في خطوة تحمل الكثير من الدلالات الايجابية للمحافظة على مدينة دمشق القديمة اعدت محافظة دمشق برنامجا متكاملا لتأهيل المدينة القديمة يتضمن عدة مشاريع لانجاز البنية التحتية وترميم الاوابد الاثرية، وتأهيل المساكن والابنية العامة ودعم النشاط السياحي والثقافي والخدمات الاجتماعية والمرافق والاستشارات والخدمات الفنية والهندسية فيه. وفي هذا الاطار التقت «البيان» المهندس اسعد مهنا رئيس لجنة حماية دمشق القديمة حيث اشار اولا الى اهداف البرنامج الجديد قائلا: يهدف البرنامج المقترح الى المحافظة على حيوية دمشق القديمة وتنميتها من خلال جهد تنظيمي واستثماري يرمي الى تقوية تفاعل النسيج العمراني التراثي مع محيطه الانساني الاقتصادي ووضع استراتيجية خاصة تشمل عناصر المراقبة للتراث ولمستويات البيئة والبنية الاساسية والخدمات وحماية النسيج العمراني وتطويره ومعلومات عن دور الفئات المشاركة والدعم المالي والحوافز للنشاطات المتوطنة وتشجيع مبادرات التمويل العامة والخاصة ورفع كفاءة التنفيذ، حيث يبرر هذا البرنامج ماليا واجتماعيا على اسس عديدة اهمها المنافع الاقتصادية المباشرة المتولدة عن تعزيز نشاط السياحة والنشاط التجاري والحرفي التراثي المرتبط بطبيعة المدينة القديمة وذلك الى جانب المنافع الاخرى غير المباشرة الناجمة عن تطوير التنظيم العمراني والديموغرافي للمدينة وتأهيل امكانياتها التراثية. ويشير المهندس مهنا الى ان اعمال المرحلة التحضيرية للبرنامج تشمل على اعمال المسح الميداني الاولي والشامل والتوثيق ودراسة نظام السير والمخطط التنظيمي وخطة الاحياء وتحديد الاصلاح ووضع الدراسة التنفيذية للحي المتوهن وبعض مباني الخدمات والتدريب والتأهيل. هذا ويتضمن الهيكل التنظيمي للمشروع تشكيل لجنة استشارية عليا تجمع الممولين وكذلك ادارة تحديد الجهاز التنفيذي والمكونة من العناصر البشرية والاحتياجات التقنية التي تشمل على تجهيزات المساحة التصويرية واجهزة الحاسب والارشفة والتصوير والاسقاط والمعدات المكتبية والبرنامج التدريبي وغير ذلك من التجهيزات. وعن مبررات المشروع ونتائجه يؤكد المهندس اسعد مهنا على عدة مبررات واسباب لتنفيذ برنامج تأهيل دمشق القديمة منها ضرورة المساهمة الفعالة واهمية الحفاظ على المدينة كونها اقدم مدينة مأهولة حتى الان وقد لعبت دورا قياديا في التاريخ العربي الانساني وقد تكون هذه المجموعة من الابنية الاثرية والمساكن التي لا تختلف عن غيرها من المدن العربية ولكن زوال وتهدم هذه الاوابد لا يعني فقط زوال احجار قد تستبدل ولكنه قد يعني انقطاعا في التواصل للاجيال المقبلة مع عظمة التراث. ـ اما مبررات المنافع العامة فيلخصها المهندس مهنا بما يلي: 1 ـ الحفاظ على مدينة دمشق القديمة كمدينة تراثية ومركز للحيوية السورية في الاقتصاد والثقافة والتاريخ. 2 ـ ترميم مساكن دمشق القديمة المقدرة بين 4 ـ 6 الاف عقار والتي يتصف اغلبها بالاهمال والوهن حيث سيوفر البرنامج الجديد السكن الملائم لنحو 40 ـ 50 الف نسمة يرتبطون بهذه المدينة بنسيج اجتماعي وثقافي متميز وهذا يعني تلافي ظهور مشكلة السكن لهؤلاء الافراد وحلها بكلفة لا تتجاوز 70 مليون دولار على اكثر تقدير وهي تمثل نصف الكلفة تقريبا فيما لو تمت اقامة مدينة جديدة لاسكانهم مع ايجاد مخطط تنظيمي عمراني خاص بها يحافظ على طبيعتها التراثية والسكنية. 3 ـ ترميم وتأهيل عدد كبير من المباني والاوابد الاثرية ذات القيمة التاريخية في مجال السياحة والثقافة بما يجعل هذه المدينة مركز جذب سياحي ونشاط اجتماعي ثقافي سواء للمواطنين او الزائرين. 4 ـ انشاء واستحداث بنية اساسية متكاملة وحديثة داخل المدينة وحول مداخلها بما يسهل عملية الانتقال منها واليها وبما يساهم في حل مشكلة حركة المرور العميقة لكامل مدينة الكبرى التي تظهر بشدة في المفاصل التي تخدم المدينة القديمة. 5 ـ تأهيل وتنظيم الاسواق التجارية الرئيسية التقليدية في دمشق القديمة مثل سوق الحميدية والبزورية وغيرها من المراكز الاقتصادية التي لاتزال تلعب دورا هاما في الحركة الاقتصادية داخل المدينة وفي سوريا كلها، مما يعيد اليها طابعها المتميز وفي الوقت نفسه سوق ينظم ويوفر خدمات الاعمال التجارية الحديثة للفعاليات المتواجدة فيها. 6 ـ تعميق مشاركة القطاع الخاص في تمويل البرنامج وفي المساهمة في عملية تنشيط وصيانة نشاطات المدينة التجارية والخدمية. ـ اما من الناحية الاقتصادية فيؤكد المهندس اسعد مهنا ان برنامج تأهيل دمشق القديمة يحقق منافع اقتصادية مباشرة وذلك من خلال: 1 ـ خلق نحو 10 الاف فرصة عمل جديدة دائمة على الاقل في القطاعين الخاص والعام ونحو 25 الف وظيفة مؤقتة تقريبا اثناء فترة تنفيذ البرنامج. 2 ـ تحسين مستوى الدخل للافراد القاطنين في المدينة وكذلك للمؤسسات الفردية والخاصة المرتبطة بنشاطات المدينة بما لايقل عن 50% عما كان عليه مستوى الدخل قبل بداية البرنامج. 3 ـ تسهيل الحركة السياحية الى الابنية الاثرية والاسواق التجارية والصناعات الحرفية بما يؤدي الى زيادة النشاط التجاري والاقتصادي. 4 ـ تحسين البنية التجارية والخدمة في المناطق المحيطة والمجاورة للمدينة القديمة. 5 ـ تحسين البنية المرتبطة بمجرى نهر بردى وفروعه داخل المدينة ونظام الصرف الصحي والنظافة العامة بما يخفف من الاثار الصحية الضارة على الافراد وعلى الموارد المائية المتاحة لزراعة الغوطة. وبغرض تدبير التمويل اللازم المقدر بحوالي 400 مليون دولار لهذا البرنامج واستكمال مقومات التنفيذ والمشاركة من قبل الجهات الممولة والمستفيدة يقترح المهندس اسعد مهنا تقسيم البرنامج الى مرحلتين زمنيتين وبالتالي توزيع التكلفة عليها كمايلي: 1 ـ المرحلة الاولى: وفيها يتم تنفيذ مكونات البرنامج التي تعطي اولوية سواء كانت اقتصادية او تمويلية او تتطلبها ضرورات الانشاء والبناء وفق معايير واولويات يتفق عليها، حيث يقترح ان يتم تخصيص نحو 200 مليون دولار لهذه المرحلة التي ستستغرق خمس سنوات. 2 ـ المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي يتم فيها استكمال تنفيذ مكونات البرنامج التي لم تدرج في المرحلة الاولى وبتكلفة تقدر بـ 200 مليون دولار ايضا على مدى خمس سنوات ثانية وبمقارنة التكلفة الاجمالية لمشروع تأهيل دمشق القديمة بتكلفة مشروع احياء حلب القديمة المقدرة بنحو 250 مليون دولار عند انجازه نجد ان تكلفة مشروع دمشق اعلى لعدة اسباب منها: ان مدينة دمشق القديمة قد تعرض نسيجها العمراني والاقتصادي والحرفي لدمار شديد نتيجة تأثير المخططات العمرانية الحديثة التي لايزال قسم منها قائما كما ان الابنية والمساكن في مدينة دمشق القديمة لا تتحمل الظروف البيئية القاسية والاهمال لفترة اطول لان اغلبها بني من الطين والخشب، كذلك بسبب ضخامة الحركة العمرانية وحركة المرور والطرقات حول مدينة دمشق القديمة بالاضافة الى فرض تعديات عميقة. وينهي المهندس اسعد مهنا حديثه بالاشارة الى محاور تنفيذ برنامج التأهيل حيث يتكون هذا البرنامج من عدة عناصر تشمل البنية الاساسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنظيم الحضاري والعمراني ممزوجة بالتفاعل البشري والثقافي والسياسي. ونظرا لتعدد مكونات البرنامج وتنوعه فإنه يمكن تصنيفها في اربعة محاور: 1 ـ محور المخطط التنظيمي. 2 ـ محور المرافق العامة والبيئة . 3 ـ محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 4 ـ المشروع الرائد للتجربة والتوعية. 5 ـ محور ترميم المساكن والاثار. هذا ويعتبر المحور الاول من اهم العناصر حيث يشمل اعداد خطة شاملة لتخطيط واستعمالات الاراضي والاماكن في المدينة القديمة، كما يضم هذا المحور معايير فنية حديثة للبيئة وللموارد التراثية ولهذا فان المكونات الخاصة بهذه المدينة تضم معايير الضوضاء والفضاءات وتنظيم وتجميل مجرى نهر بردى وفروعه وحماية نوعية المياه والتربة وادارة مصادر التلوث، كذلك ابراز نظام توزيع المياه كمعالم اثرية وغيرها. فيما يضم محور المرافق العامة والبيئة عناصر شبكة مياه الشرب وشبكة تصريف مياه الامطار وتجميع وتصريف مياه الصرف الصحي وترميم الشوارع والجادات وتوفير الكهرباء وخدمات الهاتف والنظافة العامة مع مكونات تنظيمية واستثمارية لتقوية كفاءة نظام النقل العام المتصل بالمدينة وتوفير خدمات الاتصال المرتبطة بالاضافة الى الخدمات الصحية المتكاملة والمدارس بكافة مراحلها. هذا ويحتوي محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية على عناصر تنمية الاماكن السياحية والاسواق التجارية وتدعيم مجالات المهن الحرفية وتدعيم الصناعة التراثية الموجهة للسياحة بالاضافة الى اعادة توطين او نقل النشاطات المرتبطة بالمدينة تاريخيا، كما يشتمل على مكونات اجتماعية وخدمة موجهة للعناية بالاهالي والمتعاملين مع دمشق القديمة ورعاية الطفولة والاسرة والخدمات الاجتماعية الاخرى او على تدعيم الجهود المالية للاهالي والمنظمات المختصة في تطوير المواقع المؤهلة لتصبح مراكز ثقافية وسياحية وخدمية داخل المدينة. اما بالنسبة للمشروع الرائد للتوعية والتجربة فهو ليس بمحور وانما هو مختبر تختبر فيه وتبرز كافة العناصر المتداخلة لتلافي اية اثار سلبية قد تنجم عن التطبيق الفعلي. كما يعتبر المشروع الرائد مكانا ملائما لتطبيق كل من اسلوب التخطيط جنبا الى جنب اثناء عملية الترميم والتنشيط، حيث يسعى هذا المشروع الى تقوية التوعية العامة والى زيادة فعالية مشاركة المواطنين باسلوب ديمقراطي ومنهجي يعكس مصالح كافة الافراد وهو يهدف الى ابراز عينات حية من تكاليف البرنامج ومكوناته ومنافعه المباشرة وغير المباشرة بما يؤدي الى تعميق ارتباط المشروع بالمنتفعين والمدينة ويؤمن الدعم المالي والمشاركة في المستقبل لمرحلة ما بعد المشروع. ويضم اخيرا محور الاثار والمساكن عناصر مثل القيام بترميم المساكن الخاصة بشروط حالية ميسرة وتعديل مستويات الكثافة السكانية المزدحمة وترميم الاوابد التاريخية لمدينة والتعريف بها وتيسير الوصول اليها والحفاظ على خصوصية الشكل التراثي للسكن بما يمزج بين الاصالة والراحة ومراقبة التكامل الاجتماعي وتشجيع الميسورين على التفاعل مع المدينة وتوفير المصادر المالية والتقنية اللازمة.