قد تكون اليابان من النماذج الفريدة أو ربما النموذج الوحيد على الصعيد العالمي الذي استطاع في ظرف زمن قياسي وفي أعقاب حرب منيت فيها بشر هزيمة أن تثب إلى مصاف الدول المتقدمة، تقنياً وعلى نحو أذهل العالم أجمع. فبعد أن تكبدت خسائر هائلة بشرية واقتصادية، بدا للجميع ان هذه الدولة الرازحة تحت أشد آثار الهزائم تدميراً للأمم والشعوب ستغيب عن الساحة الدولية عقوداً من الزمن أو ربما لن تعود أبداً. وعلى النقيض من كل التوقعات وما يفرضه المنطق العام فقد وثبت تلك الدولة بشكل مذهل للأمام فغدت في طليعة الدول المتقدمة صناعياً في فترة قياسية جداً ولينهض اقتصادها بشكل سريع وهائل حتى بدا للجميع ان هزيمة الحرب العالمية الثانية ومخلفاتها ربما كانت العامل الرئيس والمحفز الأول لمثل هذه النهضة الشاملة. وعلى الصعيد الدولي أعادت اليابان علاقتها مع معظم الدول، خاصة تلك التي كانت على حرب معها حتى بدا الأمر كأن اعداء الأمس باتوا من أشد رفاق اليوم صلة وترابطاً. وهكذا غدت علاقات اليابان مع الولايات المتحدة وبريطانيا من الأمور البارزة للعيان والجديرة بالملاحظة في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد امتدت مثل هذه العلاقات الجديدة لتستوعب جميع مجالات الحياة الاقتصادية والصناعية والثقافية والتقنية وحتى الرياضية تمثل بتبادل الوفود الرسمية وغير الرسمية وإنشاء مراكز تجارية وثقافية على نحو واسع. رؤية مختلفة للتاريخ هذا الكتاب، كما يشير مؤلفه في مقدمته، لا يهدف الى أن يكون تأريخاً للعلاقات بين بريطانيا واليابان منذ الحرب العالمية الثانية بالقدر الذي يسعى الى أن يكون فيه طرحاً واقعياً لمثل هذا التأريخ وأن يلقي بعض الضوء على الحياة التي شاهدها البريطانيون أو خبروها في اليابان في فترة ما بعد الحرب. لذا فإننا نرى الكاتب يصب جل اهتمامه على فترة الثلاثين أو الأربعين سنة التي تلت الهزيمة اليابانية، منوهاً في الوقت ذاته إلى أن هذا الكتاب لا يبحث في جوانب جديدة في الشخصية اليابانية ولا أن يكون تقويماً لليابان المعاصرة، بل كان في أغلبه صوراً للناس الذين عاشوا في اليابان في هذه المرحلة التاريخية. ومن هنا سلك الكاتب محورين في تأليفه: يتعلق أولهما بما كتبه الآخرون عن اليابان. وفي الحقيقة لم يبخل الكاتب بعرض أفكار ومقالات وآراء العشرات من الشخصيات البريطانية، بحيث إنه أضاف إلى عنوان الكتاب عنواناً فرعياً يضم عبارة «مائة رأي» للإشارة إلى الكم الكبير من الكتاب الذين تطرق إليهم. أما الأمر الثاني فإن لتجربة الكاتب الشخصية في اليابان دوراً كبيراً في طرح مادة الكتاب لأن بوسع القارئ أن يلاحظ الزوايا المتعددة والمتشعبة التي يحللها الكاتب، وخاصة المتعلقة بالشخصية اليابانية، من خلال ما شاهده كورتازي هناك أثناء زياراته المتكررة ومهماته التي أداها هناك، حيث عمل أيضاً في المجال الدبلوماسي في فترة متأخرة. يركز الكتاب في موضوعاته على أمرين: العلاقات بين بريطانيا واليابان في مختلف مجالاتها الاقتصادية والسياسية والمالية والثقافية والشخصية. ويتعلق الأمر الثاني بالبحث في الشخصية اليابانية واختلافها الكبير من حيث التفكير عن الشخصية الغربية وإلقاء الضوء على الجوانب الشخصية السلبية والإيجابية على حد سواء. وقد آثرنا في عرض هذا الكتاب التركيز على الجوانب الفكرية والثقافية للشخصية اليابانية لأنها قد تكون من الأمور التي يود القارئ العربي معرفة المزيد عنها. يقول الكاتب إن أول البريطانيين الذين شاهدوا الحياة في اليابان بعد الاستسلام هم أسرى الحرب البريطانيين الذين جيء بهم إلى اليابان من جنوب شرق آسيا، حيث أُرغموا على العمل في المناجم والأعمال الشاقة العبودية الأخرى. وكان من بين هؤلاء الأسرى بيتر دين- الذي بات فيما بعد الملحق العسكري في طوكيو- حيث كان أحد أفراد مجموعة مشاة وصلت إلى سنغافورة في 13 يناير 1942 . وبعد الاستسلام البريطاني في سنغافورة أُجبر دين وغيره من الأسرى على العمل الشاق لصالح اليابانيين في خط سكك حديد بورما-سيام حيث عانى هو ورفاقه كثيراً على يد السجانين الذين أبوا الالتزام بقوانين جنيف الخاص بأسرى الحرب. وكانت الصورة التي يتذكرها هؤلاء الأسرى عن اليابان (والتي يشير إليها الكاتب) لا تتعدى صورة بلد عاد أدراجه إلى مئات من السنين الماضية. فصور الدمار والهلاك والحرب كانت ماثلة في مختلف المدن والقرى والتجمعات إلى درجة كان أشبه بالمستحيل بالنسبة لهذا البلد الوقوف على قدميه مجدداً في يوم من الأيام. ومن ثم طغت الحرب بمخلفاتها فعانى الناس من البؤس والمرض وبدت على الجميع ملامح الفقر والحاجة في فترة ليست بالقصيرة وعانى البلد سلسلة من الأزمات الاقتصادية المريرة. علاقات غريبة مع الزمن يشير المؤلف وفي معرض حديثه عن العلاقات بين بريطانيا واليابان الى إن الحرب قد أحدثت تغييرات جذرية في سير العلاقة بين البلدين. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها لم تلبث العلاقات أن عادت وإن لم تكن كالسابق حيث بذلت جهود حثيثة لإعداد الشباب للتعمق في اللغة والثقافة اليابانيين في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بينما ظهرت الحاجة ملحة لفهم أعمق لليابان. وأثناء فترة الاحتلال (1945-1952) هيمنت على العلاقات البريطانية مع اليابان العلاقة الأنجلو ـ امريكية بحيث كانت المصالح البريطانية في اليابان محدودة جداً. وكان دور الكومنولث في الاحتلال هامشياً على الرغم من أن بريطانيا قد سعت فعلاً للتأثير في مفاوضات معاهدة السلام. ومع ذلك اتسمت الاهتمامات البريطانية في بعض القضايا كالشئون التجارية بالسلبية أكثر منها بالإيجابية. وحتى بعد أن تم العمل بمعاهدة السلام عام 1952 غلب طابع الشك والبرود على الموقف البريطاني الرسمي تجاه اليابان، سيما وأن ذكريات الهزيمة البريطانية في سنغافورة عام 1942 والمعاملة اللاإنسانية للأسرى البريطانيين على يد اليابانيين لم تمحُ من ذاكرة البريطانيين ردحاً طويلاً من الزمن. بيد أن الذكريات المريرة وفقاً لرأي المؤلف قد أخذت تضمحل بمرور الزمن ولم يبقَ منها شيء سوى الجرح المتمثل بعدم تقديم السلطات اليابانية تعويضات للذين تعرضوا للمعاناة على يد السلطات الإمبراطورية. وبقي هذا الأمر المؤلم هو الأكثر بروزاً في العلاقة بين البلدين مع نهاية القرن العشرين. وفي الخمسينيات والستينيات تطور الأمر لبعض الأزمات الاقتصادية غير الرسمية حيث اتهم المصنعون البريطانيون منافسيهم اليابانيين بنسخ نماذجهم وبإغراق الأسواق ببضائع يابانية رخيصة. وقد هيمنت هذه القضايا الاقتصادية حتى وقت متأخر من الستينيات. وفي فترة الستينيات أيضاً بدأ الاحتكاك الاقتصادي بالتغير تدريجياً عندما قفز الاقتصاد الياباني بشكل سريع. ومع نهاية الستينيات بات جلياً ان اليابان ـ التي كانت تتمتع بتوازن دائم من العجز التجاري بفعل ندرة المواد الخام ومصادر الطاقة ـ قد أخذت تسير لتحتل موقعاً تنعم فيه بميزان فائض تجاري هائل ودائم. وفي تلك الأثناء كانت بريطانيا تواجه عجزاً تجارياً خطيراً وكان الجنيه الاسترليني في خطر كبير. وغدا من المهم جداً للبريطانيين زيادة صادراتهم إلى اليابان حيث أُجريت مساع حثيثة في هذا السياق. واشتد تفاقم الأزمات الاقتصادية وتذمر الكثير من المصدرين البريطانيين من التعريفات الجمركية اليابانية ومن القيود الأخرى التي أعاقت المساعي الرامية لتوسيع حجم الصادرات إلى اليابان. واتسمت بالصعوبة والجفاء المحادثات بين الحكومات في حينها والتي كانت تهدف بالأساس إلى تخفيف تلك القيود. ومن جانب آخر أطلقت بريطانيا بدورها في أواخر السبعينيات وفي فترة الثمانينيات ومستهل التسعينيات حملة واسعة النطاق لجذب الاستثمار الإنتاجي صوب الاقتصاد البريطاني. وهذا الأمر تكلل بنجاح باهر وساهم بنحو مؤثر في التخفيف من حالة التأزم الاقتصادي. وتسببت الخدمات المالية خاصة في فترة الثمانينيات والتسعينيات بحدوث بعض المشكلات والأزمات حيث كان هناك حوار تعلق بالحضور الزائد عن الحاجة للمصارف اليابانية في لندن في فترة الثمانينيات والتي كانت تقدم رؤوس أموال بفوائد اقل من السائد في القطاع المصرفي. وفي الوقت ذاته نظر البريطانيون إلى قطاع الخدمات المصرفية الياباني كأنه محجوب أمام مؤسسات الخدمات المصرفية البريطانية على الرغم من نطاق عمله الواسع. وفي منتصف التسعينيات تم التغلب على الكثير من المعضلات نتيجة لانفجار الاقتصاد الياباني الذي أجبر الآخرين على التحرك لإدخال ثورة الخدمات المالية. وعلى الصعيد الثقافي، يدعي كورتازي أن العلاقات الثقافية قد استأنفت بشكل سريع في أعقاب الحرب العالمية حيث رغب اليابانيون بتحسين لغتهم الإنجليزية بينما عبرت كبرى الجامعات البريطانية عن إعجابها بالكثير من اليابانيين المتعلمين. ولعب المجلس البريطاني دوراً قيماً في تعزيز الثقافة البريطانية حيث تم تنظيم الكثير من المهرجانات والنشاطات التي تعبر عن الثقافة الأنجلو- يابانية في اليابان، في الوقت نفسه تم تبادل الوفود الثقافية والأدبية بين البلدين. أما على الصعيد السياسي فيقول كورتازي إن اليابانيين كانوا المبادرين بالزيارة حيث قام شيجيرو يوشيدا، رئيس الوزراء الياباني في حينها، بزيارة بريطانيا عام 1954. وواجه آنذاك بعض المساءلة العدائية على الرغم من الحديث الودي الذي تبادله مع ونستون تشرتشل. وفي الستينيات والسبعينيات زار الوزراء اليابانيون بريطانيا وقام نظراؤهم البريطانيون بالعمل ذاته على الرغم من أن الزيارات اليابانية كانت ضمن رحلات شملت دولاً أوروبية أخرى أو نتيجة لحضورهم لفعاليات الأمم المتحدة. وكان الساسة البريطانيون بطيئين ومتقاعسين بالاعتراف بالأهمية المتزايدة التي شرعت اليابان باحتلالها ضمن دول العالم. ولم يبدأ الحوار السياسي بين البلدين حتى بداية الستينيات على الرغم من أن طبيعة الحوار قد ظلت في إطار غير منظم. ومنذ زيارة مرجريت تاتشر إلى اليابان عام 1982 بصفتها رئيسة الوزراء البريطانية أخذت العلاقات منحى آخر وباتت شديدة الود في الوقت الذي بدأ الوزراء اليابانيون والبريطانيون في التسعينيات بالحديث عن «علاقات خاصة ومميزة». وكان للزيارات الملكية أن تأخذ نصيبها، خاصة زيارة الإمبراطور هيروهيتو إلى بريطانيا عام 1971 وزيارة ملكة بريطانيا إلى اليابان عام 1975 ومن ثم زيارة الإمبراطور أكيهيتو والإمبراطورة ميشيكيتو إلى بريطانيا عام 1998. وكانت تلك الزيارات علامات مهمة لتحسن العلاقات الانجلو ـ يابانية. وأخيراً يطرح الكاتب رؤيته الخاصة لما يحمله المستقبل للعلاقات بين بريطانيا واليابان. ويقول إن من البديهي حدوث تطورات قد تكون سلبية أو إيجابية في القرن الحادي والعشرين، ولكن في ظل الاقتصاد العالمي القائم على العولمة ستلعب اليابان دوراً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً مهماً بحيث سيكون من الضروري جداً بالنسبة لكل من بريطانيا واليابان أن تواصلا البحث عن فهم متبادل أفضل. حضارة فريدة يتحدث الكاتب في عدة فصول ومقالات عن الجوانب الثقافية والحياتية للشخصية اليابانية من خلال التجارب التي عاشها بنفسه أو من خلال تجارب الآخرين من الصحافيين والأدباء والشعراء والسياسيين والعسكريين والرياضيين البريطانيين الذين كانت لهم تجارب هناك في فترات مختلفة من القرن الماضي، بدءاً بالفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وفي فترة الحرب وما تلاها من العقود الخمسة اللاحقة. وهذه الجوانب التي يتم طرحها في هذا السياق لا تشمل الأمور الإيجابية التي ربما يعرفها الجميع عن اليابانيين كالتفاني في العمل والجدية والاخلاص، بل تستوعب الأمور التي يعتبرها المؤلف أو الأشخاص الذين يتحدثون عنها بين ثنايا الكتاب من الأمور السلبية أو ربما من الأمور التي تثير الدهشة والاستغراب لديهم. والسبب في ذلك ربما يكون بفعل البون الحضاري والثقافي أو الفكري بين بريطانيا الكائنة في أوروبا واليابان الموجودة في جنوب شرق آسيا. يستهل الكاتب حديثه عن الثقافة اليابانية بالقول إن الأمر الأول والأكثر بروزاً الذي يثير اهتمام الزائر لليابان هو الاختلاف بين الثقافة اليابانية وبين التقاليد والعادات البريطانية. ولا يأخذ ذلك الأمر وكما يشير كورتازي شكلاً نظريا فحسب، بل يتخذ بعداً مثيراً عندما يبدأ الشعور فوراً بأن المرء موجود في بيئة غريبة تلوح كل الأشياء غريبة فيها بدءاً من التقاليد الاجتماعية الأساسية وطريقة إعداد الطعام إلى القيم الجمالية والعادات الأدبية، بحيث يفرض ذلك الكثير من المعضلات على الجميع. وهكذا وحينما يصبح من النادر الحصول على الغذاء البريطاني الأساسي كالجبن والحبوب فإن ذلك لا يعني التكيف مع نظام حمية غذائية جديدة، وإنما الاعتراف بأن «الطعام الغربي لا يستحق أبداً أن يكون معياراً دولياً». وبالاضافة إلى ذلك يزيد الاتصال باليابانيين والتعرف إليهم الشعور بالغربة والعزلة كما يرى المؤلف، لأن البريطانيين الذين طغت على طبائعهم وثقافتهم الملابس القصيرة والبيتلز ومهرجانات غناء الروك والاحتجاجات الطلابية وحقوق المرأة قد واجهوا في اليابان، خاصة في فترة السبعينيات، أناساً مختلفين هيمن على سلوكهم طابع المحافظة والالتزام بالتقاليد. وتزوج الكثير من الرجال والنساء لأنهم بلغوا السن المؤهلة للزواج، لا لأنهم على علاقة عاطفية بينما سعت القليل من النساء للحصول على وظيفة. ويشير المؤلف أيضاً إلى إن لليابانيين وعلى الدوام نوعاً من التذمر حيال ما هو «إنساني محض». ففي الوقت الذي شيد كل جنس، من أجل وجوده، نظاماً سلوكياً شبه معقد يتمتع بروح سليمة من الدعابة في داخله، فإن اليابانيين ووفقاً لرأي كورتازي فريدون في هذا المضمار لأن نظامهم السلوكي المعقد على نحو غير اعتيادي لا يقوم على أساس الاعتراف بالانسانية بقدر ما يقوم على أساس الكبرياء والنفي المتعصب في الوقت ذاته لوجود مثل هذه الفضيلة. والمثل المضروب في الكتاب يثير اهتمام الأجنبي لأن اليابانيين قد تبنوا المفاهيم والرؤى ذاتها والتي لم تسمح طبيعتهم لهم بتحقيقها. فالبلد الذي تعصفه الكوارث الطبيعية على نطاق واسع ـ كما يشير الكاتب ـ مثل الأعاصير المدمرة والفيضانات والانزلاقات والهزات الأرضية لا يحق له الشعور أو الفخر بأن يكون موطن الآلهة، فالأحرى به أن يكون موطناً لنقمة أو لعنة الآلهة. زد على ذلك أنه لا يحق للبلد الذي يسعى ليكون سيد الشرق أن يخفق في الوقوف على قدميه والمثول للشفاء بفعل الدمار الذي يحدثه إعصار مدمر أو موسم فيضان قبيل أن تحل الكارثة الأخرى. ومن جانب آخر يقول كورتازي وفي معرض حديثه عن حب اليابانيين كشعب وثقافة وحضارة للعمل إن أهم ما يميزهم هو القدرة على العمل الشاق جداً. فبعد أن انتهت الحرب لم يشأ أحد منهم الحديث عنها أو ما خلفته حتى لاح مثل هذا الحدث المريع بالنسبة لهم كأنه حلم مزعج. وفي الوقت الذي طغى مثل هذا الموضوع على سائر الموضوعات ولفترة من الزمن ليست بالقصيرة في بريطانيا والولايات المتحدة آثرت اليابان التوجه كلية إلى مضمار العمل الشاق الجدي من دون الخوض في حثيثات الحرب، على عكس ما توقعه الكاتب أثناء زيارته لليابان. ويعلل كورتازي اعتزال اليابانيين لحديث الحرب والتفكير كلية بالآتي من الزمن بأنهم اعتادوا على كوارث طبيعية مماثلة مثل الهزات الأرضية والأعاصير المدمرة بحيث بات من عرفهم عدم التطرق إلى مثل هذه الأحداث وتضييع الوقت في الحديث العقيم عنها. ويتعلق الأمر الرابع والذي يصفه المؤلف بالمدهش بالبعد الزمني بالنسبة لليابانيين على العموم. فلم يبدُ أي من اليابانيين قط على عجلة من أمره ولم يظهر لديهم الشعور أو الإحساس بضيق الوقت حيث اختفت العبارات مثل «آسف لمقاطعتك لأن علي الآن الذهاب بأقصى سرعة لموعدي التالي». وهكذا كان لليابانيين على الدوام متسع من الوقت لشرب الشاي الاخضر أو مناقشة أفضل الكتب التي بوسع المرء المبادرة لقراءتها أو الحديث عن المشكلات الروتينية التي تحصل بين آن وآخر. ومن هنا فإن دهشة الكاتب ليست لأن محدثيه من اليابانيين الاعتياديين بل إن معظمهم من أساتذة ومحاضري الجامعات الذين في الواقع يصارعون الزمن بين التدريس وكتابة المقالات لنشرها في عدة صحف يابانية وتأليف الكتب، ناهيك عن إلقاء المحاضرات الخارجية. وكان عليهم انجاز ذلك العمل الشاق الطويل لكسب المال الكافي والضروري لتوفير مستلزمات الحياة الطبيعية لهم ولعائلاتهم بالاضافة إلى شراء الكتب التي لا بد لمدرسي الجامعات من اقتنائها. وكان مثل هؤلاء الأشخاص وعلى الرغم من مشاغلهم الكبيرة وثقل العمل الهائل يبادلونه الزيارة ويقضون وقتاً طويلاً في أثناء شرب الشاي فكان يجد في حضرتهم كل المودة والترحيب. وبالنسبة للغة اليابانية يشير الكاتب الى إن كل من يدرسها بجدية سيطلع منذ البداية على الكم الهائل من الكلمات الأجنبية التي تم إدخالها إلى هذه اللغة. وتبدو معظم هذه الكلمات من أصل إنجليزي والبعض الآخر من أصل ألماني أو فرنسي. لذا فإن الكثير من الكلمات اليابانية وفقاً لرأي المؤلف يسيرة التعلم والحفظ بالنسبة للشخص الذي يتحدث بالإنجليزية، في الوقت الذي تكون مثل هذه المفردات صعبة لغير المتحدثين بالإنجليزية. وفي الوقت ذاته لم يحقق برنامج تعليم اللغة الإنجليزية في اليابان النجاح المتوقع ولم يكترث معظم اليابانيين بتعلم الإنجليزية لأنها بالنسبة لهم ليست من الأمور الأساسية أو المهمة جداً، في الوقت الذي حاول البريطانيون تحقيق ذلك من خلال شتى الوسائل كفتح المراكز التعليمية وتوريد الكتب وإذاعة برامج لغوية تعليمية في التلفاز والراديو الياباني. ولا يغفل الكاتب عن الحديث عن خصلة الإخلاص التي يعتبرها اليابانيون جزءاً أساسياً من التعامل معهم وربما الأساس الذي تنشأ عليه العلاقات والصداقات مع الأجانب بشكل خاص. ويبدأ المفهوم الياباني عن الإخلاص من الوفاء العميق حيث يعتبر الرجل مخلصاً عندما يؤمن بشكل مطلق بالقضية التي يخدمها وفي الحق التام للعمل الذي يؤديه. وفي الوقت الذي يشاطرون هذا المفهوم الرأي العام فإن الإيمان المطلق بالنسبة لليابانيين يجب له أن يتعدى مجرد الاقتناع الفكري. لذلك فهم يرون إخلاصاً في الرجل الذي يقدم لاعتقادات سياسية يؤمن بها على قتل رئيس وزراء أو مدير مصرفي إذا كان ذلك الرجل موقناً من أنه قد يخسر حياته بالمحصلة. ومن هنا هيمنت على اليابانيين، كما يقول كورتازي سمة مطلقة هي الاقتناع بالتضحية بحياتهم من أجل هدف سامٍ. وأخيراً ينوه المؤلف إلى أن الأمر الأهم والذي تعلمه بشكل طبيعي من خلال تجاربه هو أن الأسلوب الوحيد للتعايش والتواد مع الناس يحصل من خلال محبة الشخص الحقيقية لهم. فاليابانيون يودون من الآخرين أن يحبوهم لأنهم، كما يبين كورازي، قد جاؤوا إلى المجتمع العالمي في وقت متأخر ولم يتأكدوا أبداً من مدى ترحيب الآخرين لهم. وأيقنوا أيضاً بأن المعايير العالمية نابضة بالحياة وقوية التأثير ومعقدة وان الغرب لا يأبه للقوي، بل يقف ـ كما يدعي الكاتب ـ كتهديد أخلاقي في الوقت ذاته للقوي. وهذا الأمر يصعّب المهمة على اليابان ضمن العالم المعاصر وأدرك اليابانيون على الدوام صعوبة ذلك بشكل شديد وأرادوا أن تحصل تلك المودة دفعة واحدة. زد على ذلك لم تتسم رغبتهم في محبة العالم لهم كأفراد، بل شاؤوا أن يحصل ذلك كأمة كاملة وكشعب واحد. أما الجانب الآخر الذي يدفعهم للحرص على ان يخطوا بمثل هذه المودة فهو التظاهر الغريزي الذي يتمتع به معظم اليابانيين، حسب ما يدعي المؤلف، فلديهم رغبة شديدة في التأثير في الآخرين والتظاهر دوماً بأداء عمل ما كفنانين وعلماء ومحاربين أو رجال أعمال شديدي المهارة أو ربما يدعون أن لديهم كل هذه الخصال والقدرات. وعلاوة على الرغبة في التأثير في الآخرين فإن لديهم الاستعداد لاستيعاب الآخرين وهو الأمر الذي يعده كورتازي محصلة طبيعية لظهورهم المتأخر إلى العالم المعاصر. لذا فهم يودون الحصول على الأحدث ويعشقونه كثيراً. وكل ذلك يرون فيه سبباً لمحبة الآخرين لهم وبوسع الشخص الذي يمنحهم مثل هذه المحبة أن ينشئ معهم علاقة إنسانية مقبولة تماثل العلاقات التي تحصل في بقية أرجاء العالم. وأخيراً ينوه المؤلف الى أن عامل الخداع أو التظاهر بمحبة المرء لهم لا يجدي نفعاً لانهم على دراية تامة بما تحمل مشاعر المرء الحقيقية تجاههم. وعندما لا يكن لهم الشخص المحبة سيكون وجوده في اليابان لا يتعدى الفترة التي عليه قضاءها هناك. ثقافة قوامها التناقض يتحدث الكاتب عن الناحية المعمارية والجمالية التي شاهدها في اليابان. ويشبه زيارة اليابان بالنظر من خلال نافذة زجاجية صوب بلد وثقافة من التناقض. وهو يرى ان اليابان، على الرغم من المعجزة الاقتصادية التي حققتها في فترة ما بعد الحرب، مازالت ملتزمة بالتقاليد والتيارات التقليدية القديمة. ومازال هنالك الكثير من الأضرحة والمعابد، في حين أحدثت ثورة التطور الجامحة تغييراً لا يمكن السيطرة عليه في مجال السكن. وخلفت تلك الثورة أيضاً وراءها نمطاً معمارياً جديداً مثيراً للغاية لا يمكن مشاهدته في أي مكان من العالم. ويمكن للمرء مشاهدة الأدغال الأكثر وحشية داخل المدن وليس في الريف الذي تمت زراعته بشكل أنيق. في كل تلك الأماكن من اليابان، سواء في المدن والأرياف، يسري شعور عالي التطور من الجمال القومي. ويصور كورتازي ردة فعل الزائر ومن خلال تجاربه أيضاً بالقول إن جميع الحواس تعمل داخل اليابان في استجابة إلى خرير المياه الحاد ورائحة الصوف الشمعي والضوء الذي يخترق الشاشات البيضاء. ومن ناحية أخرى وبالإضافة إلى صورة الجمال المعماري التي أشار إليها الكاتب فإن ثمة أهمية أخرى يتطرق إليها وقد خبرها بنفسه أثناء سكنه في اليابان. وتتعلق هذه الأهمية بمفهوم دور الفضاء أو المساحة الفارغة داخل البناء الداخلي التي يراها اليابانيون أساساً لا غنى منه في تصميم بيوتهم. فبعد ان انتقل كورتازي من منزله الصغير في إحدى ضواحي لندن إلى بيت في اليابان بدت له الغرف ضيقة وصغيرة الحجم. ثم انتقل بعدها إلى أحد المنازل في طوكيو مقابل أجرة شهرية. وفي ذلك المنزل أيضاً لم تكن الغرف بأوسع حالاً مما هي عليه في منزله اللندني لأن مساحتها كانت أضيق. ومع ذلك كان المؤلف ـ وكما يبين هنا ـ يرى في ذلك المنزل الياباني وغرفه أوسع لأن الأسلوب الذي تمر به، وضع الأثاث والأغراض كان على نحو ماهر جداً ترك مساحة أكبر، وهو الأمر الذي بعث بشيء من راحة البال والسكينة في ظل وجود ذلك الفراغ الواسع. ويقول كورتازي أيضاً إن بوسع المرء معرفة أن ذلك التصميم الذي يفعله اليابانيون لن يكون أبداً من قبيل الصدفة أو مجرد أمر عرضي، فكل شيء يتم تخطيطه بعناية ووفقاً لنموذج جمالي ياباني تم تطويره على نحو غاية في المهارة حيث يتم فيه تركيز خط الرؤية ضمن نقطة بؤرية منفردة أو باتجاه شجرة أو نبتة أو صخرة تمثل النقطة الأبعد داخل الحديقة، ومن دون أن يتم كسر خط الرؤية هذا أبداً. وكان العبرة التي يتعلمها المرء من طريقة ترتيب البيت الياباني، وكما يشير كورتازي، أن الفراغ الذي يظهر داخل المنزل هو أكثر راحة وطمأنينة من تكديس الأغراض وحشرها في مساحة ضيقة. وهو الأمر الذي حمل الكاتب على القيام بالعمل ذاته عندما عاد إلى بريطانيا، ليلقي بعيداً بمختلف الأشياء والأثاث غير الضرورية من أجل توفير فضاء أرحب.