باسكال بروكنر هو باحث وروائي. سبق وقدّم له «بيان الكتب» عمله الذي يحمل عنوان: «السعادة الدائمة». وكان كتابه «اغراء البراءة» قد نال جائزة الـ «ميديسيز» للدراسات عام 1995. ونالت روايته «سارقو الجمال» جائزة «رونودو» الادبية لعام 1997. للمؤلف كتب عديدة اخرى من بينها «فوضى العشق الجديدة» و«الكآبة الديمقراطية» و«زفرة الانسان الابيض» وأكثر من عشرة اعمال روائية. «بؤس الازدهار» الذي نقدمه لقارئنا يكرسه مؤلفه لدراسة الوجه الانساني لنشاط استطاع ان يصمد بل وان يزدهر في وقت تندحر فيه الكثير من الايديولوجيات. حيث يقال عامة بانه اذا كانت بدايات القرن العشرين. تمثل فترة انتعاش الايديولوجيات بكل اشكالها ومشاربها فان نهاية القرن نفسه كانت فترة موتها. ان النشاط الذي يقصد المؤلف قدرته على مقاومة حقبة «الانهيارات، التي تعيشها الانسانية» انما هو الاقتصاد، وحيث ان العالم يعيش اليوم على ايقاع العولمة واقتصاد السوق والمنافسة والربح. اذا كان الاقتصاد قد استطاع «المقاومة» فانه قد فقد مع ذلك، الكثير من مواصفاته التي ان لم تكن موجودة في صميمه، فإنها على الأقل التصقت به. ان النشاط الاقتصادي لم يعد مجرد مشرب علمي جاف ونشاط ذهني تكتنفه البرودة وانما غدا بمثابة «عقيدة سلعية» لها طقوسها وقواعدها الصارمة، ولكنها لها ايضا «روحانيتها» بالوقت نفسه غدا السوق وقواعده بمثابة المحرك الرئيسي للتاريخ هذا المحرك هو المسئول ايضا بالوقت نفسه عن مختلف اشكال الفوضى التي يشهدها العالم الذي نعيش فيه. ما يؤكده المؤلف ان المطلوب ليس بأي شكل من الاشكال، هو الخروج من الرأسمالية وانما التحرر الى اكبر درجة ممكنة من سيطرة النزعة الاقتصادية ذلك لان مكمن الخطر الكبير لهذه النزعة يتمثل في الاسراف بتعظيمها وتبجيلها وزعمها بالتالي بانها هي التي تحرك المجتمع بأكمله.. على مثل هذه القاعدة يتحول البشر الى مجرد منتجين ومستهلكين واصحاب اسهم وسندات.. ولهذا يختار مؤلف الكتاب للقسم الثاني من الكتاب عنواناً عريضاً يناقش في اطاره ما يسميه بـ «النزعة التبشيرية التجارية الجديدة». اما القسم الاول من هذا الكتاب ـ مؤلف من قسمين ـ فعنوانه: «العدو المفيد». ان «باسكال بروكنر» يفتتح تحليلاته بالحديث عن رسم كاريكاتوري نشرته صحيفة «انترناشيونال هيرالد تريبيون» بعد سقوط جدار برلين مباشرة عام 1989. ويمثل هذا الرسم اثنين من اصحاب البنوك يرتديان معطفين سميكين من الصوف ويصادفان متسولاً يرتدي ثياباً مهترئة في منظر تغطية الثلوج. المصرفيان الثريان يصرخان: «لقد ربحنا».. في الواقع تم تقديم الرأسمالية بعد سقوط ذلك «الجدار» وكأنها «المنتصر المنتشي». ان الولايات المتحدة الامريكية واوروبا مثلت الطرف الرابح في مواجهة «الحرب الباردة» وحيث انه لم يعكر هذا الاطار سوى حرب الخليج وحرب كوسوفو، وغيرها من النزاعات التي قامت على انقاض يوغسلافيا السابقة. لكن «نشوة» الانتصار لم تدم طويلاً. ذلك ان اقتصاد السوق لم يعط الثمار المأمولة منه «اذ ترك على قارعة الطريق مئات الملايين من البشر». كما انه ظهر بالوقت نفسه، وهذا هو الاكثر خطورة، كمجرد الة لانتاج السلع ودون ان يكون لها اي هدف اخر سوى انتاج كميات اكبر فأكبر من هذه السلع. وكأن الاستهلاك قد ثبت بانه المثال النهائي للحضارة الغربية. وذلك بالتوازي مع تنامي النزعات الفردية والتركيز اكثر فأكثر حول الذات، الوجه الاخر لمثل هذه النزعة الفردية المتنامية هو العزوف اكثر فاكثر عن العمل السياسي العام. وذلك لان السياسة نفسها قد اصبحت نوعاً من «النشاط الملحق» بالتسيير الاقتصادي لـ «شركات» اسمتها فرنسا او المانيا او ايطاليا.. الخ وبالطبع يصبح الاهتمام بالقضايا العالمية الكبرى اكثر فأكثر هامشية. من هنا يغدو مفهوم الازدهار ذاته اقتصادياً حصراً ولا يراد له اصلا ان يشمل اية ميادين اخرى خاصة ذات الطابع الاجتماعي منها. ان ثمار التقدم ليست غير موزعة بشكل عادل فحسب وانما اصبحت «ثماراً مسمومة» بما يرافقها من «اسراف» و«تلوث». وعلى صعيد سوء توزيع ثمار العلم يقدم مؤلف هذا الكتاب وبمناسبات مختلفة عدداً من الاحصائيات ذات الدلالة الكبيرة. هكذا نجد مثلا ان 20% من سكان العالم الذين يفوق عددهم 6 مليارات نسمة انما لا يتوفر لديهم سوى اقل من دولار واحد للعيش يومياً كما ان طفلاً من كل اربعة اطفال في بلدان «الجنوب» يعاني من سوء التغذية. بالمقابل اذا كان من الصحيح القول بان تقدم مختلف التقنيات قد قلّص الى حد كبير من المجاعات وقهر العديد من الامراض وأطال متوسط العمر.. واذا كان من الصحيح ايضا القول بان الفقر قد تراجع خلال السنوات الخمسين الاخيرة من القرن العشرين اكثر مما كان قد تراجع الخمسمئة بل الخمسة الاف سنة الاخيرة.. اذا كان هذا كله صحيحاً فمن الصحيح ايضا ان دخل الفرد في القارة الافريقية قد انهار بدرجة كبيرة خلال الفترة نفسها كما تدل احصائيات المؤسسات والهيئات الرسمية المعنية.. وضمن الاطار نفسه تدل احصائيات البنك الدولي عن وجود 600 مليون نسمة من سكان العالم اليوم لا يحصلون على مأوى ثابت وانه اذا لم تتغير الاوضاع من الان وحتى عام فانه سيكون هناك اكثر من 1.4 مليار شخص لا يمتلكون المياه الصالحة للشرب مع افتقارهم للمتطلبات الاساسية الخاصة بالعناية الصحية. وعلى اساس الوقائع الاحصائية ايضا يتبيّن ان الاشخاص الـ 350 الاكثر ثراء في العالم اصبحوا يمتلكون في عام 1998 ثروات تزيد قيمتها عن مجموع الدخل السنوي لحوالي نصف سكان العالم. وايضا اذا كان اجمالي الانتاج الداخلي في بريطانيا قد ازداد منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي بنسبة 20% تقريباً فان عدد الفقراء النسبي ـ اي بالنسبة لمستوى المعيشة ـ قد ازداد بأكثر من مليون شخص. وكان العامل الامريكي قد فقد في نهاية عقد الثمانينيات الماضي ما كان قد كسبه خلال ثلاثين سنة من الازدهار ذلك ان «القدرة الشرائية لراتبه قد عادت الى المستوى الذي كانت عليه في مطلع عقد الستينيات». هذه الاحصائيات وكثير غيرها، تشكل مؤشرات على ما يسميه مؤلف هذا الكتاب بـ «بؤس الازدهار». ولا يتردد المؤلف ايضا في الحديث عمّن يسميهم بـ «معذّبي الازدهار» وذلك بالمعنى الذي كان قد تحدث فيه «فرانز فانون» في كتابه الشهير «المعذّبون في الارض»، معذبو الازدهار هم الوجه الاخر لتشكل «ارستقراطية ريعية» المتكوّنة من فئات صغيرة من المستفيدين من ثمار التكنولوجيات الحديثة وخاصة بعد ثورة المعلوماتية والذين يتمتعون بسلطات كبيرة قد تطمح احيانا الى «تجاوز» القوانين السائدة على خلفية مكانتهم الاجتماعية المرموقة. ان الظاهرة الأساسية التي يركز عليها مؤلف هذا الكتاب كثيراً في تحليلاته تتمثل في واقع «المفارقة العجيبة» بين واقع الازدهار الاقتصادي الذي تدل عليه كل المؤشرات في البلدان الغربية الرئيسية خلال الخمس عشرة سنة الاخيرة وبين زيادة تهميش شرائح اوسع من المجتمع عبر انتشار ظواهر البطالة وتناقص القدرة الشرائية وتشوش الافق المستقبلي بالنسبة لجماهير الشباب... الخ. ويعيد المؤلف احد الاسباب الرئيسية لهذه الظاهرة الى تضاؤل دور الدولة «المانحة» لصالح جرعة اكبر من الليبرالية في ظل العولمة واقتصاد السوق. لهذا يرى المؤلف أن «فرصة تاريخية رائعة قد ضاعت منذ سقوط جدار برلين حيث كان بمستطاع البشر جعل العالم افضل قليلاً واكثر انسانية». فهل نحن امام مقاومة جديدة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي اختاره المؤلف عنواناً لاحد فصول كتابه ويرى فيه بأنه لم يكن ممكناً للسياق الراهن من مسيرة «الازدهار» الاقتصادي بصيغتها السائدة الا وان تؤدي الى حركة «المقاومة» التي شهدتها شوارع «سياتل» او التظاهرة التي عرفتها مدينة «بورتو اليجري» في الفترة الاخيرة. ولعل افضل ما يمكن ان يعبر عن موقف المؤلف من هذا الموضوع يتمثل في جملة نقلها عن الاقتصادي الكبير «جوزيف شومبيتر» وجاء فيها: «ينبغي على الرأسمالية ان تدافع عن قضيتها امام قضاة يحملون في جيوبهم حكماً بالموت. وهؤلاء القضاة يستعدون لاصدار حكمهم مهما كانت الحجج التي يقدمها المحامون. ولعل النجاح الوحيد الذي يمكن للدفاع ان يحققه يكمن في تغيير صك الاتهام ذاته. لكن وفيما هو وراء الاتهام والقضاة والاحكام يرى المؤلف ايضا بان خطورة حركة الاحتجاج القائمة لا تقوم سوى بالنقد المستمر دون ان تقدم خطة لعالم افضل، اذ ليس المهم ان تضرب رأسك بالجدار وانما ان تحاول ان تفتح به باباً صغيراً». في الواقع تبدو الحركات الاحتجاجية على اقتصاد السوق و«دين السلعة» بمثابة جزء لا يتجزأ من اللعبة كلها. فاذا كانت هذه الحركات توضح بشكل جيد «مظالم السوق» فإنها ترى فيه ايضا «المحرك الاساسي» للتاريخ. وبالتالي اذا كان «الليبراليون الجدد» والذين يناهضونهم يعتقدون بأنهم اعداء فان مؤلف هذا الكتاب يرى بهم في الواقع «شركاء». اما المطلوب فانه يراه بان تأخذ «النشاطات السلعية» مكانها الصحيح وان يستعيد ما هو غير سلعي مكانته ايضا، لان أثرها يتعلق بـ «معنى حياة الانسان». «ان المتاهة هي وطن ذلك الذي يتردد» يقول والتر بنجامان في احدى جمله. كتاب عن «متاهة» السوق ومسائل الخروج منها.