نتفق دائما على حرمة أشياء كثيرة دون أن نعرف سببا لهذا التحريم®. كما نتفق على أن الفعل «كذا» مخالف للقانون ودون أن نسأل أنفسنا لماذا هو مخالف للقانون؟ وما حدود هذه المخالفة؟ نعرف تماما أن ارتداء ملابس ضباط الشرطة يعد انتحالا لصفة الغير®. لكننا لا نعرف لماذا؟ ولم نسأل أنفسنا ما هي الملابس التي يمنعها القانون والتي قد تورطنا في قضية انتحال صفة الغير؟ وما هي الملابسات التي تحيط بالموقف الغامض لقانون العقوبات في معالجة هذه القضية؟ قانون العقوبات في عام 1992 تم القبض على أحد الأشخاص المشتبه في انتمائهم للجماعات المتطرفة وأثناء تفتيشه عثر في حقيبته على بطاقة شخصية مزورة والوظيفة المدونة بها محام كما عثر بالحقيبة على روب محاماة وبعد التأكد من عدم انتماء الشاب لأي جماعات متطرفة وجهت له النيابة تهمة انتحال صفة محام وكان من بين أدلة الاتهام روب المحاماة فهل تعتبر حوزة روب المحاماة انتحالا لصفة محام؟! في الباب العاشر من قانون العقوبات تحت عنوان اختلاف الألقاب والوظائف والاتصاف بها بدون حق تقول المادة 155 كل من تداخل في وظيفة من الوظائف العمومية ملكية أو عسكرية من غير أن تكون له صفة رسمية من الحكومة أو إذن منها بذلك أو أجرى عملا من مقتضيات إحدى هذه الوظائف يعاقب بالحبس أما المادة 156 فتقول كل من لبس علانية كسوة رسمية بغير أن يكون حائزا للرتبة التي تخول ذلك أو حمل علانية العلامة المميزة لعمل أو لوظيفة من غير حق يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة. ملابس السيدات ممنوعة يؤكد هشام عيسى المحامي أن مواد قانون العقوبات لم تحدد بالتفصيل الملابس التي يجرمها القانون حيث أن وزير الداخلية يحدد ملابس ضباط الشرطة®. وأيضا وزير الدفاع يحدد ملابس ضباط القوات المسلحة وبالنسبة لأي ملابس أخرى فالقانون يعاقب على القصد الجنائي بمعنى أنه يمكنك أن تقتني روب محاماة لكنك لا تستطيع ارتداءه في المحكمة®. واقتناؤك له ربما يكون بدافع ارتكاب جريمة ما مثل النصب مثلا®. تماما مثل ثوب الطبيب فهو لا قيمة له منفردا لكنك اذا ارتديته في وجود مريض بمستشفى أو عيادة فإنك قد انتحلت صفة طبيب®. ويؤكد هذا المعنى أن القانون لا يمنع الرجل من ارتداء ملابس النساء لكنك اذا فعلت هذا يتم القبض عليك لأنك لابد أن تكون متجها لارتكاب جريمة ما وهذا هو القصد الجنائي. ويشير اللواء عبدالفتاح عمر الخبير الأمني الى أن وزير الداخلية يرسل مذكرة تنفيذية لوزير العدل تتضمن تفاصيل زي ضباط الشرطة والجنود والكليات والمعاهد التابعة للوزارة®. وكذلك وزير الدفاع يرسل مذكرة مماثلة بملابس ضباط الجيش في جميع الفروع®. واذا حدث تغير في الملابس يتم تسجيل ذلك في مذكرة رسمية. ويضيف اللواء منصور العيسوي مساعد وزير الداخلية السابق أن القانون لم يجرم ارتداء الزي العسكري أو زي الشرطة فقط لكنه جرم ارتداء أي ملابس يمكن أن توحي للناس بأنك تحمل صفة ليست صحيحة بمعنى أنك تضع في حقيبتك روب محاماة فإنك تقصد الايحاء للناس بأنك محام وهذا انتحال للشخصية®. وكذلك ثوب الطبيب هذا بالاضافة الى الأوسمة والنياشين التي تمنحها الدولة أو الهيئات الرسمية. زي الرهبان والشيوخ قضية الملابس الممنوع ارتداؤها فجرتها أزمة راهب دير المحرق المفصول برسوم المحرقي حيث أكدت الكنيسة أن الراهب مفصول منذ سبعة أعوام وأنه يرتدي زي الرهبان بدون وجه حق®. فهل هذا أيضا يعتبر انتحالا لصفة راهب؟! هذا السؤال دفع الكنيسة المصرية الى رفع دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية تطالبها بالزام تسجيل زي الرهبة واعتباره زيا رسميا خاصا بالرهبان مثل الزي العسكري®. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها الكنيسة اعتبار زي الرهبان زيا خاصا®. ففي عام 1989 تقدم البابا شنودة بطلب مماثل وكان أيضا عقب فصل أحد الرهبان. وبعد وصول القضية الى محكمة القضاء الاداري اشتعلت معركة الخلافات القانونية®. بعض الخبراء يؤكدون عدم امكانية اعتماد زي الرهبان زيا رسميا®. والبعض يؤكد حق الكنيسة في ذلك®. ووسط كل هذه الخلافات توجد حقيقة لا يراها الجميع كما يؤكدها هشام عيسى المحامي وهي أن أحد الاتهامات التي وجهت للراهب المخلوع هي انتحال صفة راهب®. وهذا ما يؤكد أن القانون يعاقب فعلا على هذه الجريمة ولكن الكنيسة تريد تشريعا خاصا®. ووصلت معركة الخلافات القانونية الى حد مطالبة البعض باعتماد أزياء خاصة لرجال الدين®. أي أن يكون أيضا لرجال الأزهر زيا خاصا بهم. اعتراض يرى د. محمد عبدالمنعم البري الرئيس السابق لجبهة علماء الأزهر أنه لا يمكن اعتماد زي خاص للدعاة والعلماء في الاسلام نحن رجال علم ولسنا رجال دين بمعنى أن كل من يستطيع أن يعلم الناس شيئا يفعل دون تصريح من أي جهة®. لذلك لا نستطيع أن نجبر احدا على ارتداء زي خاص وخصوصا أن الكثيرين من علماء المسلمين يرتدون الملابس الافرنجية من «بدل» وخلافه. ويعترض الدكتور ابراهيم صالح أستاذ القانون والمحامي المعروف على مشروع الكنيسة قائلا: المفروض تطبيق مواد قانون العقوبات الخاصة بارتداء زي أو انتحال الصفة والتي تطبق على القوات المسلحة وضباط الشرطة®. والقضية لا تحتاج الى تشريع لأن القانون موجود بالفعل®. فمثلا لو أن أحد الرهبان فصل من الكنيسة وظل يرتدي الزي على رجال الكنيسة أن يبلغوا السلطات بهذا وسيتم القبض عليه بتهمة انتحال صفة راهب. ويؤكد الدكتور محمد عصفور الفقيه القانوني المعروف أن وزارة العدل ليست لها علاقة بالقضية والحل مجرد تنظيم الأمور الداخلية للكنيسة فالقانون فعلا موجود ولا يمكننا أن نصدر تشريعا بهذه الملابس لأنه غير دستوري فالراهب شخص يعبد الله ولا يحتاج لملابس رسمية للعبادة®. وأيضا رجال الأزهر لا يمكن أن أجبرهم على ارتداء زي خاص وخاصة أن الجبة والقفطان زي شعبي يرتديه كثيرون ليست لهم علاقة بالأزهر®. وقانون العقوبات ليس به اي قصور وهو كاف لحل المشكلة.