تعتبر سلسلة جبال هنجدوان الشاسعة التي تمتد وسط جنوبي الصين الملاذ الأخير في الصين للغابات العتيقة. وتشكل هذه السلسلة التي تمتد شمالا وجنوبا صلة الوصل، بين شرق التبت وأقاليم يونان وسيتزوان على مساحة تغطي 300 ألف ميل مربع. وبين هذه السلاسل تجري اربعة من اكبر انهار آسيا، هي يانجتسي وميكونج وسالوين واراوادي. وما تجمعه جبال هنجدوان من تداخل بين القمم الجبلية الشاهقة التي يصل ارتفاع بعضها الى 15 ألف قدم ووديان الانهار السحيقة التي ينخفض بعضها الى 10 آلاف قدم والمناخ الاستوائي المطير يعد مزيجا رائعا يسيطر عليه الاعتدال في الحرارة. وتعتبر هنجدوان موطنا لحوالي 50 نوعا من اشجار الصنوبريات، كما تنمو فيها فصائل نباتية عديدة جدا من اشجار القيقب والسنديان والخيزران وفصيلة الخلنجيات والليلك والازهار والورود البرية بين الاشجار دائمة الخضرة لتبدو مجتمعة وكأنها حدائق زرعت يدويا وفق تصميم من خبير حدائق. وفي تلك الاراضي اكتشفت قبل حوالي قرن من الآن واحدة من اجمل ازهار الحدائق، وهي النرجس الملكي. غير ان تلك الجبال برية، لا يد للانسان في زراعتها، ولا تزال اعماقها البيعدة عن البشر مرتعا لاخر ما تبقى من دببة الباندا الضخمة والباندا الحمراء والقرود الذهبية وفهود الثلج والماعز الازرق والكركي اسود العنق. لكن هذه الوفرة في اشكال الحياة البرية تراجعت في معظم انحاء هنجدوان ويعود هذا اساسا لعمليات تقطيع الاشجار وجمع الحطب والصيد من دون حسيب او رقيب. وعلى الرغم من القداسة التي تضفيها البوذية السائدة في المنطقة على الحياة البرية من اشجار وغيرها الا ان نشطاء الحفاظ على البيئة يقولون ان عشرة في المئة تقريبا من غابات هذه الجبال لا تزال موجودة فقط. هذا الواقع دفع بكين لاطلاق حملة كبيرة لحماية ما تبقى من هذه الثروة الطبيعية فبعد الفيضانات المدمرة التي اجتاحات الاراضي على ضفتي نهر يانجتسي والتي بررها المسئولون بالافراط في قطع الاشجار، فرضت الحكومة الصينية حظراً على قطع الاشجار لاغراض تجارية في كل منطقة هنجدوان. كما حظرت ايضا الصيد في عشرات من المحميات الطبيعية بهدف جذب السياحة الداخلية والخارجية اليها وبدأت تروج لحملة توعية بيئية اعتمدت اساسا على التوعية الشعبية وتأمل الحكومة من وراء الجهد المشترك الذي يجمع بين السياحة وقوانين الحظر والتوعية ان تقلب تحول التدهور البيئي وان تحفظ اغنى بقاع البلاد بالحياة البرية. يقول احد علماء البيئة المشرفين على هذه المشروعات ان الحكومة تريد ان يأتي السياح لمشاهدة هذه المناطق الرائعة وينفقوا المال فيها وهي تدرك ايضا انها حتى تتمكن من جذب حركة السياحة الى الجبال عليها ان تحمي الغابات والتنوع الحيوي، وان تحمي ايضا الثقافة التيبيتية الاصيلة. وتعتقد الحكومة ان السبيل الامثل لحماية هذه الجبال هو تحويل كل قرية وما يحيط بها من غابات ومروج خضراء وقمم جبال مكللة بالثلج الى حديقة وطنية يحميها القانون، لأن هذا وحده يمكن ان يقي الغابات من مناشير التجار، ويجعل من اهالي القرى عناصر فاعلة في حماية الطبيعة. يقول احد ابناء القرى التيبيتية قلبي وروحي معلقان بهذه الجبال وهذه الغابات انني مسرور جدا بأن يشاركنا الآخرون الحب لهذا الجمال... وحتى عام 1998 كان ابناء القرى يكسبون بعض الرزق من قطع الاشجار على نطاق ضيق ومن العمل لدى شركات تجار الاخشاب اما الآن فهم يأملون بأن تساهم السياحة في تعويضهم عن الاجور التي فقدوها منذ فرض الحظر على قطع الاشجار. على كل حال، فإن الاستثناء الوحيد عن هذا الخطر هو السماح لأهالي القرى بقطع اشجار لبناء بيوتهم وتسوير مزارعهم وحاجاتهم المنزلية فقط، حيث يقطعونها من خارج المناطق التي تضفي الاعراف عليها طابعا روحيا. وتكمن خطورة عدم التحرك العاجل لحماية هذا النظام الحيوي في ان التنوع الحيوي القائم فيه يحتاج الى دهور طويلة حتى يتطور ويتعافى. فخلال آخر عصر جليدي اي قبل حوالي 14 ألف سنة مضت كانت هنجدوان ملاذا للكثير من النباتات لانها تقع في الجنوب وبالتالي لم تقع تحت وطأة طبقات كثيفة من الجليد وكان بمقدور النباتات والحيوانات ان تنسحب الى هنجدوان لتنجو من الانقراض وتحصل على الفرصة لتطوير فصائل حية جديدة. واليوم وعلى بعد 200 ميل من جبل كاواجيبو وهو احد جبال هذه السلاسل تكثر الحافلات التي تحمل السياح الصينيين من كبريات مدن البلاد على الطرق السريعة. وقبل سنوات قليلة من الآن فقط كانت هذه الطرقات مشغولة بدلا من حافلات السياح بالآلاف من الشاحنات التي تنقل جذوع الاشجار لدرجة جعلتها تحتكر الطرقات لنفسها. يقول البروفيسور ين كايبو المختص بالبيئة من معهد سنجدو لعلوم الاحياء: «الآن لا يوجد على الطريق سوى سياح يتلوهم سياح». ويفضي احد اوسع الطرقات السريعة التي افتتحت حديثا في المنطقة الى واحد من اهم مواقع الجذب السياحي انه جبل جونجا الذي يرتفع 24790 قدما وهو اعلى قمة في هنجدوان وهناك تتجاور الحدائق الوطنية المحمية واحدة تلو الاخرى مثلما تتجاور الفنادق الفاخرة من فئة خمسة نجوم وحمامات المياه الساخنة الطبيعية وخطوط التلفريك وعند كل مدخل قرية تجد اللافتات واللوحات الاعلانية التي تمجد الخطط البيئية الصينية من مثل «اعيدوا للغابة الأراضي الزراعية!» او «انقذوا الغابة وانفعوا الاجيال المقبلة»