يقول دعاة الحركة النسوية اننا لو كنا نعيش في عالم مثالي لحصل الرجال والنساء على الفرص المتكافئة والاحترام والمرتب نفسه في مكان العمل، ويقول هؤلاء الدعاة في تايوان ان بلادهم لم تصبح بعد قريبة من مثل هذا العالم المثالي، وتبعاً لما تذكره منظمة مهتمة بهذا الميدان فقد شكلت النساء 24 في المئة من الموظفين الحكوميين التايوانيين وعددهم 600 ألف موظف. غير ان 1553 من أصل 11874 من كبار الموظفين الحكوميين هنا نساء. ويعزو البعض هذا التباين إلى ان النساء دخلن السلك الحكومي في وقت متأخر عن دخول الرجال له، وهو ما يوفر لهن فرصاً أقل في الترقيات، باعتبار ان الترقيات تعتمد على الأقدمية، وهناك احصائية تاريخية تدعم هذا الرأي، حيث ان 24 امرأة فقط أي 5.7 في المئة من كل المتقدمين نجحن في امتحان الخدمة المدنية بين عامي 1950 و 1960. وأحد الأسباب التي قللت من نسبة الوجود النسائي في المناصب العليا يتمثل في المجتمع التقليدي الذي يرى ان مكان المرأة هو البيت ومن بين الأسباب الأخرى هو القيود على عدد فرص العمل المتاحة للنساء أصلاً، فحتى عام 1960 كان نظام الحصص يحدد عدد الوظائف الدبلوماسية للنساء، كما ان الوظائف التي تتطلب جهداً بدنياً كانت محظورة تماماً على النساء في السابق مثل سعاة البريد. من ناحيته يكفل القانون لها تكافؤ المرتبات للنساء في الوظائف الحكومية مقابل انجاز المهام نفسها التي ينجزها الرجال، ويمنع أرباب العمل من فصلهن بسبب الحمل، ويعطيهن الحق في العودة إلى وظائفهن، بعد ان أخذن اجازات لعدة سنوات، وعلى الرغم من الصعوبات في فرض هذا القانون، إلا ان الموظفات في القطاع العام يتمتعن ببيئة عمل أفضل بكثير من الموظفات في القطاع الخاص. وفي أغسطس 1987 نظمت مجموعة من الموظفات في القاعة التذكارية للزعيم الصيني صن يات صن عدة مظاهرات للاحتجاج على التمييز الجنسي في مكان العمل، إذ تبعاً لعقود عملهن والتي كانت متبعة عند الكثير من الشركات الخاصة، يتوجب عليهن التقدم باستقالاتهن عند بلوغ الثلاثين من العمر، أو الزواج، أو الحمل، أيها أقرب، والرأي العام الداعم لهذه العقود هو ان النساء يصبحن أقل أداء في العمل عند الزواج أو الحمل، ولم تتمكن منظمات الدفاع عن حقوق المرأة في تمرير قانون جديد يلغي هذا الحق الممنوح لأرباب العمل في مجلس النواب التايواني إلا مؤخراً. وأحد الأسباب لتأخر اقرار القانون الجديد مع ان معظم الشركات الخاصة كانت قد تخلت عن عقد «عازبة وغير حامل» وهو ان بعض أرباب العمل كانوا لا يزالون متمسكين بالعقلية القديمة، ولم يكن من المستبعد ان تعود المرأة العاملة من اجازة الوضع لشهرين لتجد انها تعرضت لملاحظات سلبية على أدائها في ملفها الوظيفي السنوي، وهو ما يؤدي بدوره لتقليص فرصها في الحصول على ترقية أو علاوة. وكان أرباب العمل يبررون هذا السلوك بأن هذه المرأة قد عملت أياماً أقل من زملائها، وبالتالي يجب خفض تقويمها الوظيفي. وهذا لا يعني، كما تقول هذه المنظمات ان المرأة كانت تتمتع بتكافؤ الفرص ما دامت عازبة، إذ تكفي نظرة سريعة على اعلانات الوظائف الشاغرة لمعرفة ان أرباب العمل يفضلون الشابات للعمل سكرتيرات والرجال ليكونوا مدراء، وتبعاً لتقرير نشرته الادارة العامة للموازنة والمحاسبة والاحصاء عام 2000 فإن 77 في المئة من الوظائف الكتابية في القطاع الحكومي تشغلها النساء اللواتي لا يشغلن سوى 14 في المئة من المجالس التشريعية والوظائف الادارية الحكومية والعليا والوظائف التنفيذية في الشركات، والنموذج النمطي العام هو ان تكون المرأة مسئولة عن الأعمال العامة في المكتب فيما يصبح للرجال الغلبة في الوظائف التقنية والخاصة باتخاذ القرار. وهذا الخلاف باد حتى بين من يتقدمون للعمل لأول مرة، فبعض الميادين، مثل العلوم، يعتقد تقليدياً انها خاصة بالذكور فيما الآداب والتمريض هي أكثر ملاءمة للنساء حتى تدرسها، أما الآن فقد بدأ هذا الوضع يتراجع حيث أصبحت اعداد النساء أكبر في الهندسة والطب وادارة الاعمال وغيرها من المواضيع «الذكورية». كما ان تحصيل الاختصاص العملي نفسه الذي يحصله الذكور ليس ضمانة للمرأة حتى تحصل على الأجور نفسها التي تدفع للرجال، إذ تشير الاحصائيات الحكومية الرسمية عام 2000 إلى ان معدل المرتب الشهري للنساء هو عموماً أقل من معدله للرجال في المهنة نفسها، فالنساء يحصلن على 80 في المئة من أجر الرجال في وظائف قطاعات التمويل والتأمين والعقارات و 66 في الصناعة وبين 59 و 82 في المئة في غيرها. والكثير من الشركات تدفع للرجال أجوراً أعلى من أجور النساء بافتراض ان الرجال لديهم عائلات ينفقون عليها، لكن المنظمات النسائية ترفض هذا الرأي بالقول ان الرجال يرون في الأجور الأعلى شكلاً من أشكال المزايا التي يتمتع بها الرجال فإذا ما اكتشف أحد الرجال ان زميلته تحصل على راتب أعلى من راتبه فقد يشعر بالخجل من هذا الوضع وربما يقدم استقالته. ومن بين المشكلات التي تواجهها التايوانيات في مكان العمل هو التحرش الجنسي، وفي كثير من الأحوال تبقى اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي صامتات إما لأن رؤساءهن يطلبن إليهن ذلك الأمر حتى لا يعرضن سمعتهن لما يشوبها. وهذه المصاعب التي تقول التايوانيات أنهن يواجهنها في بيئة العمل تعود أساساً للثقافة والتقاليد الصينية التي ترى ان المكان الأفضل للمرأة هو بيتها، ومن بين الأمثال الشعبية الصينية التي تؤكد هذه النظرة هناك مثلاً: «شالرجل يحرث والمرأة تغزل» و «الرجل مسئول عن العمل خارج البيت والمرأة داخل البيت». ومع ان بعض النساء لا يعملن ويبقين في البيت باختيارهن، إلا ان أخريات يفعلن ذلك، لأن المجتمع يفضل لهن هذا ليرعين الأبناء والعجائز. ترجمة: جلال الخليل عن «تايبيه ريفيو»