على امتداد الفرات، مانح الخير والعطاء للجزيرة السورية، وعلى بعد 90 كم من مدينة دير الزور تتوضع بقايا مدينة اشتهرت في التاريخ منذ ما قبل الميلاد، وحتى عام 256م، بقيت تصارع الخصوم وتحتضن الاصدقاء حتى دفعت ثمن موقعها بين صراع الروم والفرس، انها «دورا اوروبوس» او الصالحية كما اسماها العرب المسلمون فيما بعد قصة بناؤها.. حكاية عشق على ضفة الفرات، احياها قائد الاسكندر المقدوني، سلوفس نيكاتور في القرن الرابع ق.م حين تذكر مدينته اليونانية «اوروبوس» وتعني الحصن، وسحر الشرق ابعده عن بلاد الاغريق، اراد بناء مدينته الاغريقية البعيدة على ضفاف الفرات فأنشأ دورا اوروبوس الشرق، كانت منتجعه الشتوي ومقرا لرحلات صيده، بلغت ازدهارا عظيما في عهد السلوفين وخلفائهم الرومان حيث كانت موقعا عسكريا متقدما على جبهة فارس وتخوم الشرق. ثم سيطرت تدمر عليها وجعلتها نقطة التقاء تجاري مهم مابين قوافل اسيا وفارس والقوافل القادمة من الخليج العربي وجنوب فارس والهند، وتتوالى السنين وصراع فارس وتدمر، ومن ثم صراع تدمر وروما.. وتدفع «الصالحية» ضريبة الموقع والازدهار فيدمرها الفارسي وسابور عام 256 م، منهيا دور مدينة اغنت تاريخ الشرق القديم، وتغطيها الرمال ماسحة اسمها من سجل التاريخ. ـ الاكتشاف: بعد معاهدة سايكس بيكو وتقسيم بلاد الشام والعراق بين فرنسا وبريطانيا، كانت المنطقة الجنوبية والوسطى من مجرى الفرات خاضعة للبريطانيين وعام 1920م، بينما كان احد ضباط الحامية البريطانية يتصيد على ضفة الفرات اليمنى عثر على رسم جداري، تابع بحثه فشاهد بقايا لابنية جدارية من الطين المشوي والحصى، فعرف بأنه امام مدينة اثرية من مدن الشرق الساحر، خصوصا وان ضابطا فرنسيا كان قد بدأ بالتنقيب وعلى بعد 202 كم جنوبا من موقعه هذا، مكتشفا اثارا عظيمة لمدينة «ماري وتل الحريري». اخبر الضابط البريطاني السلطات الاثرية، فكلفت العالم البلجيكي «فرانز كومان» عام 1922 بالتحريات في هذا الموقع واشترك معه عام 1928 بعثة امريكية من جامعة «ييل» واكاديمية العلوم الفرنسية والمعهد الفرنسي للاثار في باريس، وتحت معاولهم ظهرت بقايا لمدينة رائعة غطتها الرمال ونسيها الزمن. ـ نتائج التنقيبات: مدينة بنيت على هضبة طبيعية بارتفاع 50 مترا، تطل على نهر الفرات واطرافها الثلاثة الباقية محصنة ومعزولة عبر اودية صعبة العبور يحيط المدينة سور دفاعي مدعم بأبراج عالية، مساحة المدينة داخل الاسوار 73 هكتارا، تخترقها شوارع منتظمة على الطراز الهليني اليوناني كمدن انطاكية واللاذقية والاسكندرية وبيروت، بلغ عدد شوارعها الرئيسية المتعامدة ثمانية طولا وثمانية عرضا، تتقاطعان معا بما يشبه رقعة الشطرنج، طول كل شارع 650 مترا والشارع الرئيسي المخترق لهذه الشوارع طوله 373 مترا، وللمدينة ثلاثة ابواب، الغربي والمطل على البادية السورية ويسمى باب تدمر والباب الثاني نحو الفرات والثالث نحو الجنوب ويسمى باب القوافل. اسوار الصالحية مضلعة الشكل، بنيت من الحجر الكلسي والطيني المشوي والقرميد الاحمر، على الاسوار اربعة ابراج مدعمة وقوية البناء بنيت مربعة الشكل، حاليا لم يبق من ابواب المدينة سوى بابين المطل على نهر الفرات وباب تدمر الذي ظهرعلى شكل قوس ارتفاعه 11 مترا، ومن طرف الشرق على حدود العراق حاليا بقايا قلعة كبيرة تطل على الفرات يفصلها عن المدينة خندق طبيعي عرضه 10كم وهذه القلعة بنيت ايام التدمريين عندما سيطروا على دورا اوروبوس والقلعة مركزا للحامية التدمرية في وجه الفرس، وصد هجمات البدو الرحل نحو المدينة الثرية. تشكل الحالة المعمارية للمدينة نموذجا فريدا للمنشآت اليونانية الهيلينية ذات الصفة العسكرية والسكنية، واصبح اسم المدينة يعرف بالصالحية في القرن التاسع عشر. ـ أوابدها الدينية: اشتهرت المدينة بأوابدها الدينية خلال الديانات الوثنية والتوحيدية، فكانت اليهودية والمسيحية وعبر ذلك تنوع السكان فيها من يونان وفرس وبدو وتدمريين ورمان ومصريين.. معبد لأدونيس وحدد وزويوس وبقايا كنيس يهودي موجودة بقاياه في متحف دمشق، وبقايا كنيسة مسيحية نقلت معظم اثارها الى متحف المتروبوليتان في الولايات المتحدة الامريكية وهي اقدم كنيسة في العالم تعود فترتها الى 245م اذا علمنا بأن المسيحية كدين رسمي للدولة الرومانية بدأ عام 313م، ويعتبر هذا الاثر اعظم اثر ديني مسيحي في العالم اذ يمثل جرن المعمودية ولوحة جدارية تمثل السيد المسيح بشكل راع يسير على الماء، لوحة ملونة بألوان تراب الفرات. وهناك الحمامات والمسرح والساحة العامة «الايغورا» مدينة دورا اوروبوس مدينة بانورامية لشعوب المنطقة التي اطلق عليها ميزوبوتاميا وشعوب انصهرت في البادية السورية، اخذت من سكانها تنوعهم واعطتهم حضارة خليطة من الشرق والغرب فما تماثيل بعل وحدد ويرحبول، الالهة السورية، وتماثيل افروديت وهرقل الاغريقية كمثال على عظمة الشرق وهضمه لكل جديد قادم اليه. ومازالت معاول الاثريين تكشف عن حضارة الصالحية ودورا اوروبوس والتي في رحمها الكثير من عظمة الشرق، دعوة لزيارة المدينة الراقدة على صدر نهر الفرات حيث العبقرية للحضارة العربية منذ آلاف السنين.