يحسب لمنظمي مهرجان ميلانو الذي يقام على مدى اثني عشر عاما في احدى أهم وأكبر المدن الايطالية ـ ميلانو ـ الانفتاح على الثقافات الاخرى بروح الود والتفاهم في وقت ثار فيه الحديث عن (صدام) الحضارات واتجاهات متزمتة بعد 11 سبتمبر، وتصريحات بيرلسكوني رئيس الوزراء الايطالي نفسه! دعوة المهرجان الذي انتهت دورته الثانية عشرة في 21 مارس الماضي الى الوحدة الانسانية وتعريف الجمهور بسينمات لا تجد طريقها الى الشاشات التجارية ويهتم المهرجان بكل من السينما العربية ـ بالشمال الافريقي ـ والسينما الافريقية جنوب الصحراء، وماتطرحه كل منهما من قضايا جدية اجتماعية وسياسية واقتصادية. وتثار في بعضها قضية الهوية لعل فيلم (لافرانس) Lafrance وهي كلمة تجمع بين افريقيا وفرنسا الأقرب الى قضية أو مشكلة الهوية، فالبطل هنا شاب افريقي اسمه الهادي جاء الى باريس للدراسة يحدوه طموح العودة الى وطنه الافريقي ـ السنغال ـ ليسهم بمؤهلاته في بنائه ونهضته بعد الاستقلال والتحرر من فرنسا ولكنه يفاجأ بمشكلة قرب انتهاء مدة تصريح الاقامة، واقتحام الشرطة لبيته ولحريته وتهديده بالطرد قبل أن يكمل دراسته، تشكل اقامته غير القانونية وتحايله على العيش بأعمال وضيعة، قلقا وشكوكا ممايدعوه أن يسائل نفسه عن هويته وقيمه وتستدعي ذاكرته حياة اسرته في القرية الافريقية والآمال المعقودة عليه من قبل أسرته ووطنه كما يستدعي الشعارات الوطنية وأقوال الزعماء الافارقة رواد حركة الاستقلال والتحرر ويجد بعض الأمان النفسي بصداقة مع شابة فرنسية، ولكن ماذا يفعل امام مطاردة الشرطة؟ يذكرنا هذا الفيلم اخر لمخرج جزائري انتاج فرنسي عرض في برنامج ملتقى السينما الشابة بمهرجان برلين السينمائي الدولي الاخير فبراير 2002 للمخرج الجزائري رباح فكلاهما يدين العنصرية في فرنسا والمخرج آلمان جوميس من مواليد فرنسا 1972 من والد من السنغال يحمل ملامحه الافريقية، وأم فرنسية ـ درس السينما في السوربون. وهذا هو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد افلام تسجيلية قصيرة عن الشباب في المهرجان وقد نال عنه جائزة الفهد الفضي بمهرجان لوكارنو الاخير اغسطس 2001 وجائزة ذهبية بمهرجان انجير. فيلم اخر عن مشاكل المهاجرين في فرنسا، هو (ماما ألوكو) من بينين 2001 أم وأبنها من أصل أفريقي يديران مطعما في بيل فيل بباريس، يسير المطعم بنجاح ويقدم الفيلم نماذج من زبائنه من مختلف الجنسيات بأسلوب ينحو الى الكاريكاتورية، الكاتب الفرنسي الفاشل، رجل الشرطة ذا الأصل العربي، أسيويين، مومس، سوداء، تضفي ماما ألوكو بحنانها مشاعر دافئة على هذا التجمع المتنافي ليتقارب، وتحاول مواجهة مشكلة مفتش الصحة الذي يهددها باغلاق المطعم لقلة توفر الوسائل المطلوبة المخرج جان أودوتان افريقي من مواليد بينين انتقل الى فرنسا ليعمل ممثلا ثم مساعد مخرج قبل ان يخرج افلامه الطويلة وهو يكتب السيناريو ويؤلف الموسيقى. قضية المرأة في أكثر من فيلم.. في الفيلم التونسي (فاطمة) 2001 يثير المخرج وكاتب السيناريو خالد غربال، مشكلة ماضي المرأة مشيرا الى انه على خلاف ماهو معروف عن تمتع المرأة التونسية بحرية نسبية، فهناك تناقضات تحكم المجتمع من خلال التقاليد، حيث نجد (فاطمة) بطلة فيلمه تعرضت للاغتصاب وهي في العاشرة من عمرها، ولكنها ظلت صامتة منطوية على جراحها، وكافحت من أجل اكمال تعليمها، لتصبح مدرسة لتعمل في قرية تونسية وتقوم علاقة حب بينها وبين طبيب شاب، يعذبها سرها الذي كتمته، وفي نفس الوقت تسعى الى أن لا تفقد الطبيب الشاب وماتعد به علاقتهما من مستقبل.. وهذا هو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج بعد فيلم قصير (المختار) 1996. في المقابل هناك فيلم تونسي آخر هو (الشيطان الأحمر) الفيلم الطويل الأول للمخرجة رجاء عماري ـ عنوان الفيلم يشير الى ملهى ليلي حيث تعرف سيدة محترمة أرمل ان ابنتها على علاقة بأحد العازفين فيه يدعوها قلقها الى زيارة هذا الملهى، تغير حياتها حينما تكتشف عالم الليل الغريب المثير، حيث تعبر المراة عن جسدها بالرقص، ممايؤدي الى اهتزاز ثوابتها. ويثير الفيلم المصري (اسرار البنات) للمخرج مجدي أحمد علي عن سيناريو عزة شلبي حساسية خاصة حول قيم المجتمع العربي حينما تفاجأ اسرة محافظة ان ابنتها المراهقة العذراء حامل.. ويفوز باحدى جوائز المهرجان. أما فيبلم (كارمن) للمخرج السنغالي جوزيف جايي 2001 فهو عن كارمن المعروفة في السينما والمسرح الاسبانيين مقدما بطريقة سنغالية، وهو انتاج مشترك بين السنغال وفرنسا وكندا. ترتبط السينما الافريقية ـ مثل المسرح الافريقي ـ والأدب الافريقي بالاسطورة فيلم (سيا حلم بيتون) للمخرج السنغالي سوتيجوي كوياتي ـ 2001 انتاج مشترك مع فرنسا ـ يعود الى تاريخ الممالك الافريقية القديمة، وقصة أو اسطورة الاله الافعى الذي يطلب كل عام عذراء تضحى من أجله، يوالي بيامر كهنة القرية عبر السنين تكرار هذه القصة، ولكن ذات يوم يقاوم شاب كان قد خطب فتاة جميلة من القرية، هذه الطقوس، حينما يقع الاختيار على خطيبته للتضحية بها، ويتحدى اللعنة التي كان يخشاها القرويون. ويتناول فيلم (ثمن الغفران) اخراج منصور سورا واد ـ سنغالي فرنسي مشترك 2001 ـ حكاية الأرواح الشريرة التي تسيطر على قرية صيد سنغالية، من خلال ضباب ينتشر في سمائها، ممايشل نشاط السكان ويثير الفزع، وينجح أحد الشبان في التخلص من هذه الأروح ممايثير حفيظة أعز اصدقائه. فيلم (خطوة ـ خطوتان) من بوركينا فاسو اخراج جوي دنيريريه باييجو، يدور حول الشقيقين أوا وعلى اللذين يعيشان في قرية صغيرة على حافة الصحراء ومسعيهما إلى رجل في المدينة من أجل علاج أمهما المريضة. الفيلم المصري (ليلى) للمخرج مروان حامد ـ بعد جوائز عديدة حصدها في مهرجانات كليرمونت فيران والاسماعيلية وتونس يحقق نجاحا اخر في ميلانو سيناريو كتبه حامد عن قصة ليوسف ادريس، يجسد سعى شاب في حي الباطنية المعروف بتجارة المخدرات، الى دعوة الأهالي للجامع، ولكن ثوابته تهتز امام فتنة امرأة تعترض حياته. تمتد القضايا التي يثيرها الفيلم الافريقي العربي الطويل الى الفيلم القصير، مع اتساع مداه وأساليبه. يقدم فيلم (عودة اليد الماهرة) للمخرج تايرو تاسيري أويدوراوجو ـ من بوركينا فاسو مشكلة عامل فني أفريقي لا يحقق نجاحا في فرنسا، يعود الى بلده الافريقي، يستطيع ان يعمل بنجاح ولكن يقابل مشكلة زوجته الفرنسية التي لا تستطيع ان تتأقلم مع الحياة في أفريقيا! مشاكل أفريقية مروعة يتناولها أكثر من فيلم خارج المسابقة أحداث رواندا وحرب الابادة فيها في فيلم (100 يوم) من خلال شهود عيان في المقابل فيلم اخر (عدالة البشر) حول مايقرب من 120 ألف شخص مازلوا في سجون رواندا متهمون في هذه الحرب بعضهم يدعى انه برئ وضحية شهادة زور، يدافع عنهم محامون من رابطة (محامون بلا حدود). مشكلة الايذز التي تهدد أكثر من بلد افريقي في أكثر من فيلم مخرجان كبيران يتناولانهما المخرج الايراني عباس كياروستالي في فيلم (ABC Africa) انتاج مشترك بين رواندا وايران ـ والمخرج الافريقي ادريسا اويداروجو في فيلم (مائة يوم) للتوعية انتاج مشترك بين رواندا وايران. (رسالة عن نهاية الابارتهايد) فيلم لمخرجة فرنسية كورين مونوت عن مابعد الابارتهايد ـ التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا ومحاولات التعايش بين البيض والسود. المهاجرون الايطاليون في تونس ـ والمهاجرون التونسيون في ايطاليا ـ موضوع فيلم (صقلية ـ تونس) لمخرجين ايطاليين شابين. في قسم (نافذة على العالم) ـ تقدم أفلام عربية وافريقية الانتاج وتظل لها دلالاتها: (المخدعون) سوري لتوفيق صالح 1972 ـ (عبور) للمخرج التونسي محمود بن محمود 1982 (تونس ـ بليجكا) العودة للوطن للمخرج الفلسطيني عمر قطان 1995 (عرب) للمخرجين التونسيين فاضل جزيري ـ وفاضل جعايبي 1988 (تونس ـ فرنسا) (نشيد الحجر) للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي 1990 ـ بلجيكا ـ فلسطين، (الليل) للمخرج السوري محمد ملص ـ سوريا ـ ليبيا وفرنسا. عرس الجليل) لميشيل خليفي 1987 فلسطين بلجيكا ـ فرنسا ـ فيلمان للمخرج السوري عمر اميرالاي ـ احدهما عن الكاتب السوري سعد الله ونوس قبل قبيل وفاته بشهور قليلة، والأرض عن رئيس الوزراء رفيق الحريري ـ انتاج فرنسي سوري، الى جانب أفلام افريقية كلها انتاج مشترك مع فرنسا وثلاثة أفلام للمخرج الاسرائيلي أموس جيتاي. يتيح وسيط الفيديو حرية في التعبير وامكانيات انتاجية أقل تكلفة. وفي مسابقة الفيديو، يثير شريط.. أنا المسحورة للمخرجة مونيك مبيكا فوبا من بينين ـ قضية الهوية والتأرجح بين ثقافتين يركز على أنا الفتاة ذات السبعة عشر عاما، المتفتحة والتي تدافع عن تحرر المرأة، وهي نفسها تعيش في أسرة يتحكم فيها رجل له خمس زوجات و31 من الابناء والبنات، حصلت على منحة لدراسة الغناء والموسيقى في فرنسا، تعود الى وطنها وقد تغيرت، وتحاول اقناع والدها أن تعود إلى أوروبا لاستكمال دراستها في الكونسرفتوار. يوميات فيديو يقدمها المخرج المصري أحمد ماهر خلال اقامته في روما اثناء وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في محاولة لفهم ماحدث تنتقل أفكاره عبر روما حاملا كاميرا فيديو يسأل من يلقاه من فنانين عرب ومهاجرين أما المخرج المصري يسري نصر الله يقدم شريط فيديو لا تتعدى مدته ثلاثة دقائق بعنوان (غير متعولم) بطل فيلمه الطويل (المدينة) بسام سمراء، وهو يتسلم جائزة أحسن ممثل في أيام قرطاج السينمائية 2000 يشكل ملامح وجهه بالكمبيوتر في لمسات ساخرة، هذا الشريط واحد من ثمانية شرائط حول العولمة مع مخرجين اخرين من المكسيك وايطاليا والشرق الأوسط انتاج فرنسي. قضية الهوية تطرح في شريط فرنسي (ماضي من الصمت) لصوفيا عن الاب مالك 18 عاما ـ المولود في ألمانيا ويحمل جنسية فرنسية يتلقى خطابا من الحكومة الفرنسية ليقرر اختياره للبلد الذي يؤدي فيه الخدمة العسكرية، يبدأ رحلة البحث عن الهوية من خلال الوثائق والمجتمع الذي ينتمي اليه والممزق بين ثقافتين. (ثورة النساء) شريط من أوغندا انتاج مشترك مع ألمانيا للمخرجة الأوغندية جاكلين نابا جيريكا تناقش مشاكل المرأة في شرق أوغندا ـ أرامل يحرمن من أملاكهن وبيوتهن، خضوعهن لتقاليد بالية من بينها الختان. أكثر من شريط عن السينما والسينمائيين شريط سينما كوارزازات للمخرج المغربي على اصافي (مشترك مع فرنسا) عن مدينة السينما التي صورت فيها أفلام عالمية مثل (كوندون) لمارتين سكو رمسيزي والجلادون الذي فاز بالأوسكار، وأكثر من فيلم عن الثورات.. يقدم مشاهد خلفية عن الازياء والكومبارس. ويتناول شريط (ادريسا) سنغالي ـ فرنسي اخراج ماليك سي، اعمال المخرج المعروف ادريسا أويدار وجو وتحوله من أفلام قصيرة الى روائية مثل (بابا) الذي دعى لمهرجاني كان وبرلين وتجاربه الاخيرة في استخدام التقنية الرقمية يقدم الشريط صورة عن المخرج من خلال لقاءات معه ومع أفراد أسرته، وزملائه.