الحياة الزوجية مليئة بالمواقف والأمور التي تستدعي وقفة ولو لبرهة عندها، لذا لا نستغرب اهتمام المختصين والمثقفين بتلك الحياة التي تبدأ بفردين يشكلان النواة التي عندما تنقسم فإنها تنتج أفرادا يشكلون في مجملهم عائلة، ولعل النقطة التي نلاحظها في كثير من الاحيان انقطاع صلة المرأة بصديقاتها عقب الزواج وكذلك قد يكون حال الرجل، او في افضل حالاتها فإنها تضعف وتتباعد الفترات الزمنية ما بين لقاء الاصدقاء، ومن هنا جاءتنا فكرة هذا التحقيق الذي نسلط الضوء من خلاله على ابرز الاسباب التي بموجبها تقطع المرأة الصلة بصديقاتها لتحتل في مخيلتها صورة الذكريات فحسب، وبما ان الحياة الزوجية هي حياة مشتركة بين المرأة والرجل، فإننا توجهنا بالسؤال ذاته الى الرجل كي نتمكن من الموازنة بين طرفي المعادلة. بداية يقول الموظف راشد عبدالعزيز ان مسألة الابتعاد عن الاصدقاء او الصديقات ليست حتمية ولا ضرورية عما قد يتصور البعض، لانه طالما ان شخصية المرء اجتماعية فإنه من غير الممكن ان يغير هذا السلوك سواء قبل او بعد الزواج او حتى بعد انجاب الاطفال، وخاصة لو كانت علاقة الزوج او الزوجة بالمجتمع علاقة قوية تعتمد على الاصدقاء ولكن مما هو ملاحظ حقاً ان علاقة الزوجين بأصدقائهما قد تتراجع قليلا خلال السنة الاولى من الزواج نظرا لحداثة علاقتهما ببعضهما ولرغبة كليهما في البقاء في اطول شهر عسل ممكن ومع ذلك فإنه بمرور الوقت نجد ان الزوجين قد اطمأنا على علاقتهما وبالتالي فإنه مشاغلهما قد تتزايد بعد السنة الاولى وهنا يعود الزوجان الى علاقتهما الطبيعية مع اصدقائهما القدامى، ولكن يظل هنالك عدد من الخطوط الحمراء التي يجب اخذها بعين الاعتبار والتي اذا ما تجاوزتها الزوجة فإن الزوج لابد وان يطلب منها الابتعاد فورا عن صديقتها عند الشعور بالخطر من الخروج المتكرر او ملاحظة تحكم الصديقة او انها قد تتدخل في حياة صديقتها المتزوجة بشكل ملفت فعندها من الطبيعي ان يطلب الزوج من زوجته قطع كل صلة لها بتلك الصديقة حفاظا عليها اولا وعلى عش الزوجية الذي يعيشان فيه. حق الصداقة وحسبما يقول بيتر فإن ابقاء علاقة الصداقة هو حق من حقوق المرأة ومن غير المستحب أن يجبرها الرجل على نسيان صديقات الماضي مهما كانت الأسباب، لانه من البديهي أن تنشغل المرأة تلقائيا عن صديقاتها حسب مسئوليات الزوج والأبناء وادارة الشئون المنزلية، لانه كيف يحق لي كزوج أن أطلب من زوجتي قطع علاقاتها بينما أنا لا أزال أحتفظ بأصدقائي القدامى، وعلى العموم فإن مسألة الابقاء على الصداقات من عدمها يعتمد وبشكل كبير على مقدار وقت الفراغ الذي يمتلكه الطرفان، كما ان الحياة الزوجية شراكة في كل شيء حتى في حق الاحتفاظ بالاصدقاء، وعلى المرء أو الزوج خصوصا ألا يكون أنانيا في تعامله مع شريكة حياته بحيث يمنع عنها ما يتمتع هو به وعليه كذلك ان يقدر مدى الجهد الذي تبذله الزوجة في سبيل الحفاظ على بيتها فمتى ما أدرك الزوج هذه النقلة فإنه لابد وأن يسمح لها بفسحة من الوقت من خلال زيارة الصديقات والخروج معهن، لكي تنفس عن نفسها. أما صالح محمد صالح ـ موظف ـ فيرى ان من ضمن الاسباب التي قد تدفع الزوجين للابتعاد عن أصدقائهما هي الانشغال بالحياة والمسئوليات الجديدة والمتجددة، خاصة في ظل وجود أبناء وما يتطلبه هذا الأمر من تواجد كلا الزوجين في المنزل كي يتمكنا معا من تربية أبنائهما معا بالصورة الصحيحة، وبطبيعة الحال فإن هذا الانشغال يولد في حد ذاته ابتعادا عن أيام العزوبية التي كان من خلالها الرجل يخرج وقتما أراد، هذا بالنسبة للرجل على حد الخصوص أما فيما يتعلق بالمرأة فإن الزوج قد يكون سببا في ابتعادها عن صديقاتها خاصة لو انها كانت تذهب لأماكن لا يحبذها الزوج أو إذا ما لاحظ الزوج سلوكا مشينا باحدى صديقات زوجته فإنه لابد وأن يطلب منها الابتعاد عن صديقة السوء تلك لأن الناس قد يقذفوها بما ليس بها بمجرد أنها صديقة «فلانة»، وبالتالي ستقل هيبة الزوج في أعين أفراد المجتمع، فالمرأة حين تكون في ذمة زوج محافظ يجب عليها احترامه وعدم السماح لأحد أيا كان بأن يمسها بكلمة، لذا وجب عليها الابتعاد عن أية صديقة تبدر منها تصرفات لا تليق بها كزوجة وامرأة. سذاجة مرفوضة بينما تقول سوسن سامح ـ موظفة ـ أعتقد ان قطع علاقة الصداقة بعد الزواج أمر غير صحيح، خاصة لو كانت المرأة موظفة فعندما قد تتوطد الصداقة، ونادرا ما أسمع عن امرأة تزوجت وحدث لها ذلك بل في أصعب الظروف ان الاخبار قد تنقطع لبرهة من الزمن نتيجة الانشغال بالمسئوليات الجديدة لتعود المياه الى مجاريها بعد فترة، أو ان السبب قد يعود للزوجة نفسها وحسب طبيعتها الاجتماعية ونوعية علاقاتها، وحسبما أتصور ان الزوجة قد تلجأ الى قطع كل صداقاتها أو أغلبها اذا ما لاحظت تصرفات غريبة خارجة عن حدود المسموح به في علاقة تلك الصديقة بزوج صديقتها، فالكثير من الحوادث تقع نتيجة اقحام الصديقة في الحياة الزوجية بحيث يصبح الزوج يرى تلك المرأة أمامه دوما، ولكم أن تتخيلوا مدى ما يسببه ذلك من ويلات للعوائل خاصة لو كان الزوج من النوع اللعوب أو الذي يقارن زوجته دوما بأخريات، وهنا تأتي حنكة الزوجة وادراكها لجميع العواقب قبل وقوعها، فمتى ما أدركت ذلك فإنها لابد وأن تعمل على وجود خطوط حمراء في علاقتها بصديقاتها حتى لا تخسر زوجها وبيتها، والمطلوب من الزوجة دائما ألا تكون ساذجة إلى حد اللامعقول بل عليها أن تحسب حسابا لكل شيء. احساس خاص وكذلك تؤكد عهود عبدالله ـ ربة منزل ـ ان الحياة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من السرية التامة في كل ما يتعلق بالشئون الخاصة بالزوجين، ويجب ألا يعلم بها أحد من أقرب المقربات للزوجة وأعز صديقاتها، فمتى ما أدركت الزوجة هذه النقطة فإنها لابد وأن تحيا حياة هنيئة مع زوجها حتى في ظل الاحتفاظ بصديقاتها، وبالتالي فإنه مع استمرارية الصداقة إلا انها تظل مقننة بحيث ألا تسمح للصديقة بالتدخل أو الالحاح في السؤال عن احوال الزوج، والمرأة ـ بطبيعة الحال ـ تملك غريزة تساعدها على معرفة ما قد يدور من وراء ظهرها لذا فإن عليها اتباع هذه الغريزة الخاصة التي حباها الله تعالى، وهنالك نقطة هامة يجب ذكرها وهي اهمية ألا تتحدث الزوجة عن خصائل صديقاتها أمام الزوج لان هذا سيجعلها محل مقارنة، بل عليها ان تضع بعين اعتبارها ان البيت للزوج وحسب ومن المفروض عدم اقحام احد فيه حتى لو كان بمجرد الكلمات، وفيما يتعلق بوجود ازواج يطلبون من زوجاتهم قطع صداقاتهم السابقة فأنا أعتقد ان الأمر برمته يرجع الى طبيعة الزوج، حيث نسمع عن أزواج غيورين تصل بهم حالة الغيرة الى حدود قد لا يتصورها عقل، وهنا على الزوجة ان تحاول التخفيف من حدة علاقتها بصديقاتها وان توازن بين علاقة الصداقة والعلاقة الزوجية وبالتالي فإنها قد تتمكن من اقناع الزوج باستمرارية صداقتها بمن حولها. غيرة الزوجة وفي السياق ذاته تتحدث رفيعة محمد هادي (طالبة) قائلة: تغلب عليّ صفة الغيرة، وهذا ما قد يدفعني الى قطع صداقاتي عقب الزواج، فأنا لا أتخيل ان أمشي بجوار زوجي أو ان أجلس معه بينما هو يحدثني عن احدى صديقاته، وفي المقابل لا أتصور مطلقا ان تسألني الصديقة عن أخبار زوجي وان غيرتي تلك ليست وليدة اللحظة بل هي نتيجة ما نقرأه في الصحف والمجلات عن صديقات سرقن أزواج صديقاتهن، بل انني في احدى المرات قرأت عن صديقة متزوجة سلبت زوج صديقتها وقلبه، وفيما يتعلق بالزوج فإنني أفضل ان يقسم وقته بالتساوي بين بيته واصدقائه، لأننا غالبا ما نرى أزواجا يقضون جل وقتهم مع اصدقائهم دون مراعاة لتلك الزوجة القابعة في المنزل والتي تنتظر زوجها حتى ساعة متأخرة مما يولد عنه مشاكل زوجية نتيجة تغيب الرجل عن بيته طوال الوقت وعدم مراعاته لاحتياجات الزوجة والابناء، وقد يستغرب رأيي في هذا الموضوع ولكن هذا ما يمليه علينا صوت العقل وهذا ما نسمع ونقرأ عنه في مختلف وسائل الإعلام، لذا فإن مسألة الاحتفاظ بالصداقة القديمة بعد الزواج هي مسألة حساسة جدا ينبغي أخذها على محمل الجد ليعيش الزوجان حياة سعيدة. واقع مرير وقد صادف ان التقينا خلال جولتنا بالسيدة أم علي (مطلقة) والتي تفاجأت بسؤالنا لها عن استمرارية علاقة الصداقة بعد الزواج من عدمها لتحكي لنا مأساتها، تقول: عشت مع زوجي قرابة خمس سنوات أثمرت طفلين، وكانت حياتهما سعيدة جدا الى ان جاء ذلك اليوم الذي عرّفت فيه زوجي على احدى صديقاتي القدامى والتي كنت اعتز بصداقتها كثيرا، و مع مرور الوقت توطدت تلك العلاقة دون ان أشعر، وأصبحت أعيش بينهما كالمغفلة حتى شعرت بأن صديقتي بدأت الابتعاد عني تدريجيا وكذلك كان حال زوجي الذي أصبح يتعود المبيت خارج المنزل لأيام طويلة وكثرت أسفاره وأهملني وأهمل ابناءه، وقد كنت صبورة لاعتقادي ان هذا مطلب من مطالب عمله وان المصلحة في النهاية لنا ولأبنائنا، حتى فوجئت في أحد الأيام بأنه طلقني دون سابق انذار، وحاولت البحث عنه لأعرف السبب، وإذا بي اكتشف ان تلك الصديقة قد طعنتني في ظهري، وان زوجي غدر بي وقد علمت انهما قد تزوجا منذ مدة، فعانيت كثيرا بسبب ما حدث لي وشعرت بمدى سذاجتي.. تلك السذاجة التي تسببت في هدم بيتي وسرقة زوجي مني من انسانة كنت أكن لها كل الحب والاحترام وكانت النتيجة في النهاية صفعة قوية لم أتصورها مطلقا. صداقة نادرة وعلى النقيض تتحدث هيفاء محمود (موظفة): من حسن حظي ان حباني الله تعالى بصديقة قلما يعثر عليها البعض، فهذه الصديقة كانت السبب في استمرارية علاقتي بزوجي بعد ان كانت على هوة الانهيار، وقد تمكنت بفعل نصائحها الحكيمة من ادارة الخلاف بشيء من العقلانية عقب ان كان صوت العاطفة هو المسيطر عليّ وعلى تصرفاتي، لذا فإنني أتصور ان الاحتفاظ ولو بصديقة واحدة هو أمر هام جدا، لأن تلك الصديقة تكون محايدة في الحكم على بعض التصرفات التي قد تصدر من أي من الزوجين، فالحياة الزوجية تصادفها العديد من المشاكل والخلافات التي تتطلب في بعض الاحيان تدخل شخص حكيم يقف على المشكلة بحياد شديد، وعن نفسي فإنني لا أحبذ تدخل الأهل في شئوني الخاصة، وأفضل عليه أخذ رأي الاصدقاء، وهكذا يفعل زوجي، وبفضل ما يطلعونا عليه من آراء نراها مناسبة استطعنا تجاوز العديد من التعقيدات والمطبات، وقد مر الآن على زواجي حوالي عشر سنوات وأنا أستقي النصائح من صديقتي التي يرجع تاريخ صداقتي بها الى أيام الطفولة، وقد استطعت اقناعها بالموافقة على الزواج من أعز أصدقاء زوجي، وهكذا فإننا نعيش كأفراد أسرة واحدة يحترم كل منا الآخر، ونتبادل الخبرات فيما بيننا، وهكذا يبدو واضحا ان رأيي في استمرارية صداقة الطفولة بالذات هو أمر ايجابي لو التزم كل شخص ولم يحاول تجاوزها. رابعة الزرعوني