مؤلف ديوان الحماسة هذا هو الشاعر العباسي الكبير حبيب بن أوس الطائي الذي ولد بقرية جاسم في حوران في جنوبي سوريا سنة 188ه، وتوفي بالموصل سنة 231 ه، كما تذكر معظم المصادر، وقد غلب عليه لقب «أبوتمام». نشأ أبوتمام نشأة فقيرة فتنقل في مدن الشام «دمشق وحمص» التي اتصل بشاعرها وشاعر الشام آنذاك «ديك الجن الحمصي» وعقد معه أواصر الصداقة ثم رحل الى مصر، ولازم المسجد الجامع بالفسطاط، يسقي الماء، ويلتهم بذهنه الوقاد ما يصل الى سمعه من حلقات العلم والأدب، إذ كانت المساجد آنذاك مركزا للأدب والعلم من كل فن. وقد عاد أبوتمام الى الشام بعد ان استكمل ثقافته، ونضجت شاعريته، فلبث مدة يمدح الولاة والأمراء حتى ذاع صيته، وطار شعره في الآفاق، فقدم الى العراق واتصل بالخليفة «المعتصم» فمدحه، وحظي عنده بمكانة عالية، كما نال عند الوزراء والأمراء والقواد، المكانة نفسها، حتى ان أحد الامراء ولاّه الموصل ليترك التكسب بالشعر، لكنه ما لبث أن توفي ودفن في الموصل. تزوج أبوتمام ورزق بأولاد، حفظ لنا الرواة منهم اسم ابنه «تمام» وقد كان شاعرنا ذا بديهة حاضرة مدهشة، وترك لنا الرواة في ذلك قصصا كثيرة، كما انه كان وفيا لاصدقائه، معينا لهم في حياتهم، ولهذا لم يدخر مالا، بل استمتع بما اكتسبه، فأنفقه، وأسرف في انفاقه، كما أسرف الممدوحون في هباتهم له وعطاياهم، إذ كان محبا للحياة مقبلا عليها. كما تميز أبوتمام بعبقرية شعرية قلّ أن يجود الزمان بمثلها، فقد نشأ نشأة عصامية تسندها ثقافة عجيبة وذكاء نادر وروح شعرية، فكان كتلة من التألق والابداع، وهو ككل عبقري قد أثار ضجة كبيرة حوله، فاختلف الناس في اصله ومولده ووفاته، كما اختلفوا في الاعجاب بشعره والانصراف عنه، واختلفوا في مكانته الأدبية حتى عدّه بعضهم أكبر الشعراء، بينما ترفع بعضهم عن ذكره. وتتلخص طريقة أبي تمام الشعرية في كلمة واحدة هي «البديع» ومعناه الجديد المبتكر، وكان يعني آنذاك: الاستعارة، الطباق، الجناس... والذي لم يكن جديدا على الأدب العربي، لكن أبا تمام صار هو حامل لوائه، فأصبح اليه ينسب وبه يعرف. وقد روى التبريزي في مقدمة «شرح الحماسة»: ان أبا تمام كان قد قصده عبدالله بن طاهر بخراسان فمدحه، ثم عاد يريد العراق، فلما كان بهمذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة، فأنزله وأكرمه، وأصبح ذات يوم قد وقع ثلج عظيم، قطع الطريق، فغمّ ذلك أبا تمام على حين سر مضيفه الذي قال لأبي تمام: وطّن نفسك على هذا المقام، فإن هذا الثلج لا ينحسر الا بعد زمان، وأحضر له خزانة كتب فطالعها أبوتمام واشتغل بها وصنّف «ديوان الحماسة». ويبدو ان الحماسة لقب غلب على هذه المختارات الرفيعة من الشعر لأن أبا تمام قسمها الى عشرة أبواب هي: الحماسة، المراثي، الأدب، النسيب، الهجاء، الاضياف، الصفات، الملح، خدمة النساء. فقد غلب لقب الحماسة وهو أول أبوابها عليها. ولقد حكّم أبوتمام ذوقه الفني وعلمه بالشعر في اختياره لشعراء الحماسة وأكثرهم من المقلين والمغمورين، فاختار لكل باب من أبواب حماسته أجود ما ارتضاه ذوقه، لكن كان يعمد احيانا الى تغيير بعض نصوص الشعر، ليستقيم له ربط بيت بآخر، أو ليستر عيبا ظاهرا في بيت شوهه لفظ غير ملائم. وهكذا فإن كثيرا من الأشعار قد تختلف روايتها عما أثبت في دواوين أصحابها، وهذه التهمة لم تغض من قدر حماسة أبي تمام لمكانته العالية وذوقه الرفيع وعلمه الكبير بالشعر حتى ان التبريزي يقول: قالوا ان أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره. وهذا ما دعا الأدباء الى ان يعنوا عناية صادقة بدراسة هذه المختارات وشرحها وتوضيح الغامض منها، وقد ورد كثير من المصنفات، ان هناك عشرين شرحا ونيف لحماسة أبي تمام وقد دفعت شهرة «الحماسة» كثيرين من الادباء الى النسج على منوالها، فاختاروا أشعارا على طريقة «أبي تمام» في الاختيار مع اختلاف في الذوق والترتيب والتقسيم، فكان في الأدب العربي هذه الحماسات التي صنعها «البحتري، ابن الشجري، أبوهلال العسكري... وغيرهم». ومما يجدر ذكره ان أقدم كتب الاختيار التي وصلتنا هي «المفضليات» التي صنعها «المفضل الضبي» وتبعه في ذلك «الاصمعي». إلا ان الفرق بين كتب الاختيارات هذه وبين الحماسة يتمثل في ان الأولى تجمع قصائد طويلة من عيون الشعر، لم ترتب، بينما جاءت الحماسة مرتبة مبوبة حسب معانيها وأغراضها. إعداد ـ محمد سطام الفهد