عكس ما يبدو لو تأملنا المزاج الأوروبي أو الغربي عامة سنجده من بعض نواحيه مزاجا سوداويا، في حين أننا سنجد المزاج العربي إنبساطا بعيدا عن تعذيب الذات. ورغم أن الخرافات الشعبية الأوروبية غالبها من ميراث عربي أو يوناني إلا أن لها خصوصية في إبتكار أسوأ أنواع الأساطير وأكثرها قتامة، وأعتقد أنها قصة (دراكيولا) وهي مبنية على أن هذا الكونت الروماني أو البولندي لا أذكر متى لكنه يعيش بشكل ما في تابوته يخاف ضوء النهار، لكن إذا جاء الليل خرج من تابوته ليبحث عن أكسير الحياة وأكسير الحياة بالنسبة له هو الدم البشري وهو لا يتعاطاه في زجاجات مثل المشروبات التي نعرفها أيضا ولا يتناولها في علب من الصفيح فهذا اختراع لم يكن موجودا في القرن الثامن عشر عندما بدأت القصة، ولكن الكونت دراكيولا لا يشرب الدم من البشر مباشرة، ولذلك عليه إما أن يتقرب من ضحيته حتى تأمن له، وإما ان يهاجمها بغتة، وفي الحالتين تنمو أنيابه لتصبح أضعاف الأنياب الإنسانية حجما. ولقد فتشت في الآداب العربية والشرقية فلم أجد نظيرا لهذه القصة وحتى عندما تنتشر شائعة أن بعض الخفافيش تمتص دم الإنسان لا ترتبط بقصة أو قصص ويقولون انه عندما يحدث أن يتعلق الخفاش بإنسان وخاصة بإذنه على اعتبار أنها الين ما في وجهه فإنه لن يتركه إلا بالطبل البلدي، وهي صورة أكبر ما تكون إلى الصورة الفنية فهذا الخفاش صعب التعامل معه كما نعرفه، ولسرعة حركته لا نظن أن أحدا تأمله، فالخفاش يمتلك أدق جهاز رادار ولقد استوحى منه العلماء فكرة أجهزة الرادارات التي تعتبر عنصرا هاما في الحرب وان كان صديقي يسب الرادار ومن أخترعه لانه مضطر لأن يسافر كثيرا بين القاهرة والاسكندرية، والطريق سرعته محددة ومراقب بالرادار، وصديقي لا يطبق الإلتزام بالسرعة المحددة ولذلك بمجرد قيامه من الاسكندرية يسحبون رخصته، ويعطونه إيصالا وعند عودته يسحبون منه الإيصال. ولأن صديقي شخص ذو نفوذ فضلا عن أنه حبوب فلقد نصحه مدير أمن الاسكندرية بأن يوظف سائقا وتحت الحاحنا قبل الفكرة، لكنه غير ثلاثة سائقين في شهر تحت دعوى أنهم يسوقون ببطء شديد. وذات مرة سألني غاضبا من الذي اخترع الرادار وحمله مسئولية تعذيبه ولقد عرفت أنه اشترى من سوق أوروبية جهازا لتعطيل الرادار ولكن رجال المرور اكتشفوه فكان يمصمص شفتيه مستنكرا : هل يأتي الإنسان بكل عظمته بخبرته من الخفافيش أدنى حيوانات الأرض! وبالطبع كنا نرى أن قصة الخفافيش وتعلقها بالإنسان أو بإذنه على وجه التحديد ومص الدم منها فكرة خرافية. ولم يفكر أحد في أن يضع في مفكرته رقم تليفون فرقة حسب الله بدلا من الإسعاف حتى يتصل بهم إذا ما واجهته هذه المشكلة ومع ذلك فلقد أذهلني أن أقرأ مقالا علميا يقول انه فعلا هناك نوع من الخفافيش يقوم بهذا الهجوم الضاري. ولكن المقال لم يكن عن الشرق، وربما كان هذا النوع موجودا في الغرب فقط وإذا وجدناه هنا فلابد أنه مستورد وإذا كان من الصعب التصديق بأن أحدا يستورد خفافيش تمص دم الإنسان، فلابد أنها تسللت بطريقة أو بأخرى. ولا يناقش قصة دراكيولا في غرابتها بالنسبة لنا إلا قصة فرانكشتين التي تقوم على إختراع عالم بهذا الاسم لإنسان يبعث فيه الحياة ولأن هذا الإنسان مجمع من أجزاء بشرية مختلفة، ولأن أهم ما في الإنسان ليس فيه وهو العقل، فالإنسان الذي (إخترعه) فرانكشتين هو وحش هائل القوى. ومعظم الأعمال التي قامت على فكرة فرانكشتين تقوم على ولادة بذرة الخير داخله وهو أسلوب منتشر في الأعمال الفنية فحتى الكمبيوتر من الممكن أن يحب وأن يقف إلى جوار الطيبين إذا ما إرتفعت مشاعره واستعار بعض المشاعر الإنسانية. ولقد قلدت السينما المصرية مرة على الأقل قصة فرانكشتين، لكنني أعتقد أنها لن تقترب على الإطلاق من قصة دراكيولا، فالحاجز بين الحياة والموت بالنسبة لنا حاجز قوي لايمكن اجتيازه من الجانب الآخر ولكن المثيولوجيا الغربية تزيل هذا الحاجز أحيانا وأظن أن بعضنا يذكر قصة أورفيوس الذي ذهب إلى العالم الآخر ليستعيد حبيبته وركب في ذلك مركبا يوصله إلى هذا العالم وفكرة المركب متشابهة بين المصريين القدماء واليونان فهم جميعا يتفقون على أن الرحلة إلى العالم الآخر تتم عن طريق مركب وفي الستينيات دوي خبر اكتشاف مراكب الشمس عند الأهرام. المهم أن (هاديس) اله العالم الآخر اشترط على أورفيوس أن يعرف طول الرحلة، وكان أورفيوس على ما تقول الأسطورة أبرع من عزف وكان شرطه الثاني الا يلتفت إلى الوراء مهما سمع أو رأى ولكن أورفيوس لم يستطع الإلتزام بالشرط الثاني. ونستطيع أن نفهم قصة فرانكشتين، فهي تقول إننا نستطيع أن نخترع إنسانا لكنه لن يكون أبدا إنسانا وأظن أن القصة إرهاصة مبكرة لفكرة الإستنساخ لكننا لا نستطيع أن نفهم قصة دراكيولا فها هو رجل يموت نهارا، ويعيش ليلا على دماء ضحاياه ما الحكمة في قصة كهذه؟! ولقد إنتشرت قصة دراكيولا عندما قدمتها السينما.. وما أن أهلت تسعينيات القرن العشرين بمزاجها السوداوي حتى أصبحت مادة لعشرات الأفلام والمسلسلات منذ رأيت فيلما كوميديا عن دراكيولا اذ رأى في مقبرته صورة إمرأة في مجلة أزياء فإنتابته رغبة قوية في أن يتزوجها أو يشرب دمها وسافر إليها وبدأت بينهما قصة حب، حاول الآخرون إنهاءها عبثا فقد أحبته المرأة. والقصة التي بدأت منذ قرون صار لها الآن قواعد ومن هذه القواعد أن مصاص الدماء إذا ما عض آخر أصبح الثاني مصاص دماء أيضا أي أنهم يتكاثرون بهذه الطريقة. وفي بعض الأفلام تقوم حروب بين البشر من أمثالنا وهؤلاء الموتى الأحياء. وتتساءل مثلي : لماذا هذه القصة ؟ وحتى إذا كان كاتبها مجتهدا أو مغامرا فلماذا بقيت حتى الآن ؟ بل لماذا تنتشر حتى لا تكاد تفلت قصة مصاص دماء على المحطات الأجنبية كل يوم ؟ ونحن نتفق على أن القصص لا تعيش إلا لأنها تعبر عن واقع إنساني فعندما كتب سرفانيش دون كيشوت.. إنفجرت في الدنيا لأنها كانت تعبر عن إنهيار عصر الفروسية، ونعرف أن الإهتمام الجارف بالعقد النفسية منذ أوائل القرن العشرين أتى من روايات ديستوفسكي الذي عرى النفوس البشرية. فهل في حياتنا مصاصو دماء؟ هل هناك من يقوم بهذا معنا ونحن نعرف أولا نعرف. أو ربما ونحن مستمتعون، فلا أحد يدري ما تحس به الضحية في هذه الحالة وكاتب دراكيولا لم يحك ابدا لنا عن إحساس الضحية، بل لم يحك عن أي إحساس هناك دائما وحش وضحايا ولا أحد يريد أن يتحدث فيما يحسه الوحش ولا ما تحسه الضحايا. ما لنا وهذا أنا لا أعرف سوى أنه لنا فعلا وهذا.