هذا الكتاب ـ التقرير يشترك فيه عدد من الباحثين العاملين في «معهد مراقبة حالة العالم» برئاسة كريستوفر فلافن والذي مقره مدينة واشنطن، وقد قدم له الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. يبحث المساهمون في انجاز هذا العمل ثمانية مواضيع محددة وفي أفق محدد ايضا هو قمة العالم التي ستشهدها مدينة جوهانسبيرج في جنوب افريقيا خلال شهر سبتمبر من عام 2002.. وهكذا يتعرضون من منظور مستقبلي لمسائل جوهرية يرتبط بها مصير الانسانية كلها الى حد كبير مثل ضرورة العمل من أجل بناء عالم أكثر أمناً وتأثير التغيرات المناخية على مستقبل العالم وجعل الزراعة في خدمة المصلحة العامة والحد من انتشار الغازات السامة والبحث في ايجاد توجهات دولية جديدة في ميدان السياحة واستشراف آفاق التطور الديموغرافي للعالم وبحث العلاقة بين الثروات والنزاعات، وأخيرا تحليل فكرة قيام حكومة عالمية. هذه العناوين العريضة التي تشكل مادة الكتاب ـ التقرير الخاص بـ «حالة العالم 2002» هي في الواقع برنامج العمل المطروح على قمة جوهانسبيرج المقبلة وذلك على ضوء ما كانت قد حققته القيم السابقة حول مصير العالم الذي نعيش فيه منذ قمة الأرض في «ريو» عام 1992. وهكذا منذ عشر سنوات خلت وحتى اليوم تتكرر القمم بين زعماء العالم من اجل البدء جديا في ايجاد اقتصاد عالمي يقوم على أساس المؤازرة بين مختلف مكونات المجتمع الانساني بعيدا عن النزاعات الفردية الأنانية السائدة اليوم والتي تتمثل نتيجتها الأولى والأساسية و«الخطيرة» في زيادة الشرخ والهوة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة.. لاسيما وان هؤلاء جميعا أغنياء العام وفقراءه، سيتحملون الآثار السلبية الكبيرة التي تترتب على التطور الصناعي وما ينتجه على صعيد تلوث البيئة بشكل خاص. ان مساهمات هذا الكتاب تحتوي على قدر كبير من الحس التعليمي والتربوي بقصد التنبه والتحذير من ضخامة المشاكل التي يواجهها الكوكب الذي نعيش فيه وايضا في أفق طرح الاسئلة المطلوبة من «قمة العالم» المقبلة في جوهانسبيرج ان تجيب عليها في ظل التعاون الكبير في توزيع الثروات العالمية، الأمر الذي يمكن ان تدل عليه بوضوح احصائية خاصة بالأوضاع المعيشية في عالم اليوم وحيث نجد ان حوالي 1.2 مليار من البشر يعيشون بأقل من دولار أمريكي واحد او ربما اقل من هذا يوميا. هذا ويؤكد كوفي عنان ان مقدمته لهذا الكتاب ـ التقرير بأنه يمكن، بل يتوجب، على القمة المقبلة ان تقدم بعض الاجابات المطروحة حول مسائل تنمية البلدان الفقيرة بحيث يخلق توازن جديد بين الاقتصاد العالمي والابعاد الاجتماعية لهذا الاقتصاد.. هذا لا سيما وان الزعماء الذين كانوا قد شاركوا في قمة الارض بـ «ريو دي جانيرو» عام 1992 كانوا قد التزموا بولوج مثل هذا السبيل الرامي الى تحرير اطفالنا وشبابنا من مخاطر الحياة في عالم يسوده القلق والتنازع على الثروات. اما المسئولية الاساسية فإنها تقع على كاهل الدول الصناعية الكبرى بالدرجة الاولى والتي عليها ان ترسم استراتيجيات مستقبلية تقوم على اساس الجهود الصادقة والمدعومة بالعمل من اجل الحد من الفقر في العالم. ويؤكد كريستوفر فلافن في هذا السياق بأن قمة جوهانسبيرج تشكل «فرصة نادرة امام زعماء العالم من اجل البحث عن مخارج لما يعاني منه البشر اليوم، لا سيما ونحن نبدأ قرناً جديداً». وتتمثل احدى النقاط الاساسية التي يعالجها المساهمون في هذا الكتاب في العلاقة بين نمط تطور الاقتصاد العالمي وبين مستقبل الارض ومنظوماتها الطبيعية وثرواتها الجوفية والسطحية وعلى اساس هذه العلاقة يتحدد، وربما الى درجة حاسمة، مستقبل البشرية كلها.. وعلى أساس هذه العلاقة ايضاً أراد المساهمون في هذا الكتاب وضع نوع من «خطة العمل» المطلوبة في قمة 2002 بجنوب افريقيا، وذلك على ضوء ما تم قطعه منذ قمة «ريودي جانيرو» عام 1992 وتجدر الاشارة هنا الى ان «القراءة المستقبلية» التي تخصها التحليلات المقدمة أن تتم في منظور العقدين المقبلين وحيث يتفق الجميع على ان هذين العقدين سيكونان حاسمين تماماً في المسيرة التطورية الانسانية وآفاقها لانهما «مرشحان» للعديد من التبدلات الجوهرية على صعيد العلاقة بين الاقتصاد والارض ومواردها من مياه صالحة للشرب وغاباتها وزراعتها، بكل الحالات يتفق الجميع ايضاً على ضرورة البدء في «مقاربة جديدة» للتنمية بحيث تأخذ في حسابها دعامتين اساسيتين لهذه التنمية وهما «الاستقرار والاستمرار» وقد تمثلت احدى الخطوات الأساسية في القيام بمثل هذه المقاربة الجديدة في الكتاب الذي نشره مؤخراً «ج.ر. مكفايل» تحت عنوان «شيء ما جديد تحت الشمس» والذي يستشهد به أغلبية المساهمين في هذا الكتاب الخاص بـ «حالة العالم 2002». ومن الملاحظ ايضاً ان المساهمين في هذا الكتاب يذكرون الاحداث التي شهدتها مدينة نيويورك في الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي وانهيار برجي مركز التجارة العالمي للتأكيد على انه من اكثر الامور الحاحاً اليوم على القادة والرؤساء المشاركين في «قمة العالم» في جنوب افريقيا خلال شهر سبتمبر المقبل انما يتمثل في البحث عن سبل خلق عالم أكثر امناً واستقراراً.. وذلك لأن الاعتماد على القوة وحدها لا يمكن ان يحقق الأمن.. وهذا هو احد الدروس الاساسية المستخلصة من اعتداءات 11 سبتمبر الماضي. كما يشرح «جاري جاردز» في مساهمته بهذا الكتاب والتي جعل محورها الاساسي التركيز على القول بان التحدي الكبير الذي تواجهه قمة جوهانسبرج القادمة انما يتمثل تحديدا في ارساء الاسس من اجل عالم «اكثر امنا» بالدرجة الأولى. وتبقى الاخطار على البيئة هي في مقدمة المسائل التي يؤكد عليها جميع المساهمين في هذا العمل ولا يتردد «جاري جاردز» في الحديث عن عملية «الضرب» التي تتعرض لها الطبيعة وحيث يشكل التغيير الذي يتعرض له المناخ احد أكثر النتائج المنذرة بالخطر كما يشرح «سيث دون» و«كريستوفر فلافن» في احدى مساهمات هذا العمل: انهما يؤكدان على ضرورة ان تعيد قمة جنوب افريقيا المقبلة النظر ب«اتفاق كيوتو» حول المناخ وذلك من زاوية دعوة الولايات المتحدة الامريكية للرجوع عن موقفها الرافض للالتزام ببنود ذلك الاتفاق. ان التصدي لمسألة التغيرات المناخية يتطلب ايضا مراجعة للسياسات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية وايضا وربما أولاً، مراجعة التوجهات السياسية للقوى الكبرى التي تساهم في القرارات الخاصة بمصير الانسانية ومستقبلها. ولعل احصائية صغيرة بصدد اثار الصناعة وتكنولوجياتها على الطبيعية تبين مدى التغير الذي أحدثته الثورة الصناعية على المناخ الأرضي.. وتؤكد هذه الاحصائية بأن نسبة غاز الفحم في الهواء قد ازدادت منذ عام 1750 وحتى اليوم بأكثر من 31%. وفي مواجهة مثل هذا الوضع لابد من صياغة «رؤية جديدة للتكنولوجيات والاقتصاد بكل قطاعاته» وبحيث تكون الخطوة الأولى العملية هي الحد من الغازات السامة «المنبعثة» من المصانع. ويتم التأكيد في هذا السياق بأنه و«بسبب غياب أي بديل له مصداقيته لاتفاق كيوتو ـ حول المناخ ـ فإن هذا الاتفاق يبقى بمثابة الطريق الأفضل لاستكمال العمل الدولي بخصوص التغيرات المناخية». ويؤكد «برنار هالوين» في مساهمته بهذا الكتاب بأنه من المطلوب أولا في أفق تأمين الاستقرار والامن المنشود في العالم إنما يتمثل في الشروع فورا بنوع من «ترشيد» الزراعة بأفق جعلها في «مصلحة الجميع». لكن اذا كانت الزراعة قادرة اليوم على انتاج ما يكفي لأكثر من سكان العالم ـ وهي تنتج ذلك بالفعل اليوم، فإن هذا لا يمنع واقع ان عدة ملايين من البشر يموتون جوعا في افريقيا وآسيا. وهذا يدل بوضوح على «الخلل الكبير في المنظومة الغذائية العالمية وحيث ان المزارعين يشكلون في الواقع المجموعات الأكثر فقرا في العالم»، حسب تعبير الكاتب الذي يضيف بأن هذا يستدعي بالضرورة اعادة النظر في «برامج التنمية الريفية» «وخاصة فيما يتعلق بدور المرأة في هذه البرامج، كما يستدعي ايضا اعادة النظر في «طبيعة الزراعة» نفسها وفي منطق «سوق التغذية العالمي» وقواعده في اطار اقتصاد السوق. باختصار يحاول المساهمون في هذا الكتاب تحديد الاولويات التي ينبغي على «قمة جوهانسبيرج» التي ستتم خلال شهر سبتمبر المقبل 2002 وحيث يعتبرون بان التصدي لكل هذه الاولويات يشكل الخطوة الاولى من اجل بناء عالم اكثر امنا واستقرارا في المستقبل .. واذا كان اتخاذ القرارات المطلوبة مهما .. فان تنفيذها هو الاصل .. اذ لا يكفي اعلان النوايا الحسنة.