قصة «قصر الشعب» او ما يسمى الآن بمقر البرلمان في العاصمة الرومانية بوخارست الذي يبدو كما لو كان جزءا من روايات الخيال حقيقة تشهد لها الابداعات المنتشرة في كل ركن من اركانه والشعب الذي لا يزال يختزن، في ذاكرته المعاناة والاضطهاد والاذلال الذي كان يمارسه الدكتاتور الذي غربت شمسه نيكولاي شاوسيسكو ضد شعبه ووطنه، ومن الصعب على زائر القصر وضع حسابات رقمية في ذهنه توضح حقائقه المعمارية الرائعة، وذلك بسبب المساحة الواسعة بين الديمقراطية والديكتاتورية التي عاشها القصر منذ البدء في تشييده عام 1948 وحتى الآن والذي يجسد مرحلتين هامتين من تاريخ رومانيا الحديث، حتى انه اعتبر بعد سنوات التضحيات العديدة مادة خصبة لابداع المفكرين والآدباء وحتى السياسيين الموالين للحكومة والمعارضين ايضا الذي يعتقدون بأن اساسات البناء ابتلعت عشرات الملايين من اللي «العملة الرومانية» وجهود عشرات الآلاف من العمال. وعلى الرغم من المزايا الابداعية للبناء الا انه لا يزال يعيش في مخيلة الشعب الروماني باعتباره الوكر الديكتاتوري والمكان الذي صادر حقوق وحريات الابرياء والفقراء، مما ادى بطبيعة الحال الى انقسام رجل الشارع الروماني حول مصير القصر بعد اكتماله، فهناك من يرى ضرورة هدم البناء والتخلص من ذكرياته المؤلمة التي اصابت الاغلبية الساحقة من الشعب الروماني فيما يرى الاتجاه الآخر تحويله الى متحف رمزي للشيوعية حفاظا على انجازات البلاد العمرانية، الا ان هناك رأيا ثالثا يجد تأييدا رسميا وذلك بتحويله الى مقر للبرلمان على اعتبار انه ميراث حقيقي للشعب ومن هنا جاءت تسميته بقصر الشعب عام 1994 واصبح مركزا لعقد المؤتمرات والندوات ونشاط منتدى كرانس مونتانا السويسري والندوات الدراسية اضافة الى المناقشات القانونية الرومانية والاجنبية، والآن يعتبر هذا البناء الرائع نموذجا للديمقراطية في رومانيا والذي يمكن مشاهدته من اي مكان في العاصمة بوخارست، حيث اصبح الآن مفتوحا للاشخاص الذين كان محظورا عليهم الدخول اليه خلال الحقبة الشيوعية. ولم يحقق الرئيس الروماني السابق نيكولاي شاوشيسكو حلمه التاريخي في اقامة مقره الحكومي وتدوين انجازه الرائع في موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية بسبب خلعه في اطار ثورة شعبية في ديسمبر 1989 بعد ان كان مقررا يوم 23 اغسطس 1990 لافتتاح ما كان يطلق عليه اسم «قصر الشعب» الذي انجز منه 86% فقط قبل رحيله فيما اكتمل الباقي في عام 1994 بعد استقرار الاوضاع السياسية. والحقيقة التي لابد ان تظل راسخة في الاذهان هي ان البناء يعتبر تحفة معمارية متميزة ويستخدم كمقر للبرلمان الروماني ويوصف بالعملاق الذي بني في العصر الذهبي من النظام الدكتاتوري. ويعتبر قصر الشعب الروماني الذي حولته السلطات الرومانية الى مقر للبرلمان بعد ان كان مقرا رئيسيا للشيوعية، ثاني اضخم بناء في العالم بعد مبنى البنتاجون الامريكي واكبر من قصر فرساي الفرنسي الشهير بنحو 5 مرات وحجمه يبلغ ضعفي اهرامات المكسيك، ويمثل اضخم بناية ادارية في القارة الاوروبية بمساحة تقدر بـ 265 ألف متر مربع وثالث اضخم قصر في العالم بعد مركز كيب كارنفال في امريكا. كما انه علامة معمارية بارزة تمتد على مساحة 330 ألف متر مربع، وعمل به اكثر من 33 ألف عامل اشتغلوا في 3 نوبات عمل طوال ايام الاسبوع دون راحة او تقاعس بسبب الاشراف الدقيق الذي كان يمارسه شاوسيسكو عليهم. ويتكون البناء من 11 طابقا فوق الارض و12 طابقا تحتها اقيمت تحسبا من هجوم نووي معاد فيما يقول اخرون انه يتكون من حاملة طائرات اشرف على بنائه شاوسيسكو نفسه بعد ان اشار الى منطقة على الخارطة تقدر بـ آلاف من الهكتارات وقال مشيرا بإصبعه «هنا سوف اقيم مقر الحكومة التاريخي وليس مجرد مكان لاقامتي وعائلتي»، اي انه حول المكان الذي كان عبارة عن تلة كبيرة شهدت معركة تاريخية ضد الاتراك الى بناء ذي مواصفات عالمية متميزة وكان هناك نفق يربط موقف السيارات تحت الارض بالجزء الرئيسي من البناء، وبعد ان عمل العمال ليل نهار ومع قرب الانتهاء جاء شاوسيسكو فلم يروق له لون البلاط وأمر بتغييره فورا خلال 24 ساعة حيث تم تركيب آخر بلون اخضر بدلا من الابيض، ولكن عندما رأى البلاط الاخضر قال للمهندس «فعلا انكم على حق في ان يكون البلاط باللون الازرق» وامرهم بتغييره ايضا. وفي القصر مجموعة من القاعات ذات الجدران المنحوتة بشكل رائع والمزينة بماء الذهب والسقوف العاكسة للضوء اضافة الى اقمشة الستائر التي قلما تجدها الآن وكذلك السجاد الفاخر المصنوع يدويا والرخام الذي يبعث انعكاساته من الطوابق والاعمدة والجدران. ليس هذا فحسب بل هناك الابداع الضوئي في شعاع الثريات ذات الاشكال الدائرية المدهشة وعمل بالبناء اكثر من 700 مهندس معماري لبناء 6000 غرفة تتراوح بين 30 عملاقة وصالات بعدد 440 للاجتماعات ومكاتب للاستراحة التي تضم احدها طاولة تتسع لنحو 60 كرسيا. كما استخدم في تشييد هذا القصر نحو 550 الف طن من الاسمنت، 2 مليون طن من الرمل، 700 ألف طن من الحديد، الف طن من صخور البازلت، 900 ألف متر مكعب من اخشاب الغابات الرومانية النادرة ذات النوعية الجيدة، مليون متر مكعب من الرخام، 200 ألف متر مكعب من الزجاج، 5 كيلوجرامات من ورق الذهب عيار 14، 3500 طن من الكريستال والجلود، 2800 قطعة من السجاد النادر تغطي مساحة 220 الف متر مربع، 2500 ثرية الاكبر تحتوي على اكثر من ألف لمبة اما المكيفات فجاءت من ألمانيا الا انها وصلت متأخرة مما دفع العمال لوضع الصخور على فتحات المكيفات الى حين وصولها، وبعد الوصول اضطروا لحفر الصخور من جديد لوضع المكيفات مما تسبب في تلوث البناء والعاصمة لفترات طويلة بالغبار والاتربة التي ازعجت المقيمين حول القصر بشكل اساسي إلا انهم لم يستطيعوا الاعتراض على ذلك بسبب ما كانت تمارسه السلطات الحكومية من اجراءات قمعية ضد السكان. عرفات وبيريز كانا هناك ومن الابداعات التي يضمها القصر صالة «الكسندر لوان كوزا» سميت بعد الحاكم الاول لرومانيا وتمتد لتغطي اكثر من 2000 متر مربع بسقف يرتفع 18 متراً مزينا بنقوش رائعة من الذهب معظمها قطع متساوية، وهناك قاعدة الوحدة التي تتميز بالروعة والرخام الابيض المقوس في شكل اعمدة من روسيا، وتم افتتاحها في الذكرى الخامسة لانطلاقة ثورة 1989 وتتزين ايضا بالنقوش والالومنيوم الذي يغطي السقف اضافة الى 14 طنا من السجاد الفاخر في الطابق الاول، وتوجد ايضا قاعة «نيكولاي شاوسيسكو» وتعود محتوياتها الى عام 1848 فيما تجسد صالة «براتيانو» التي تغطي مساحة 1260 متراً عصر النهضة وتقع في الطابق الارضي من القصر، اما صالة «حقوق الانسان» وارتفاع جدرانها يصل الى 30 قدما وتغطي مساحة 625 متراً وبها طاولة اجتماعات وهناك قاعة اخرى من قصر البرلمان مخصصة للمؤرخ الروماني نيكولاي ايوجرا، وقد خصصت للاجتماعات الرسمية، وهو دبلوماسي وخطيب شهير، وقد استضاف القصر في ربيع عام 1994 منتدى كرانس مونتانا وهو اجتماع هام واللقاء الثاني بين رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي شميون بيريز ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات وبمحاذاة ذلك، هناك مركز عالمي للمؤتمرات يستطيع استئجاره المؤسسات الرومانية والاجنبية على حد سواء حيث يشهد نشاطات مختلفة مثل المؤتمرات العامة، عروض الازياء والمعارض وذلك بتسهيلات كبيرة مثل وجود الترجمة الفورية بـ 8 لغات حية، محطات تلفزيونية، الانترنت، جمع الخدمات التقليدية للمؤتمرات الصحفية ويضم القصر ايضا مئات الاستديوهات وعشرات مكاتب الاستعلامات والمؤتمرات ويضم قاعتين ضخمتين بطول 150 متراً وارتفاع 18 متراً و480 غرفة ضخمة جدا في الطابق الثاني