في كل مساء صيفي بجنوب وسط تكساس، تتكشف الطبيعة عن أحد أعظم مشاهدها المثيرة، فمن المدخل الطويل الضيق لكهف براكن، بالقرب من مدينة سان انطونيو، يبدأ فيض من الخفافيش المكسيكية ذات الذيول الحرة بالخروج الى الهواء الطلق، قبل بضع ساعات من وقت الغروب. وعلى امتداد أكثر من ساعتين تغادر الخفافيش الكهف محلقة الى ارتفاعات أعلى فأعلى، مشكّلة سحابة قوامها عشرون مليون خفاش الى ان تغيب عن الأنظار في نهاية المطاف. وقد عكف العالمان جاري مكراكن وجون وستبروك، منذ سنوات، على مراقبة هذه الخفافيش ذات الأذيال الحرة وهي تبزغ من كهف «براكن» والكهوف المجاورة، وسيطرت عليهما تساؤلات عديدة: الى أين تذهب هذه الخفافيش؟ والى أي ارتفاع تصل في تحليقها؟ هل تتجه الى هناك للحصول على الغذاء، إذا كان الأمر كذلك فأي أنواع من الحشرات هي تلك التي تتغذى عليها. وقد اشتبه العالمان بأن الخفافيش ربما تذهب لتناول عشائها فوق منطقة «حديقة الشتاء» الزراعية. وهي عبارة عن مئات الألوف من الفدادين المزروعة بالذرة والقطن والخضر بجنوب غربي سان انطونيو. وتغزو تلك الحقول مليارات الحشرات التي يتسبب العديد منها بأضرار بالغة للمحاصيل الزراعية، وأخيرا قرر العلماء ان يروا ما يحدث بأنفسهم، وذلك بأن يحلقوا جنبا الى جنب مع الخفافيش. وفي ربيع 1995 علم الباحثان بوجود طريقة أخرى للاطلاع على أسرار الطلعات الليلية للخفافيش، وهي عبارة عن جهاز تنصّت بصري على بعد 19 ميلا فقط من كهف براكن، حيث بنت ادارة الطقس الوطنية في ذلك المكان بمنطقة «نيو براونفلز» مركز ارصاد يضم رادارا من طراز «دوبلر». يتتبع رادار دوبلر الأجسام المتحركة مثل قطرات المطر في الغلاف الجوي عن طريق قياس سعة وتغير تردد موجات الطاقة المغناطيسية المرتدة الى الرادار من تلك الأجسام. لكن الرادار لا يميز بين الخفافيش وحبات البرد. وبالنسبة له فإن ملايين الخفافيش المنبثقة في كهوفها تبدو مثل عاصفة كبيرة، تبدأ من نقطة أرضية، وتنتشر بسرعة الى الأعلى فوق الأراضي المجاورة. وسرعان ما ذاع بين باحثي الخفافيش ان الرادار الجديد يرصد مستعمرات الخفافيش بدقة مثيرة، وتناهى الى مسامع مكراكن وستبروك ان جيم وارد مدير العمليات في مرصد «نيو براونفلز» سجل مشاهدات رادارية لخفافيش تحلق على ارتفاعات تصل الى 10 آلاف قدم. هكذا بالتنسيق مع مرلين توتل، مدير الحملة الدولية لحماية الخفافيش في مدينة أوستن بولاية تكساس اضطلع الباحثان بمهمة القيام بمشروع للكشف عن كيفية تفاعل الخفافيش مع الحشرات في الهواء. يشترك في الطلعات الليلية للخفافيش في الربيع حوالي 100 مليون خفافش مكسيكي تخرج من حوالي 12 كهفا في جنوب وسط ولاية تكساس. وربما يعيش 50 مليون خفاش آخر في كهوف أوكلاهوما ونيومكسيكو وأريزونا. وهذه المستعمرات عبارة عن تجمعات ضخمة لاناث تهاجر الى جنوب غربي الولايات المتحدة في كل ربيع من الأراضي الشتوية في المكسيك. وفي شهر يونيو تضع كل انثى مولودا واحدا، وهي تغادر الكهف مرتين كل ليلة لتتغذى وتعود لترضع صغارها. لكن بحلول شهر يوليو تكون الفراخ قد كبرت بما يكفي لقيامها بالصيد مع امهاتها، وهذا ما يضاعف عدد الخفافيش التي تحلق منطلقة من الكهوف. ولكي تغذي نفسها وصغيرها الناشيء، يتعين على الانثى ان تأكل ما يعادل ثلثي وزنها كل ليلة، ومع ان وزن الخفاش لا يتجاوز 20 جراما، فإن الحسابات تشير الى انه يمكن لمليون خفاش ان تلتهم حوالي عشرة أطنان من الحشرات كل ليلة. وهذا يعني ان المئة مليون خفاش مكسيكي في جنوب وسط تكساس تلتهم نحو ألف طن من الحشرات كل ليلة. لكن الخفافيش في الأمكنة الأخرى تطارد الحشرات في مستوى قريب من سطح الأرض، فلماذا تحلق هذه الخفافيش على ارتفاعات تصل الى 10 آلاف قدم؟.. هل هذا هو المستوى الذي تعثر فيه الخفافيش على مليارات الحشرات اللازمة لتغذيتها؟ مرة أخرى قدم رادار دوبلر مفاتيح للاجابة عن هذه الأسئلة، وذلك برصد مليارات الحشرات التي تحلق بحشود كبيرة على ارتفاعات عالية فوق تكساس، وقد استخدم الباحثون في وزارة الزراعة الامريكية الرادار لمسح نماذج الطيران لبعض أكثر الحشرات الزراعية تخريبا في أمريكا الشمالية بما في ذلك حشرات الذرة وحشرات التبغ التي تكلف المزارعين الأمريكيين حوالي مليار دولار سنويا. ولمعرفة ما يحدث بدقة على تلك الارتفاعات العالية، قرر الباحثان الامريكيان ان يحلقا بنفسيهما الى هناك وانطلقا بمنطاد حراري إلى أجواء تكساس، حيث استطاعا بواسطة لواقط لاسلكية خاصة الاستماع الى لواقط الصيحات التي تطلقها الخفافيش وهي تطارد الحشرات. وأخيرا، تأكدت ظنونهم بشكل حاسم عندما قام طالب دراسات عليا في جامعة تنيسي بتحليل الحمض النووي «دي.ان.ايه» لبقايا حشرات استخلصت من براز الخفافيش، حيث ثبت بالدليل القاطع ان الخفافيش المكسيكية التي تغادر كهوف تكساس تتغذى على حشرات الذرة وحشرات التبغ. والآن يقوم مكراكن ووستبروك ومعهما عشرة علماء من الولايات المتحدة والمكسيك بمشروع أبحاث موسع لتحديد القيمة المالية للخفافيش عن طريق حساب الأضرار الاضافية التي كانت ستلحق بالمحاصيل الزراعية بدون هذه الحيوانات وحساب كميات المبيدات الحشرية الاضافية الى كان المزارعون سيحتاجونها لو لم يكن هناك خفافيش، وحتى قبل استكمال هذه الأبحاث، فمن الواضح ان على خبراء صيانة الموارد الطبيعية ان يبذلوا قصارى جهدهم لحماية خفافيشهم المكسيكية التي يعني فقدانها خسارة هائلة للاقتصاد الزراعي في تكساس. علي محمد