قلة من الفنانين يتمتعون بالموهبة والتنوع في مقدرتهم على تطويع مختلف انواع الوسائط والمواد في اعمالهم الفنية مثلما كان حال بيكاسو، والفنان التايواني تشين تشينج ـ جونج هو احد هؤلاء، فأعماله الفنية الشهيرة التي انتجها على مدى نصف القرن الماضي تتنوع بين اللوحات الزيتية واعمال الجص والالوان المائية والوان الباستيل والفحم وحتى الاعمال الطباعية والخشبية. ومثل كل الفنانين العظام الذين لايكشفون عن عبقريتهم في وقت مبكر من طفولتهم حيث يكتسبون الشهرة تدريجيا من خلال تكريس انفسهم لفنهم واجتهادهم وبعض الحظ، فان تشينج جونج الذي يعتبر اشهر الفنانين التايوانيين المعاصرين هو احد هؤلاء. ولد هذا الفنان عام 1934 لأب معلم في مدينة شانجموا وسط تايوان دون ان تظهر عليه اي علامات الموهبة الفنية في المدرسة على الرغم من انه يقول ان اقدم ذكرى له عن الرسم تعود الى سن الثالثة حينما قدم رسام الى منزل العائلة ليرسم لوحة لجده. كانت الحياة صعبة في ذلك الوقت في تايوان التي كانت مستعمرة يابانية وبالتالي هدفا للقصف الامريكي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وللهرب من قنابل الامريكان لجأت عائلة تشين للأرياف حيث يقول: «حينما اعود بالذاكرة للوراء اعتقد أن تلك المرحلة من حياتي كانت الملهم الذي دفعني للاهتمام بالفن التشكيلي. وبالتحديد اتذكر الحركة البطيئة لقرص الشمس البرتقالي عند الغروب فوق امتدادات الاراضي الزراعية الخضراء. وفي المساء كان النقيق المتواصل للضفادع يشق العتمة في السماء الباردة المضاءة بنور القمر مرصعة بالنجوم، فيما الامطار الغزيرة الصيفية المفاجئة وصوت الرعد الذي يصم الاذان ووميض البرق كلها جعلتني انتبه لالغاز هذا الكون واحب كل ماهو موجود في الريف. لكن تكريس حياته بالكامل للفن بدأ عام 1947 بعد دخوله المدرسة الثانوية. كانت الالوان المائية غالية الثمن حينها لهذا كان تشين مضطرا للاكتفاء باقلام الرصاص، واول لوحة مائية رسمها للمشاركة في مسابقة مدرسية كانت بالوان اعاره اياها زميل له في الصف. وفي آخر سنة في الثانوية وفيما كان كل زملائه يجدون في الدراسة للحصول على علامات تدخلهم الجامعة، امضى تشين جل وقته يقرأ الأدب ويرسم بالألوان المائية. وشأن الكثيرين اتخذ والداه موقف المعارضة له حينما قرر ان يجعل من الرسم كل حياته، فالحياة الاقتصادية للرسام في ذلك الوقت لم تكن شيئا يتمتع بالاستقرار ومن الناحية الاخلاقية ليست شيئا مشرفا. لكن الفتى استطاع ان يغير رأيهم حينما اثبت لهم ان مرتب مدرس الرسم هو نفسه مرتب مدرس الرياضيات او العلوم مثلا. بعد ذلك دخل تشين الجامعة الوطنية التايوانية التي كانت الوحيدة التي تتضمن كلية للفنون الجميلة، كما ان الدراسة فيها لم تكن مكلفة لان الحكومة اسقطت عن طلاب هذه الكلية كل الرسوم المالية شرط ان يوافقوا على التعليم في المدارس الحكومية بعد التخرج. ولم يتمكن تشين من دخول الكلية الا في عام 1955 بعد ان تمكن من اثبات مهاراته الاساسية في الرسم في امتحان القبول. بعد التخرج اسس تشين وبعض زملائه جمعية مايو للفنون والتي سميت باسم الشهر الذي اعلنت فيه، ويؤكد تشين على ان الهدف لم يكن ارساء تحولات جديدة او تحدي الفنانين التقليديين بل لتشجع التواصل والتميز المستمر بين افضل الخريجين. ومع ان الانطباع الذي ساد فور تشكيل الجمعية هو اننا سنتحول الى التجريدية فان غالبيتنا مازلنا نعتمد الالوان الزيتية حتى هذا اليوم. لكن بعض اعضاء الجمعية مثل ليو كوسونج اعلنوا الحرب على التقليدية وسعوا لتوظيف التقنيات الغربية في الرسم لاعادة تفسير الثقافة الصينية، ولم يبق تشين في الجمعية سوى الثلاث سنوات فقط، وكانت اعمال تشين التي عرضها ضمن نشاطات الجمعية طوال السنوات الثلاث مستمرة اساسا من الناس ومن المشاهد في مسقط رأسه. ولانه يستطيع الحديث باليابانية مضى تشين شأن الكثيرين الى طوكيو عام 1959 ليتابع دراسته وعن ذلك يقول: في ذلك الوقت كان بيرنارد بوفيه يمثل التيار السائد في الفنون واستطاع على اثره وخطوطه القوية ان تترك عندي اثرا كبيرا. وبعد محاولات وتجارب عديدة استطاع تشين ان يقدم عدة اعمال جريئة ومعاصرة تتضمن لوحة «العجوز» التي عرضت في معرض جمعية اتسوي للفنون في طوكيو عام 1961.وجرب تشيو التجريدية والاخلاقية ثم دخل كلية طوكيو الوطنية للفنون الجميلة والموسيقى واخذ يتعرف على تقنيات جديدة مثل استخدام النحاس والترميم والفسيفساء الرخامية وغيرها. ومن اهم لوحات تشين في تلك الفترة «وداعا للحزن». وبعد عودته لتايوان بدرجة الماجستير عام 1967 عاود الصراع للبحث عن هوية فنية شخصية فعاد للالوان الزيتية دون ان يتمكن من تحديد موضوعه المحدد، واول تجاربه في هذا الجهد لوحة «مشهد تحت اضواء الشارع» وهي اول لوحة ملغزة في تايوان، ثم «مشهد فانتازيا» التي تعتبر اول لوحة سريالية في البلاد ايضا. وكانت الحياة التايوانية هي الموضوع الذي استقر عليه اخيرا فقد انتج اكثر من مئة لوحة من الرسومات بالحبر والزيت ليرسم مشاهد من الحياة اليومية في شوارع تايوان. وحقق تشين شهرة واسعة خارج تايوان وخصوصا في اوروبا وتحديدا فرنسا حيث كانت اعماله تعرض بانتظام هناك مثل ساحة في مدينة قديمة عام 1993 وهذا ما اكسبه جوائز دولية مهمة مثل جائزة الصالون الفرنسي الدولي للفنون عام