ما ان تستوقف اشارات المرور الحمراء السيارات والمركبات المارة في الشوارع الرئيسية داخل المدن اليمنية حتى يلتف الباعة الجائلون الذين يسميهم البعض «تجار الخط السريع» على تلك السيارات ليعرضوا بضاعتهم على السائقين والركاب. ويستمر هذا المشهد في التكرار يوميا وكل ثلاث دقائق هي وقت انتهاء الاشارة الخضراء واضاءة الحمراء. ويدخل هؤلاء في سباق ماراثوني مع الوقت الذي يعتبرونه ثمينا جدا نظرا لقصره وبالتالي لايدخلون في مساومة حول السعر واغراء الزبون، من هناك جاءت تسميتهم بتجار «الخط السريع». مهارة سريعة هؤلاء الباعة الذين يصادفهم المرء خلال سيره اليومي في شوارع العاصمة صنعاء كما في غيرها من المدن الرئيسية عدن، الحديدة، تعز، اب.. الخ كلهم من الاطفال اختاروا هذه التجارة او العمل السريع الذي يجبرهم على التنقل من جهة الى اخرى هو عمل محفوف بالمخاطر ويتطلب مهارة سريعة وانتباها دائما كما قال احد اولئك الباعة. السلع التي يعرضونها متنوعة كتنوع وجوه الباعة التي توحي انهم جاءوا من مناطق يمنية مختلفة ارتبط اهلها بنشاطات محددة دون غيرها برتقال، ليمون حامض، عقود الفل، ادوات منزلية، لوازم وزينة سيارات، فواكه مختلفة، فراولة، واشياء كثيرة يطول حصرها وذكرها على ان الجامع بين تلك السلع هو خفة وزنها لتسهيل حملها والانتقال بها من اتجاه الى اخر ومن سائق الى اخر وسيارة الى اخرى بخطى سريعة تسابق اشعال واطفاء اشارات المرور. دلالات ومعان هذا المظهر المتكرر في الشوارع اليمنية يعطي دلالات ومعان اخرى حسب الاقتصاديين اليمنيين الذين يرون فيه مؤشرا قويا على اتساع رقعة الفقر وسط المجتمع اليمني الى درجة دفعت الكثير من الاسر اليمنية الى توجيه ابنائها الى مثل هذا النشاط لمواجهة الاعباء المعيشية التي تثقل كاهل رب الاسرة الفقيرة ويعطون لهذه الظاهرة ابعادا عميقة من مجرد كونها نشاطا مدرا للدخل الى اعتبارها احد مظاهر الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية نظرا لان غالبية المشتغلين ان لم يكن كلهم هم من الاطفال الذين تركوا مقاعد الدراسة او انهم لم يلتحقوا اصلا بأي مدرسة منذ ولادتهم ما يعني حسب هؤلاء الاقتصاديين الذين ما فتئوا يعلقون على تزايد ظاهرة الباعة في الجولات عند مرورهم بالشوارع ان انخراط الاطفال في سن مبكرة في هذا العمل وعلى هذا النحو يكشف بجلاء حجم الاثار الناجمة عن الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأت اليمن تطبقها منذ العام 1995 طبقا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية «البنك وصندوق النقد الدوليين» وان تلك الاصلاحات وان كانت قد حققت بعض التوازنات الاقتصادية والمالية والنقدية للبلاد الا انها بالمقابل ادت الى مساويء وانعكاسات اجتماعية كبيرة بسبب تراجع الدولة عن دعم السلع والمواد الاستهلاكية الاساسية مع بقاء الاجور في مستوياتها القيمية الادنى رغم تزايدها وارتفاعها خلال السنوات الست الاخيرة الا ان تزايدها وارتفاعها كان تزايدا اسميا فيما القيمة الحقيقية للاجور تراجعت ونتج عنها تزايد الاعباء المعيشية للاسر اليمنية محدودة الدخل التي وجدت نفسها مجبرة على اشراك اكبر قدر من افراد الاسرة الواحدة في العمل لمواجهة تلك الاعباء ومنهم الاطفال كما يشاهدون وهم يتسابقون لبيع السلع والبضائع في جولات المدن الرئيسية اليمنية. مجز للغاية مقابل رؤية الاقتصاديين وغيرهم لهذه الظاهرة ووجاهة تفسيرها يرى الاطفال في عملهم هذا متعة ابعدتهم عن كراسي الدراسة والحضور والانصراف اليومي الى المدرسة ويقول نبيل الريمي الذي يبيع لوازم وزينة السيارات نحمد الله على هذا العمل فهو مجزي للغاية مضيفا انه احد الابناء التسعة لأبويه والثاني بين اخواته السبع بنات وانه من غير المعقول ان يجبر اخواته للعمل لان ذلك عيب في حقه كرجل وان عليه ان يقوم بالواجب تجاه اخواته واسرته مستطردا ان الارباح وفيرة في هذا العمل حيث يستفيد من سرعة السائقين واستعجالهم مما يتيح له فرض السعر الذي يريده على سلعه من لوازم السيارات مثل المساحات ورافعات الزجاج وادوات الزجاج وادوات الزينة ويجد نبيل في عمله هذا متعة رغم انتقاله من اتجاه الى اخر على مدار ثماني الى عشر ساعات في اليوم الوحد وعندما نسأله عن الدراسة لايبدي اسفه على ترك المدرسة في الصف السادس قائلا الكثير من الطلاب يدرسون ويتخرجون وبعدها لايجدون عملا مضيفا انه يعرف الكثيرين ممن درسوا ومازالوا بعد سنوات من انهاء دراستهم بدون عمل. مساعدة الاسرة قاسم العديني يبيع قنينات الماء على المارة من السائقين والركاب ويبلغ حوالي الخمس عشرة سنة على حد قوله يرى ان عمله كبائع في الجولات يوفر له الاموال اللازمة لمساعدة اسرته وانه يشتغل الى جانب اخيه علي كبائع للصحف والمجلات في جولة اخرى عند تقاطع شارع الستين حدة في صنعاء وان ما يجمعه هو واخيه يسلم الى ابيه العاطل عن العمل من حين الى اخر لمساعدته على الوفاء بنفقات الاسرة المكونة من الاب والام واحد عشر اخا واختا ويشكو قاسم من مضايقات لمنعه من عمله هذا لكنه يقول انها مضايقات نادرة من قبل رجال البلدية وانها اذا ما حدثت تؤثر على سير عمله اليومي مشيرا الى ان تجمد نشاطه وان الذين يقومون بمنعه من عمله هذا غالبا مايرثون لحاله بعد ان يعرفون وضعه ووضع اسرته الفقيرة ولهذا فالكثير من هؤلاء الناس طيبون لكنه يرى ان المضايقات التي تؤثر عليه هي تلك التي تحصل عندما يكون اليمن في حالة استقبال لشخصية هامة كرئيس او ملك حيث يؤثر مثل تلك المناسبات على عمله الذي يعلق من يومين الى ثلاثة ايام حسب مدة زيارة تلك الشخصية للبلاد. سرقة سريعة بائع اخر يرى ان بعض السائقين ليس لهم ضمير عندما يعمدون اخذ السلعة لشرائها ثم ينطلقون بعد اضاءة اشارة المرور دون ان يدفعوا الثمن او يدفعون اقل من الثمن المطلوب وهؤلاء قلة ولا ذمة لهم لانهم يطمعون ببائع بائس مثلي يعمل من اجل اطعام اسرة ويرى ان هذا العمل مضني وشاق وان الحاجة دفعته لذلك ولو وجد عملا بديلا لما استمر في قطع الشوارع ذهابا وايابا ينتهي به اخر اليوم الى الاعياء الشديد الذي يجعله يأوى الى الفراش باكرا في دكان صغير استأجره والده الذي يعمل هو الاخر بائعا متجولا للخضروات اما بقية اسرته فتسكن في البلاد بمنطقة عتمة وهو يتولى الى جانب والده جمع ما يمكن جمعه ويرسل الى امه واخوانه واخواته في البلاد ويقول سعيد ان المتعة الوحيدة التي يتمتع بها هي ايام عيد الفطر وعيد الاضحى عندما يسافر هو وابوه الى القرية حيث يمضيان بين افراد الاسرة من عشرة الى عشرين يوما اما بقية ايام السنة فيقضيها كبائع في الجولات مضيفا انه ينتقل من بيع سلعة الى اخرى على عكس الاخرين الذين يحرصون على بيع سلعة واحدة طوال العالم ويتمنى سعيد ان تتراكم لديه الاموال ليفتح له دكانا في مكان ثابت يجنبه ملاحقات اشارات المرور ويعوض حرمانه من الالتحاق بالمدرسة التي لم يعرف كراسيها مطلقا منذ طفولته ويخلص متمنيا ان تطول مدة بقاء الاشارة حمراء عما هي عليه حتى يتمكن من بيع المزيد من اكياس الليمون الحامض او سلعة اخرى. مجرد مرحلة يبدو ان هذه الظاهرة لتزايد تجار وباعة الجولات اليمنية بما تخفيه من اسباب ودوافع لاشتغال الاطفال في هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر تظل مجرد مرحلة لولوج سوق العمل وتهيء الصغار له كما انها تخفف من اعباء الاسرة الفقيرة رغم ما تنطوي عليه من مؤشرات دالة على اتساع رقعة الفقر والاختلالات الاجتماعية التي يعيشها اليمن منذ تطبيق الاصلاحات الاقتصادية ما يجعلها عصية على المعالجة التي يتطلع اليها الكثيرون نتيجة لعمق وتجذر اسبابها داخل المجتمع التي تحكمها اعتبارات اجتماعية واقتصادية وثقافية حين يلعب تدني الوعي وانتشار الامية داخل المجتمع دورا كبيرا في تحديد حجم هذه الظاهرة لاسيما ان هناك من هؤلاء الباعة في الجولات من هم في وضعية لا تجبرهم على دفع ابنائهم لممارسة هذا النشاط الذي يدفع العديد منهم الى الانقطاع عن الدراسة او حتى الالتحاق بها.