اصدر بنك السودان المركزي الاسبوع الماضي موجهات للبنوك جاءت في شكل ضوابط عامة وتوجيهات للبنوك بضرورة اخذ الضوابط والحذر في التعامل مع الاموال والتحويلات المصرفية قبل التأكد من مصادرها الحقيقية. وتأتي مطالبات بنك السودان التي اصدرها في شكل منشورات جرى توزيعها على البنوك والمصارف وسط مخاوف من استهداف السودان في الوقوع في شراك غسيل الامول الذي اخذت له مؤخرا بعض الجهات والمنظمات او الافراد من اصحاب الدخل غير المشروع او المكتسب من مهن غير شرعية بهدف اضفاء شرعية عليه عبر ادخاله في معاملاته تجارية ومصرفية تطغى عليه رغم مصادره غير الشرعية. ماذا يقصد بغسيل الاموال ؟ ويعرف غسيل الاموال وفقا لدراسات اعدها اتحاد المصارف في الخرطوم بأنه عملية يلجأ اليها عادة المجموعات التي تعمل في مجال تجارة المخدرات او الجريمة المنظمة او غير المنظمة لاخفاء المصدر الحقيقي لاكتساب الدخل غير المشروع عن طريق القيام بأعمال اخرى بهدف التمويه لاضفاء شرعية على الدخل الذي تحقق لان الاموال التي تأتي عادة من هذه المصادر لا تتمتع بالشرعية المقبولة اللازمة اذا ظلت في حيازة مالكيها دون معرفة لنشاطهم المحدد وبالتالي فإن غسيل الاموال هو محاولة لاخفاء الاصل غير الشرعي لهذه الاموال ويتراوح حجم غسيل الاموال طبقا لهذه الدراسة سنويا مابين 750 مليار ـ 1000 مليار دولار وتشير الدراسة طبقا لدراسات عالمية الى ان دول شرق اوروبا وروسيا على وجه الخصوص تصل نسبة عمليات غسيل الاموال مابين 25% ـ 50% من ناتجها المحلي الاجمالي وتصل هذه النسبة في دولة مثل بريطانيا الى 13% كما تعتبر كل من امريكا وسويسرا والمكسيك من اكبر الملاذات لغسيل الاموال. لكن ما نصيب السودان؟ ورغم التوجيهات التي اصدرها بنك السودان فمازال التخوف قائما والمشكلة المشار اليها تؤكد ان ارصدة كبيرة اخذت تهرب من الخارج الى الداخل ويرى احد المختصين في هذا المجال وهو الدكتور عصام محمد علي الليثي رئيس قسم الاقتصاد بالمعهد العالي للدراسات المصرفية بالخرطوم بأن طبيعة الضوابط الصارمة التي شرعت في اتباعها المؤسسات الاقتصادية في دول الغرب والولايات المتحدة الامريكية والعالم المتقدم عموما قد تدفع اصحاب هذه التجارة والقائمين على هذه المعاملات غير المشروعة للاتجاه الى دول العالم الثالث والتي تتمتع احيانا باوضاع مصرفية مستقرة ولكنها بضوابط اقل خاصة وان ذلك يمكن ان يتم عبر عدة طرق منها تهريب الاموال وخلطها بأموال اخرى مكتسبة بصورة شرعية او شراء اصول تتمتع بالحماية القانونية وقد يلجأ اصحاب هذه المعاملات الى فصل الاموال غير المشروعة من مصدرها عبر ادخالها في عمليات مصرفية معقدة لادخالها في الاقتصاد مرة اخرى. وما يميز السودان فإن سياسات الاستثمار الجديدة في المشروعات المختلفة اضافة الى الخصخصة التي بدأت تلجأ لها الدولة في كل المؤسسات الخاسرة وهذا الوضع الذي يفتح المجال امام جميع اصحاب رؤوس الاموال فإنه بالطبع وبحكم هذه الطبيعة يمكن ان يكون مدخلا لاموال مشروعة وغير مشروعة بل يمكن استغلاله كملاذ لهروب الاموال والرساميل من دول اخرى في الغرب والعالم العربي باسم الاستثمار لتنمية اموال المخدرات والتجارة غير المشروعة في محاولة لاضفاء شرعية عليها بإسم الاستثمار وتؤكد دراسات حالية بأن مايزيد على 50% من مؤسسات القطاع العام باتت مفتوحة للمستثمرين وادخلت سياسة الدولة قطاع الطيران المدني ومؤسسات كثيرة تنتظر دورها والملاحظ ان اغلب الاستثمارات التي تصادق عليها الحكومة هي استثمارات في مجال الخدمات وقليل مثلها ما يدخل قطاعات انتاج حقيقية كالزراعة والصناعة مثلا، ومن المفارقات فإن قطاع النسيج الذي كان يمثل حتى وقت قريب اكبر قطاع للصناعات بعد الزيوت انحصر الان في مصانع محددة جميعها اجنبية تملكها شركات عالمية دخلت كمستثمر خارجي مع وجود مشاغل صغيرة لاتمثل انتاجا وتأتي اغلب صناعات الأقمشة من الخارج ولعل الدمار الذي اصاب هذا المرفق يصبح من الصعب اعادة تعميره من قبل رأس المال يأتي من الداخل، اذ ان الازمة وصلت الى حد العجز عن دفع مرتبات العاملين بالمصانع المتوقفة، ولعل اكثر المخاطر التي تلج عبر دعوات الاستثمار هو استغلالها من قبل اصحاب غسيل الاموال تحت غطاء الاستثمار. وشهدت الاعوام الماضية حوادث تؤكد ذلك حيث تمكن احد الاردنيين يدعى الريطي من دخول البلاد كمستثمر وتاجر وتمكن عبر مساندة وجدها من بعض رجال الحكومة انذاك في 1993 من جمع اعتمادات مالية قاربت المليار من اموال المواطنين بحجة توريدهم ادوات تعبئة تعهد باحضارها من الخارج وقد غادر هو اولا ثم لحقه اعضاء اسرته واخيرا تكشفت قصته كمحتال محترف اضاع اموال المواطنين وصغار المستثمرين حيث لايزال بلا عنوان، كما شهد عام 1999 اثارة قضية صقر قريش «المستثمر العراقي» مع بنك الغرب الاسلامي وبلغت جملة مستحقات البنك عليه اكثر من 3 مليارات جنيه بعد خداع البنك باعتمادات مزورة. وكشفت تلك الواقعة هشاشة الضوابط المصرفية في السودان والتي مكنت الكثيرين في ادخال واخراج اموال طائلة دون مواجهة عقبات تذكر. وان كانت العوامل التي سبقت 1996 قد شهدت احجاما عن السودان فان الاعوام التي اعقبت هذه الفترة خاصة بعد اتباع سياسة التحرير الاقتصادية قد شهدت اقبالا عليه كما ادت هذه السياسة الى تحريك سعر الصرف بشكل مستمر وظهور الصرافات التي اخذت مؤخرا تتعامل مع العملات الاجنبية كسلعة قابلة للاتجار خاصة الدولار والذي يحافظ على معدل زيادة مستمر لم يهبط عنه منذ 1989 وظهرت تجارة العملة التي تدر ارباحا فاحشة دون اتعاب فضلا عن انها بحكم طبيعتها الخفية تمثل تجارة مستترة لا تلحقها حملات الضرائب وبالتالي تصبح خالية من الرقابة ولاشك ان مناخ كهذا يصلح لاي محاولات او مخطط اذا تعلق الامر بغسيل الاموال. وتقدر الاوساط الاقتصادية بأن النشاط الطفيلي في الاقتصاد يزداد بشكل مستمر وبمعدل اكبر في قطاعات الانتاج الحقيقية، والمقصود بالنشاط الطفيلي هي الانشطة مثل تجارة العملة والاتجار بسعر الصرف بين عملة واخرى، وطبيعة هذه الانشطة تتمثل في انها تحقق ارباحا هامشية ولا تدخل في دورة الاقتصاد بل وفي اوضاع اخرى تصبح خصما على نموه. كما ان الزيادة المضطردة في ممارستها تفتح المجال لظهور اثرياء جدد وسائل كسبهم الوحيدة هي المضاربة ورفع اسعار السلع وزيادة الغلاء خارج حركة الصادر والوارد مما يمهد المناخ المناسب لممارسات غسل الاموال ان كان مصدرها من الداخل او الخارج ومن مضار ذلك كما يرى الخبراء ايضا اتجاه اصحاب الاموال غير المشروعة لغسل اموالهم او تبييضها في البلدان التي لاتوجد ضوابط صارمة بها او يمكن اختراق قوانينها وتشريعاتها بسهولة ويلجأ اصحاب غسيل الاموال للدول النامية حتى دون الحصول على معدلات فائدة كما ان انتقال هذه الاموال في بلد لاخر في ظل سيادة عصر العولمة قد يؤدي الى حالة عدم استقرار اقتصادي وهو فوق ذلك يهدد مسألة الشفافية في التعامل المالي بين الدول ويعلم الموظفين في هذه المؤسسات سبل الفساد ويتغير الطلب على النقود بحيث لا يتأثر بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وتغيرات غير محسوبة في اسعار الصرف واسعار الفائدة، التأثير على حركة المبادلات المشروعة والزج باصحابها الى التورط في العمليات الاجرامية وكمثال لذلك ادت المضاربة في اسعار الصادر للماشية خلال العامين الماضيين في السودان الى ادخال اكثر من 5 الاف مصدر الى السجن والمساءلات تحت دوائر القانون. والسبب الرئيسي في ذلك هو دخول عدد من المستثمرين في الشراء باسعار مرتفعة بدعوى تصديرها مما ضاعف من اسعار المنافسة للمجموعات الاخرى وقلل من قدرتهم في تحقيق ارباح لارتفاع تكاليف الشراء والتعرض لخسائر بفعل المفارقات في اسعار الصرف وقدرت خسائر المصدرين في احدى المرات باكثر من 100 مليار دينار ومن زوايا اخرى فان الدراسات الميدانية كشفت بأن هناك علاقة مباشرة بين غسيل الاموال والارهاب والتطرف والعنف الداخلي بل واحيانا المساهمة في احداث الانقلابات العسكرية. اشكالات قانونية وعلى الرغم ان السودان يمثل احدى الدول التي وقعت على اتفاقية الاتجار غير المشروع والتي تصنف تجارة المخدرات والجرائم المنظمة من بينها الا ان القوانين المصرفية احيانا تعطي البنوك احيانا الحق في عدم افشاء سرية الحسابات مما يحول دون كشف الحقائق المرتبطة ببعض الانشطة ويتيح الفرصة لايداع اموال تجد حماية بنكية خاصة كما ان التعريف الدقيق للتجارة غير المشروعة يحدث لغطا في تحديد مدلولاته الحقيقية انطلاقا من مبدأ ديني حيث ان السلع المحرمة تتعدد وما هو حلال في الغرب يصبح معابا في دول اخرى، اذا نظرت الى ذلك من مفهوم شرعي مما يفتح المجال لتعاريف عن ماهية المال غير المشروع او الاموال القذرة التي يجب ان تخضع للمكافحة بموجب القانون ويدخل في ذلك الخلاف مفاهيم الفائدة من حيث الحلال والحرام ومن بينها مثلا انشطة القمار والبغاء التي يحرمها القانون من وجهة نظر اسلامية ويحددها تبعا لذلك كمصادر غير شرعية، والشيء الاخر ان قوانين المكافحة التي جرى تحديدها طبقا لمعايير عالمية تدخل في تعارض مع مبدأ السرية في اموال العملاء استنادا على ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته ومن المعلوم بأن الحكومة اعتمدت ضمن قوانينها قانون الثراء المحرم لوضع حد للمخالفات الى جانب قانون المعاملات المدنية «الا ان المعروف ان قانون الثراء الحرام يطبق في حالة واحدة على العاملين في الدولة من موظفين ودستوريين اذا استدعت الحاجة ولا يدخل فيه بقية افراد المجتمع او العاملين في القطاع الخاص وهم الشريحة الاكبر التي يغريها مثل هذا النشاط مما يطرح سؤالا حول الكيفية المناسبة لمحاربة غسيل الاموال او مكافحة دخوله السودان، هل يتم ذلك باستحداث قوانين جديدة ام الالتزام بالمعايير الدولية والتخلي عن خصوصية الثقافة الخاصة بالمجتمع والقيم الاسلامية، في كلا الحالتين تبقى المخاطر في مكانها اذ ان التشريعات لا يمكن ضمان عدم التحايل عليها في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها الاقتصاد والذي يفتقد بنيات حقيقية لتساعد على بناء اقتصاد حقيقي وراسخ، كما ان التشريعات الداخلية المحلية قد تجد تبريرات قانونية لبعض الممارسات المالية رغم مضارها او قد تختلف النظرة نفسها في التعريف على المال المشروع وغير المشروع ومهما يكن فإن الحاجة لسن تشريعات لمنع اي ممارسات خاصة بغسيل المال او ثراء بغير وجه حق اصبحت مطلوبة ولعل التحوطات التي ترى المؤسسات المالية ضرورة القيام بها هي ليس الاكتفاء بمكافحة ظاهرة غسيل الاموال ان وجدت او حاولت التسلل للداخل ولكن فوق ذلك حماية السودان ايضا على افضل وجه بالا يكون معبرا او محطة لعبور الاموال غير المشروعة لتغسل في دول اخرى.