كان من المفروض ان يكون عنوان هذه الخاطرة «أهل الكهف بين التوراة والقرآن» لاستلهام الحكيم مسرحيته من مصادر غربية مسيحية أو وثنية أبرزها التوراة، ولاستلهام الندوي بحثه من مصادر عربية اسلامية على رأسها القرآن الكريم. غير أنني وجدت العنوان اكبر مني وممّا أكتب، فآثرت ان يكون «أهل الكهف بين الحكيم والندوي» لأسباب: أولها أنني أعتمد فيما أكتب على مسرحية الحكيم لا على المصادر التي أخذ منها، وعلى ما كتبه الندوي في كتيّبه «الصراع بين الإيمان والمادية» لا على سورة الكهف، وما قال فيها المفسّرون. وثانيها أن كل كاتب حينما يستوحي أفكاره من مصدرٍ ما يضيف، بقصد أو بغير قصد، تصوّره الى المصدر الذي صدر عنه، فيأتي أثره الجديد مشوباً بشوْبٍ من تفكيره وفلسفته في الحياة، ونظرته الى الكون، ولا يأتي بالضرورة ممثلاً للأصل الذي تفرع عنه. وثالثها ان الفكرة المستوحاة من مصدر قديم او حديث حينما تتحول الى مسرحية او قصة او قصيدة او مقالة لا تستطيع، مهما يُؤْتَ صاحبها من التجرد والدقة، ان تتجنب الاثر الفني الذي يتركه النوع الأدبي في البناء الجديد. ولهذا وجدت ان نسبة الأثر الى صاحبه اولى من نسبته الى مصدره. قبل أكثر من نصف قرن كتب عملاق المسرح العربي توفيق الحكيم مسرحيته الذهنية «اهل الكهف» مستوحياً احداثها وأفكارها وشخوصها وبيئتها من مصادر طغى فيها العنصر الغربي المسيحي على العنصر العربي الاسلامي. فزمان المسرحية عنده مرتبط بزمان الامبراطور الروماني دقليانوس الذي حكم الامبراطورية الرومانية قبل أن يظهر الاسلام بعدة قرون. ومكانها قصر الملك نفسه، وكهف في امبراطوريته الواسعة قرب مدينة افسوس. وأبرز شخوصها الى جانب دقليانوس: مشلينا، ومرنوش، ويمليخا، وبريسكا. وأهم أحداثها ان مشلينا كان يحب بريسكا ابنة الامبراطور الوثني. لكن ايمانه بالمسيحية بغّضه الى أولي الأمر، وأشلى عليه الحكام الوثنيين، فاضطهدوه، وأرغموه على مفارقة بلده وصاحبته. فمضى مع زملاء له يبحثون عن مأمن، وقادهم البحث الى كهف منعزل، ناموا فيه أكثر من ثلاثمئة سنة. وفي أثناء نومهم الطويل هذا كانت المسيحية قد قهرت الوثنية، فلما استيقظوا، وعادوا الى مدينتهم تسلّل مشلينا الى القصر الملكي يتحسّس ـ وهو لا يدرك انه نام مع صحبه ثلاثة قرون ـ اخبار صاحبته، فوجد في القصر فتاة تسمى بريسكا، تشبه من كان يحبها، فظنها صاحبته، وهي في الحقيقة فتاة أخرى، تحدّرت من الجدة القديمة بريسكا الاولى، وورثت قسماتها، فراح يتودّد اليها، وهي تستغرب مسلكه. وبعد محاوراتٍ تدور بينه وبينها ينكشفُ السرّ، وتدرك بريسكا الجديدة، وأهل القصر، وسكان البلد ان هؤلاء الفتية الغرباء الدخلاء هم القديسون الذين حدثهم عن غيابهم تاريخهم الروماني، وأنهم بمعجزة الهية، ناموا ثم قاموا، فأحاطوهم بالاجلال والتقديس. غير أن الفتية احسّوا أنهم بُعثوا في زمان لا يناسب ما عرفوا، ولا يلائم ما ألفوا، وأن تطور الحياة قد تجاوزهم، وحولهم الى غرباء عاجزين عن معايشة العصر الجديد، فآثروا العودة الى الكهف، واسلموا انفسهم الى الموت ليتخلصوا من كآبة الغربة، ومن العجز عن مقاومة الزمن، وعن التلاؤم مع مفاهيم وعادات وأفكار لا يستطيعون ان يرفضوها، ولا يقوون على مسايرتها ومعايشتها. امّا خلاصة ما كتبه ابو الحسن الندوي فهي انه في مدينة أفسوس الرومية كانت المادية وما يتبعها من الوثنية السافرة والأبيقورية الوقحة قد بلغت اوجها وزهوها. والتاريخ يشهد أن الوثنية تقترن بها الخلاعة والشهوانية، وان المادية انذاك جرفت القيم، وتركت مجتمع الرومان فاسقاً، عاشقاً للفواحش لا يدين بغير المحسوس، ولا يشبع من اللذة، وان الحكومة كانت تتعقب من يخالف دينها الوثني، وانه وجد في هذا المجتمع رهط من الصالحين، تسربت اليهم دعوة المسيح عليه السلام، فصادفت منهم عقولاً واعية، وقلوباً خاشعة فآمنوا بها. وبهذا الايمان صارع الفتية الوثنية الطاغية فعادتهم حكومتهم. وتخلّوا عمّا يتيحه لهم انضواؤهُم تحت لوائها من متارف، وانضووا تحت اللواء الإلهي الذي هيّأ لهم من أمرهم رشدا، وآتاهم السكينة والطمأنينة في مجتمعهم الصاخب بالكبائر، الموّار بالفجّار. وهكذا انتصر الايمان على المادة، وأوى الفتية الى الكهف، فأمدهم الله بتأييده، وزادهم هدى، وربط على قلوبهم، وأكرمهم غاية الاكرام حينما ثبتهم على عقيدتهم كما ثبت عباده الصالحين في كل عصر، وفي كل مصر. وفي الكهف لبث الفتية يتدارسون ما حملوه معهم من كتب المسيحية. فلما نفد زادهم قدّر الله عليهم النوم، فناموا ثلاثمئة وتسع سنين بالتوقيت القمري، وثلاثمئة بالتوقيت الشمسي. وفي فترة النوم كانت أحوال الرومان قد تبدلت، اذ انتصر المسيح على قيصر، والانجيل على التضليل، فبعث الله الفتية من مرقدهم، فوجدوا انفسهم جياعا، فأرسلوا واحداً منهم الى المدينة سرّاً ليأتيهم بطعام طيّب، وهم يعتقدون ان قومهم لم يفارقوا الوثنية. لما عرف اهل المدينة خبرهم، ورأوا عملتهم القديمة ادركوا انهم القديسون المغيّبون، فأقبلوا عليهم زرافات ووحدانا، وحولوا كهفهم الى معبد مقدس، وعاش أهل الكهف بين قومهم ما شاء الله لهم أن يعيشوا الى أن طواهم الموت، وهم أبطال لا مضطهدون، وقادة ورادة، لا متهمون وملاحقون. بعد ان فرغ الندوي من سرد القصة راح يستنبط منها القيم، فرأى انها تمثل الايمان والفتوة، والثبات والجهاد، وأنها ليست فريدة في مغزاها وان كانت فريدة في أحداثها وشخوصها، لان التاريخ اثبت ان الإرادة الالهية تحالف الايمان وتنصره، وان المؤمن الذي يتجاوز الأسباب الى خالق الاسباب ظاهر على اعدائه. ولهذا اراد الله سبحانه ان يقوي موقف النبي، وان يربط على قلبه، وهو يجابه المشركين، كما أراد ان يبغّض اليه زخارف الدنيا، وأهواء المنحرفين، فقصّ عليه هذه القصة، وقال له: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، وكان امره فُرُطا». ورأى الندوي ان حضارة الغرب الحديثة نسخة منسوخة عن حضارة الرومان القديمة، فهي تطري أصحاب الملايين، وتزري بالمساكين، وهي تميل الى الغلوّ والتطرف. تغلو في الإثراء، فينجم من ذلك الغلوّ في الحرمان، وتغلو في الديمقراطية كما تغلو في الديكتاتورية، وتغضي عن دناءة الوسيلة في سبيل الوصول الى الغاية، وتهزأ بالاستقامة اذا لم تبّلغ صاحبها رغابه. ولهذا كله وجد الندوي ان الحضارة المادية التي صنعها الغرب فقدت الاتزان لإهمالها الدين والأخلاق، واتصفت بالشطط والزيغ والعوج لإغراقها في التفكير الحسّي المادي. لقد نظر الندوي الى أهل الكهف بعينين تتجهان اتجاهين مختلفين: العين الاولى اتجهت الى حضارة روما، فسفّهت شهواتها، والعين الاخرى نظرت الى حضارة واشنطن فضاقت بإسرافها وزيفها. وباختصار نقول: ان الندوي المتضلّع من الثقافة الاسلامية ادار القصة حول محور واحد، ثم استنبط منها اكثر من عبرة. أما المحور فهو الايمان، وأمّا العبر فكثيرة منها الدعوة الى التشبث بالعقيدة، والإخلاص للمبدأ، والتضحية في سبيله، والاعتماد على الله، والثقة التامة بنصره الموعود. فان رجعت الى الحكيم الغارق في حضارة الغرب وجدته يدير مسرحيته حول محور الدنيا لا محور الاخرة، ويستنبط منها عبرة اخرى، تتعلق بسلطان الزمان على الإنسان، لا بقوة الإيمان. وهذه العبرة يرتشفها الحكيم من كأس الفلسفة، لا من كوثر الاسلام. وكأنه يريد ان يقول للبشر: انكم، شئتم ام أبيتم، أبناء عصوركم، فأقرّوا بالتطور، وسايروا ما يفضي اليه. فان رفضتم او عارضتم لم يبق لكم مكان فيه. وحملتكم المعارضة على واحد من مركبين كلاهما ملق زلق: اولهما ان تجبهوا التطور بالتحجّر، وأن تناطحوا جبهته القرناء بجباهكم الجمّاء، فإذا أنتم المهزومون. وثانيهما ان تسالموا التطور ولا تستسلموا له، وأن توادّوه ولا تحادّوه، فتحيون فيه وأنتم كارهون مكروهون، وحينئذٍ سيؤول بكم المطاف الى ما آل بأهل الكهف، حينما فارقوا مدينة أفسوس المتطورة، وعادوا الى كهفهم، لا ليفروا بعقيدتهم التي أصبحت دين الدولة، بل ليفروا مما لم يُعاصروا، ولعجزهم عن أن يعيدوا ما تعّودوا. وههنا يكمن الخلاف الجوهري بين الحكيم والندوي: فالحكيم يسلم قياده الى الزمان، آخذاً بما يجد فيه، معرضاً عما يَرِث منه، معتقداً ان الخطّ البياني للتطور أبداً في صعود، وأن الحاضر أرقى من الماضي، وأدنى من المستقبل، وأن الوقوف في محطة، ولو لفترة قصيرة، يعني التخلف عن الركب المستمرّ في الاندفاع الى الأمام. وأن الواقف في زماننا كالراجع وان لم يمش القهقرى، والسائر كالراكض وان سار الهوينا. والندوي يسلم قياده الى الايمان، ويتشبث بالقيم والمُثُل، ولا يسمح للتطور المادي الذي أغرق الدنيا بشهواته ان يجرفه، لئلا ينساق مع الساقة المنساقة في ركاب الغرب على غير هدى ولا كتاب مبين. انه يقبض بيديه كلتيهما على حبل الله، معتصماً بالعروة الوثقى، زاهداً في الغلو والتطرف، مؤمناً بالوسطية والاعتدال مفضّلاً ثوابت العقيدة على متغيرات الحضارة. ولهذا لم يحكم على أهل الكهف بالعودة الى كهفهم، بل أبقاهم في معمعة الحياة، لا تعلقاً بالحياة الفانية، بل اخلاصاً للعقيدة التي ناموا للحفاظ عليها، وقاموا للدعوة اليها. فنهايته ابقى من نهاية الحكيم وأرقى، وأنبل وأكمل.