بعد ست سنوات أعود إلى الولايات المتحدة، السبب المباشر مشاركتي في ندوة علمية حول الرواية عقدتها جامعة جورج تاون في الفترة من الثاني عشر من أبريل وحتى الرابع عشر، أي إنتهت يوم الأحد الماضي، أما السبب الأقوى الذي دفعني إلى عبور المحيط فهو زيارتي المستشفى الذي جئت إليه عام ستة وتسعين لمراجعة طبية، رحت أقلب أوراقي، وأستعيد تلك اللحظات التي مررت خلالها بمراحل الفحص، خاصة ما أطلقت عليه الاستجواب. عندما نودي علي عبر مكبر الصوت خافت الدرجة ظننت أنني ملاق الطبيب، لكن المرافقة المصرية الأصل، مرحة الملامح والصوت قالت إنه سيراني في الخامسة بعد الظهر، أما الآن فأول خطوة، من سنقابلها إحدى المساعدات، مختصة بإعداد إستجواب دقيق، إنها أقل من طبيبة، وأرفع من ممرضة، هذا نظام لا يوجد إلا هنا، يلي ذلك تسليم فيلم القسطرة، والكشف على الأسنان، سلامة الفم مهمة جدا قبل العملية، التأكد من بعض التحليلات، إنه أطول يوم، قالت ضاحكة. كعب داير يعني.. بدا لي التشبيه غريبا في هذا المستشفى البعيد جدا عن دياري، نفحة من أيامي المتوارية القصية علي الآن المستحيل بلوغها علي، بلغت نقطة يتساوى فيها عندي إستدعاء لحظة فاتت بأخرى آتية الشتاء الماضي، لحيظات الغروب القاهرية، الشتاء المقبل أوقات هبوب النسمات الباردة قبل نزول الليل، ما قبل الغروب، الربيع الذاهب، المقبل .. لا فرق، كنت قابلا لكل أمر، ملبيا كافة ما يطلب مني، متعجلا لحظة الفصل، مكتمل الوعي بساعات إعدادي وتجهيزي، مقبل على البشر كافة بنفس القدر، مستدعيا من عدمي أكثر مما أراهم أمامي، من يسمعون لفظي، ويهتمون بشأني، كنت في الفائت أكثر مما أنا عليه في الحاصل، غرفة صغيرة، معدة للمواجهة وليس للكشف أو الفحص، مقعدان في مواجهة بعضهما، وحدة واحدة، متصلان، منفصلان، مقعد ثالث لجلوس المرافقة تترجم ما يسر علي أو عليها، لم يكن ثمة مكان لرابع، لذلك جلست زوجتي في قاعة الإنتظار على مقربة. عندما دخلت الغرفة، نشطة، حية، أجاجة، نضرة، لم تحدث مني ما يثيره ظهور الأنثى، من حركة زائدة، هكذا قال شيخنا ابن حزم في مؤلفه طوق الحمامة، أدرك هذا منذ اكتمال وعيي، ظهورهن مبدل للظرف، مغير للأحوال. دافع ليعرض المرء أفضل ما عنده، مجرد عبور مجهولة لي الطريق يثير ويبدل. إنها فارهة، لا يبدو تعبير معين من خلال ملامحها، تؤدي عملها بحيادية متقنة جميلة، تسأل شفاهة، وتدون اجاباتي على أوراق مسندة إلى لوح مقوى، معدني. جمال الغيطاني، مولود في التاسع من مايو عام خمسة وأربعين وتسعمائة وألف، في قرية جهينة، مركز طهطا، مديرية، سوهاج الآن. تتساءل بتقطيبة خفيفة من حاجبيها، انتبه إلى لون عينيها، تلك الزرقة الصافية، قلت إن إسم المقاطعة تغير. نعم.. اثنان قبلي توفيا، الأول اسمه خلف، قبل ولادتي، الثاني كمال، توفى على باط أمي عند مدخل حارة درب الطبلاوي أثناء عودتها به من عيادة طبيب في ميدان بيت القاضي. لا.. لا أعرف كيف رحل الأول، لكن أمي قالت إن كمال ظهرت تحت أذنه اليمنى بقعة حمراء مصحوبة بسخونة، لم ينفع الدواء ومن قبله الحجاب.. الحجاب يتضمن كتابة خاصة للشفاء من المرض. نعم.. أقرب إلى السحر. لست متأكدا من عدد المتوفين بعدي، لكنني أذكر جيدا محمد، ولد بعد إسماعيل وقبل شقيقتي نوال. نعم.. هذا اسم أختى، محمد مرض بعد عودتنا من جهينة، كنا نسافر إليها في الصيف، أذكر جيدا شكله في الاعياء. هزاله، موته قبل طلوع شمس يوم الجمعة، مات فجرا، تماما كما رحل أبي فجرا، أيضا أمي. بالنسبة لأبي لم تكن أي مقدمات، لم أشهد احتضاره لسفري، سمعت ما جرى من أشقائي وأقاربي، الأمر غريب، لأول مرة أحكي تلك الليلة لم أعشها، لكنني سمعتها، عاد في العاشرة بعد جولة زار خلالها ضريح سيدنا الحسين. إنه مرقد مقدس، نعم.. أنا أقدسه أيضا، حوالي الثانية بدأ يسعل كان شقيقي ينام في الغرفة المجاورة، ضابط مهندس، يستيقظ مبكرا، في البداية حاول ألا يحدث ضجة حتى لا يوقظ أخي، لكني عندما تزايد الأمر انتبه أخي، استيقظت أمي، وأختي، وأخي الأصغر، لم يكن سعالا عاديا، بل حشرجة. وعندما مثلوا حوله، تطلع اليهم، كان واعيا، منتبها خاطبهم قائلا: (سامحوني). أكف، أدرك في هذه اللحظة، الآن بعد ستة عشر عاما أن الحبيب القريب، المغترب الآن، رحل نتيجة أزمة قلبية، كثيرا ما رددت شكري لرحمة ربي به، لم يستغرق إحتضاره إلا ثوان معدودات، كان انتقاله يسيرا، فلم يعرف الشيخوخة المعطلة، أو التقدم في العمر المؤدي إلى العجز، أن يصير المرء عبئا على الأقربين، كثيرا ما تمنيت نهاية مشابهة، لم أنتظر هذه الآلام، تسأل. والأم رغم أنني لم أشهد اللحظات، إذ وصلت بعد فوات الأوان، إلا أن رؤيتي لآثار النزع، وافضائي بما وقع عليه بصري إلى طبيب صاحبي، بصرني بما جرى، قال إنها أزمة قلبية مفاجئة. (هل كانت ثمة أمراض).. بالنسبة لوالدي لا أعرف، كان جلدا، حمولا، يعتبر الذهاب إلى الطبيب ترفا، لكن أمي كانت تعالج من السكر والضغط المرتفع وتصلب الشرايين. اكتشفت السكر بعد خروجي من المعتقل. لا أعرف تاريخ ميلادها. في صعيد مصر، كانوا لا يبلغون عن المواليد أحيانا.. الإناث بالتحديد، لكن تقديري.. أنها من مواليد عام ثلاثة وعشرين. مجرد إحساس، ليس من دليل. نعم.. إحتمال أن يكون تاريخ مولدي غير مؤكد. لا. ربما مجرد أيام. ربما لست متأكدا.. نعم، الصداع النصفي، أظن أنني ولدت به، أقدم آلامي، تسبقه ظهور نقطة بيضاء. أقدم نوبة ترتبط بطفولتي، ربما كان عمري خمس أو ست سنوات، كان الألم شديدا، بدأ بعد تلك النقاط شديدة اللمعان، تبدأ بنقطة نحيلة، في مواجهتي لكن لا موضع محدد لها، بعد لحظات تتصل بأخرى، تتسع لتصبح بقعا من ضوء فتاك يحجب عني الرؤية، شيئا فشيئا يبدأ في الإنحسار بينما يسري الألم، يثقلني يهدني هدا.. نعم، نعم.. صحبتني جدتي إلى المقدس قيصو في حارة النصارى، كان تاجرا للأقمشة، لكن عرف عنه قدرته على مداواة الأوجاع والآلام، أصغى إلى ما قالته جدتي نيابة عني، وصفها لما تراه مني، وضع يده على جبيني. ثم تلا تعاويذ وتمائم، قام إلى غرفة داخلية عاد منها بعجينة من البن على طبق صغير مسطح، سواها مرتين قبل أن يلصقها بجبيني. وطلب ألا أفتح عيني ألا بعد زوال الألم. كثير، أحيانا بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، لكن انقطع لمدة عشر سنوات بعد بلوغي الثلاثين ربما أكثر، في السنوات الأخيرة يعود على فترات متباعدة، الألم أشد، لا تستغرق النوبة إلا ثلاث أو أربع ساعات، لكن يظل دماغي مثقلا لأيام. لم أعرف أنني مصاب بضيق وإرتجاع في الصمام الميترالي إلا صدفة، كان ذلك عام ثلاثة وسبعين، شعرت بإعياء لا أذكر سببه، الطبيب كان حاذقا، اصغى عبر السماعة، سألني عما إذا كنت أصبت بالحمى الروماتيزمية قلت انني لا أعرف. لم أكن أعرف فعلا. أظن جرى ذلك عام ستة وخمسين، ما يشبه الإبر زرعت صدري، طبيب المدرسة أمر بصرف حبوب حمراء، سلسلات، لكنني رقدت في البيت حوالي أربعة أيام، ما اذكره آلام صدري. لا. لم اذهب إلى مستشفى، مجرد التفكير في اللجوء إلى الطبيب كان نادرا. بدأت الآلام منذ شهرين ونصف. عكمة يليها إنتشار حرقان في صدري، عولجت أولا على أنه ثقب في الحجاب الحاجز. عادي أول أنثى عرفتها بعد الثانية والعشرين بالتحديد في الثالثة والعشرين نعم، دخنت النرجيلة والسيجار، حوالي ربع قرن، لا.. ثلاثين عاما. ربما أكثر قليلا، توقفت بعد ظهور العكمة. لا أشرب. لا النبيذ ولا البيرة. أنام يوميا حوالي خمس أوست ساعات. استيقظ مجهدا لأنني أنام متأخرا أذهب إلى مكتبي، أعود إلى البيت لابد من إغفاءة بعد تناول الغداء، أقوم لابدأ يومي الخاص، أقرأ أكتب.. لا.. أحيانا أمشى، لكنني في السنين الأخيرة بعد أن خصصوا لي عربة لم أعد أمشى تقريبا. أحيانا.. إن ضغط اليوم شديد.. أقابل زوارا كثيرين، أتحدث طويلا، الكلام يرهقني جدتي ؟ كانت مريضة بالسكر.. اكتشفنا مرض أمي بالسكر عام سبعة وستين لا.. لم يغم علي قط، لم أفقد وعيي.. بعد صعودي حوالي ست أو سبع درجات.. لم أشعر بشيء من هذا.. اثنان، محمد في العشرين، وماجدة في السادسة عشرة..