما برح يسوطني باستمرار، فانغرز مسمار الزمن الزنيم في خاصرتي، ولأنني اعتبرت ان كل الذي سيحدث سوف احتمله غصباً عني، فلم آبه لهذا الألم الذي أضحى خبزي اليومي الجاف». توقفت عن القراءة، الآن اذكر ما حدث، فهذه المسألة التي يعود تاريخها الى سنوات موغلة في البعد كنت قد كتبتها في احد المعتقلات، وأرسلتها خفية الى زوجتي، بعد ان رشوت احد الحراس بعلبة دخان، ولكن كيف وصلت هذه الرسالة الى عنوان هذا البيت؟ تابعت القراءة: «بعد حين، أتى من وخزني بحذائه العسكري الضخم، فوقفت على قدمين موهنتين بالكاد لهما القدرة على حمل جسدي، ثم سار، فتبعته كما يتبع الحمل الوديع أمه دون أن أنبس بحرف واحد، كان المغطس بارداً، فتثلجت كل خلايا جسمي، ثم أعقبه المغطس الحار، فأوشكت تلك الخلايا على الانفجار، ووددت ـ كم وددت ـ أن تنفجر فتريحني، لكنها أبت أن تطاوع، الرعب سيد اللحظات كلها، أما الحنين فهو الوداعة التي لا يمكن لأحد من هؤلاء الدهاقين ان ينتزعها حيث هي لصيقة بالجلد وبمسامه، لا أدري كم بقيت في هذا المكان البعيد عن الدنيا، أقف الآن عن الكتابة.. فهناك من يريد اقتحام عزلتي...». أتابع الكتابة: «سألت طبيب المعتقل عن سبب سكوت الضجيج الذي كان يصل اسماعي من الغرفة المجاورة، فضحك، وقال: صاحبك هذا مات بداء الفوستالجيا، وحين سألته مستفسراً عن هذا الداء، وعما اذا كان يقتل صاحبه، رد عليّ قائلاً: إياك.. والحنين.. انه قاتل، وأضاف: ان أكثر المعتقلين هنا لحق بهم هذا الداء المداهم، حسناً، سمح لي بالمغادرة أخيرا، فقصدت النهر الذي يشطر البلدة الى شطرين اثنين، وأرخيت جسدي، ورحت أتأمل جريان الماء، وتلك الفقاقيع التي تنفث على السطح، كأنما كانت أسماك النهر ترحب بقدومي، ففرحت، اقتربت مني هرة سوداء، بلون شقاء هذا الزمان الذي امقت، ماءت، أدركت انها جائعة، ثم لاذت بقدمي، أخرجت مدية من جيبي وقطعت قطعة صغيرة من لحمي ـ من المكان الذي تصلّب بفعل الضرب ـ فالتهمتها القطة، ثم ماءت من جديد، فأتبعت الأولى بشريحة ثانية أقل تصلباً، فثالثة.. فرابعة الى ان اكتفت، فماءت شاكرة وانصرفت، وفرحت لأنني استطعت إطعام هذا الحيوان الجائع ـ «وأنت تعرفين كم أحب الهررة».. السوداء منها على الأخص، زادي كان الكتاب الذي احتفظوا به وقالوا انه يحوي مفاهيم خيّرة لم تعد مستساغة في هذه الأيام، ثم مزقوا صفحاته على مرأى مني، واضطروي أن أحتفظ بتلك الصفحات كمناشف لكي أنظف بها مؤخرتي، هل تدركين أية مخلوقات كنت أتعامل معها داخل المعتقل اللعين؟ حدقت ثانية في هذا النمير الرقراق، كانت أسماكه لاهية عابثة، فوددت ان استحم في ماء هذا النهر، خلعت ثيابي ثم غطست، فراقت لي هذه البرودة اللاسعة، واستجابت أعضائي الحيوية كلها لهذا الأثر الخلاّب ـ كنت أشبه بالحيوان الذي يغطس في مستنقع لكي ينظف جلده من العوالق والحشرات ـ ثم حانت مني التفاتة مباغتة، فوجدتها تسبح الى جواري، ليست سمكة كبيرة، وليست أنثى طبيعية كسائر البشر، ربما كانت حورية، فأنست بها، إذ راحت تشير الى الشمال، إلى مصب النهر، وان عليّ ان أتبعها الى هناك.. ففعلت، إنني أحب البحر ـ كما تعلمين ـ هذا المدى الهادئ الصاخب، أحب تلوياته، أمزجته المتقلبة، أحب اصطفاق موجه فوق اليابسة، أحب عجائبه أعماقه وغموضها، أحب نزقه وطيشه، أحب رحابته واتساعه، أحب أسراره العميقة، ولما كنت بلا حقائب.. بلا جواز سفر، بلا اسم أو عنوان، كان يتعيّن عليّ ان اتبع حورية الماء الى ذلك المصب البعيد، يحملني النهر فوق وسادته المائية، ويعبر بي عبر السهول والغابات والمراعي والأقاليم والبلاد الى هناك، حيث لا يستوقفني أحد، ولا يستجوبني أحد، ولا تصفعني الأنامل المتسخة، ولا تلطمني الأحذية الكبيرة، وفي الطريق إليه، سأطعم مخلوقات الماء الجائعة ما تبقى من لحم جسدي، حتى إذا بلغت البحر على ظهر حورية ماء حسناء حانية، سأختلط هناك مع حقيقته الأزلية، وأستريح. هذه ليست هلوسات يا زوجتي الحبيبة، لكن داء النوستالجيا، لقد جاءتني العدوى من الصديق الراحل، أرجو أن تحتفظي بهذه الرسالة لحين عودتي». هل احتفظ برسالتي، هل امزقها، ام اعيدها الى مكانها فوق هذا الرف العتيق؟ فتح الباب، ودخلت العجوز وهي تحمل ادوات الشاي، قالت: ـ (اعذرني.. تأخرت عليك.. جمرات الموقد كانت على وشك الانطفاء). جلست الى جواري، صبت لي الشاي، ففاحت نكهته المحببة، وغمرت الحجرة فزادت من اتساعها ورحابتها بعد ان كانت ضيقة كعش طائر. قالت: ـ ( لقد طال غيابك ياعماد.. اين كنت خلال السنوات الماضية، لقد فقدنا الامل بعودتك.. حتى حسبناك مت)! وكان عليّ في هذه اللحظة بالذات، ان اضع النقاط فوق الحروف قلت: ـ ( انا لست عماد يا سيدتي . اسمي هو طلال) نبرت بدهشة: ـ (ماذا.. طلال.. لا.. لا.. انت عماد.. لم يدب بي الخوف بعد)! قلت: ـ (غريب.. كيف أتت صورتي الى هنا)؟ قالت: ـ ( هذه صورتك يا عماد عندما كنت اصغر سنا.. حسنا عرفتها.. انت من سّمرها فوق ها الجدار الآيل للسقوط . انظر الى هذه الشروخ الممتدة)! قلت محاولا التلطف: ـ (اعذريني . لقد نسيت اسمك يا سيدتي) نظرت اليّ باستغراب يخالطه لوم خفي: ـ ( وحتى هذه أيضا.. ما الذي دهاك يا ولدي.. انا عمتك فاطمة.. أيعقل ان تنساني)؟ هذا هو الوهم الكبير ـ قلت احدث نفسي ـ أأنا عماد.. أم طلال، اهذه عمتي حقيقة، اهذه صورتي فعلا، ثم هل بامكاني ان اتنكر للرسالة التي خطتها اناملي وهي قابعة الآن فوق الجدار العتيق، كيف وصلت الى هنا اذن، من انا.. اين هم.. هل انا قرين ... تلك اسئلة محيرة تسللت بشراسة الى جوانبي وراحت تدق كالمطارق لاهية عابثة بوجودي كله، هل اهرب، وأين اهرب، من هذه الحقائق التي تتمرأى امامي رغم كونها مغلفة باحكام بهذا السديم المقلق.. بهذا الضباب الكثيف!! ـ ( واين اهلي اذن . اين والدي ووالدتي وزوجتي وابني الوحيد)؟ رفعت رأسها، رمقتني بنظرة عتاب، ونبرت: ـ (بعد رحيلك . او هروبك ان صح التعبير، بفترة قصيرة، مات هؤلاء جميعا بحادث سيارة، اسفة يا ولدي، كان يتعين اخبارك، لكن جهلي بمكانك وعنوانك هو الذي حال دون ابلاغك)!. واضافت: ـ (لقد تبدلت ملامحك كثيرا.. لكنني عرفتك . وهل يمكن ان اتوه عنك) قلت: ـ ( ولكن الرسالة.. )؟؟ واشرت الى مكان وجودها، قالت: ـ (لقد وصلت بعد رحيلهم)! قلت: ـ (ولكني.. لي زوجة واولاد . يقطنون في دار اخرى بعيدا عن هذا الزقاق)! نبرت بدهشة؟ ـ (هذا غير ممكن يا ولدي.. الا اذا تزوجت سرا.. وانجبت من امرأة اخرى)!! واضافت: ـ (اشرب الشاي.. اشرب الشاي.. يبدو انك مرهق ولكن قل لي.. اين كنت اذن طوال فترة الغياب هذه)؟؟ ران صمت، لم اعد قادرا على التفكير السليم، لقد اختلطت الاشياء والمواقف والامور في ذهني الى درجة كادت تفقدني الاتزان او القدرة على المحاكمة، اخرجت لفافة تبغ ورحت ادخنها وانا شارد ساهم، ونهضت العجوز من مكان جلوسها، وقبل ان تغادر الغرفة نبرت. ـ (استرح.. وسنكمل حديثنا فيما بعد . سأخرج الى السوق ولن اغيب طويلا)! ثم صفقت باب الغرفة وخرجت. لابد انه حلم، لابد من ان يكون هذا الزقاق خارج خارطة المدينة.. وربما خارج خارطة العالم، ثم.. ما الذي قاد اليه، وهل هذه العجوز كاذبة أم محتالة؟ لماذا قصدت هذه المكان بالذات؟ ولماذا طاوعتها فدخلت الى هذه الدار؟.. والى هذه الحجرة بالذات؟ تلك اسئلة ضجت في أعماقي من العبث وربما من المحال العثور على اجابات شافية لها، واحسست بأنني على وشك الانفجار، فكل ما حولي يتحداني بقسوة بالغة، ورحت أرنو الى الصورة المسمرة فوق الحائط المقابل من جديد، أتأملها جيدا، واصابتني حيرة فظيعة، ورحت أسأل نفسي عما اذا كان صاحب الصورة يشبهني حقيقة أم هو خداع البصر أو خداع من نوع آخر، أحقاً انني مرهق ومسلوب ومأخوذ؟ ولكن الصورة.. الزقاق.. العجوز.. هذه الحجرة الضيقة والجدار المتشقق الآيل للسقوط.. هل هي أوهام وتصورات كلها؟ والتفت، وإذ أنا مستلق فوق سرير ابيض وتبرز من جسدي ثمة أنابيب وخراطيم، ورجلي اليمنى معلقة على رافعة، الساق الجريحة هذه بدأت تؤلمني للتو، وانتبهت انني في غرفة ما.. في مستشفى ما، والى جواري سرير مريض آخر، ربما صحوت الآن من مخدر، وكانت ثمة مروحة تدور ببطء شديد في سقف الحجرة، ويصدر عن دورانها ذلك الصوت الغريب الغامض، والتفت المريض الآخر الذي كان راقدا الى جواري، وقال: ـ الحمد لله على السلامة.. علمت ان الجراحة التي أجريت لساقك كانت ناجحة، رغم وجود الغرغرينا، وقد تم انقاذ ساقك من البتر فحمدا لله. قلت: ـ ومنذ متى وأنا هنا أيها السيد؟ قال: ـ لا أعلم على وجه التحديد، أنا جئت بالأمس فقط، وكنت انت في حالة غيبوبة. قلت: ـ أنا أتألم.. وبحاجة الى مسكّن. قال: ـ حسنا.. سأستدعي لك الممرضة، وأرجو ألا تحضر تلك العجوز الشمطاء، ففي هذا المستشفى حسناوات. وضغط جاري المريض على زر الجرس. لم تعد ذاكرتي تسعفني، ولم أعد انتمي الى هذه الأمور الغريبة التي تصفع وجودي وكياني الواجف، ربما غفوت، لست أدري، ربما انتابتني الهواجس الخارقة وراحت تجرجرني في هذا الزمان وفي هذا المكان، الاشياء أمامي غائمة.. غائمة الى حد كبير، ما الذي حدث لي ولماذا وجودي هنا في المستشفى وما سبب اصابتي؟ أهي النوستالجيا.. أم أنا مأخوذ فعلا؟ وجاءت الممرضة، تأملت وجهها، يا الهي الرحيم، هي العجوز نفسها التي زعمت بأنها عمتي، الوجه نفسه، الملامح ذاتها، اقتربت من سريري ونبرت: ـ ماذا.. هل ترغب بشيء؟ قلت: ـ أنا أتألم.. وبحاجة الى مخدر ما. قالت: ـ حسنا.. سأستدعي الطبيب عماد، وهو الذي يشير الى ما ينبغي عمله. استدارت وغادرت الغرفة. وانتبهت، وإذا أنا بعد أقف عند مدخل الزقاق، وأمامي يمتد ذلك الافق الغامض الضيق، والدرب ينحدر الى غير نهاية، وهرة تموء جائعة، وتحت كتفي عكازة تقيني من السقوط في هذا المدى الموحل.. في هذه التغريبة الموحشة... روائي وقاص من سوريا مقيم في دولة الامارات