هذا الكتاب الجماعي المشترك من تأليف ثلاثة من كبار الباحثين الاستراتيجيين والدبلوماسيين المخضرمين. الاول امريكي، والثاني هولندي، والثالث روسي. فجيمس جودباي هو استاذ محاضر في جامعات امريكية مهمة كجامعة جورج تاون وجامعة ستانفورد. وقد ألف كتباً عديدة عن اوروبا الموحدة التي لا تتجزأ، وعن العلاقات الامريكية ـ الروسية. وكان قد دخل في السلك الدبلوماسي والسياسي منذ عام 1952 وترقى في المناصب حتى وصل الى مرتبة وزير. وكان الممثل الخاص للرئيس كلينتون فيما يتعلق بشئون الأمن ونزع الاسلحة الذرية. هذا بالاضافة الى وظائف ومهام سياسية عديدة لا حصر لها. اما بطرس بوالدا ولد في هولندا ودرس في جامعاتها قبل ان ينتقل الى باريس لكي يكمل دراساته العليا في معهد الدراسات السياسية. وقد دخل في سلك الدبلوماسية الهولندية عام 1951. وبعد ان استلم عدة مناصب في الخارج عينته بلاده كممثل دائم لها في حلف الاطلسي في بروكسيل عام 1973. ثم عين كسفير لهولندا في مصر عام 1979. وبين عامي 1986 ـ 1990 اصبح سفيراً في موسكو، الخ.. اما دمتري ترينين، المؤلف الثالث للكتاب، فهو عسكري في الاصل. وقد خدم في القوات العسكرية السوفييتية ثم الروسية مدة اثنين وعشرين عاماً. وكان من ضمن الفريق العسكري الروسي الذي جاء الى العراق لمساعدته في الناحية التدريبية والعسكرية. ثم اصبح مسئولاً عن البرنامج الأمني للسياسة الخارجية الروسية وذلك حتى عام 1994. من اهم كتبه: روسيا والمؤسسات الأمنية الاوروبية، ثم كوسوفو، الجوانب الدولية للأزمة، ثم المشكلة الروسية ـ الصينية، الخ. يقدم هذا الكتاب صورة شاملة عن السلام الدائم والمستقر الذي ينبغي تحقيقه مستقبلاً بين ثلاث كتل كبرى الولايات المتحدة الامريكية، الاتحاد الاوروبي، روسيا. ويعتقد مؤلفوه بأن المشروع اذا ما نجح فسوف يشكل اكبر فضاء للسلام في العالم، وكذلك اكبر تجمع جيو ـ استراتيجي. انهم يخططون لمشروع طموح جداً ربما كان الهدف منه مواجهة القوة الصينية المتنامية التي سوف تشغل العالم، وبخاصة الامريكان، بعد فترة من الزمن، وعلى الرغم من انهم انتهوا من تأليفه قبيل حصول تفجيرات «11» سبتمبر الا ان مقدمته كتبت بعدها. ولا يبدو ان هذه ا لاحداث قد غيرت رأيهم او افكارهم حول الموضوع. على العكس لقد زادتهم اصراراً على انجاز هذا المشروع الطموح الذي ما كان يخطر على البال ابداً قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. فمن كان يتوقع ان روسيا ستصبح يوماً ما حليفة لامريكا داخل تجمع أمني وسياسي واسع؟ والواقع ان روسيا في عهد فلاديمير بوتين اتخذت قراراً سياسياً خطيراً جداً وذا نتائج بعيدة المدى بعد احداث «11» سبتمبر. فقد انضمت فعلاً الى امريكا والغرب، وما كان قرارها تكتيكياً وانما استراتيجياً. فهذه التفجيرات التي هزت امريكا قدمت لروسيا الفرصة الذهبية لكي تندمج تدريجياً في البنية العسكرية والاقتصادية والسياسية الغربية. وفي ذات الوقت وجدت امريكا واوروبا في هذا الموقف المدهش للرئيس بوتين مناسبة لحل المشكلة الروسية التي شغلت الغرب طيلة الحرب الباردة. ويبدو ان حلها سوف يشبه في الطبيعة، ولكن ليس في الشكل، حل المشكلة الالمانية بعد الحرب العالمية الثانية. فهل حسمت روسيا هويتها بعد أحداث «11» سبتمبر؟ هذا ما يبدو من تصرفات بوتين والقرارات الجريئة ـ بعضهم يقول المتهورة ـ التي اتخذها. نقول ذلك ونحن نعلم ان روسيا كانت دائماً منقسمة على نفسها بين الهوية الآسيوية او الشرقية، والهوية الاوروبية او الغربية. ولكن بما ان جاذبية الحضارة الحديثة في اوروبا وامريكا لا تقاوم فان بوتين حسم الأمر لصالح الانضمام الى الغرب. يضاف الى ذلك ان القوي او المنتصر دائماً يجذب الناس. مهما يكن من أمر فان مؤلفي الكتاب يعتقدون بأن تشكيل سلام مستقر بين مجموعة الدول الاوروبية والاطلسية بما فيها روسيا لا يعني القضاء على الخصوصيات القومية او المحلية. الشيء الوحيد الذي سيتغير هو ان الحرب سوف تصبح في ذمة الماضي. ولكن من الواضح ان ما يجمع هذه الدول هو اكبر مما يفرقها. فروسيا اخذت تنحو ايضا باتجاه النظام الديمقراطي والليبرالي الغربي، ولم تعد محكومة من قبل الحزب الواحد كما كان عليه الحال في العهد الشيوعي. صحيح ان نظامها الديمقراطي لايزال بدائياً وناقصاً اذا ما قسناه بدول اوروبا الغربية او امريكا، ولكنها انخرطت في تجربة التعددية الحزبية والصحفية والانتخابات البرلمانية بل وحتى التداول على السلطة. وهذا ما يبشر بالخير ويعد بالمستقبل كما يقول مؤلفو الكتاب وهذا ما يقرّبها ايضا من الغرب ويجعل مسألة التحالف معه امراً ممكناً ان لم نقل سهلاً. وبالتالي فان أهم نتيجة من نتائج المأساة التي حصلت في الحادي عشر من سبتمبر هو هذا التقارب الروسي ـ الاوروبي ـ الامريكي. فمنذ الان فصاعداً لن تحل الامور بين هذه الأمم عن طريق الحرب او التهديد بالحرب، وانما عن طريق النقاش والحوار. بل اكثر من ذلك فان روسيا انضمت الى الغرب الاوروبي والامريكي من اجل مواجهة الارهاب العالمي والتحديات الاخرى التي قد تظهر في المستقبل من جهة الصين مثلاً. على الأقل هذا ما يعتقده المؤلفون الذين شاركوا في تأليفه ووقّعوا عليه بشكل جماعي. ونادراً ما تجد كتاباً مؤلفاً من قبل امريكي وروسي وأوروبي في آن معا!. نلاحظ ان الكتاب مؤلف من ستة فصول اساسية، الاول بعنوان: لمحة عامة عن كيفية تشكيل سلام مستقر ودائم. والثاني يتحدث عن الموضوع من وجهة نظر روسية. واما الثالث فيتناوله من وجهة نظر اوروبية، هذا في حين ان الرابع يتحدث عن المنظور الامريكي لهذا السلام. واما الفصل الخامس فيتحدث عن السياسات التي ينبغي اتباعها من اجل التوصل الى هذا السلام. واما الفصل السادس والاخير فيبلور روزنامة زمنية «اجندة» تخص المراحل التدريجية لتحقيق هذا السلام المستقر. اذا ما ناقشنا الامور من وجهة نظر روسية لاحظنا ان الهم الاول لنخبة هذه البلاد يكمن في التوصل الى المستوى الاقتصادي والحضاري الذي وصلت اليه اوروبا وامريكا. هذا هو الهاجس الكبير الذي يطغى على ذهن الرئيس بوتين والقيادة السياسية والثقافية لروسيا. فروسيا تعاني من عقدة تجاه الغرب وتريد اللحاق به وبطريقة معيشته وبحبوحة شعوبه باي شكل. ولكي تتوصل الى ذلك فان روسيا بحاجة الى التكنولوجيا الغربية المتقدمة وكذلك الى الرساميل والاستثمارات. واذا لم تتوصل الى ذلك فربما بقيت روسيا كقوة هامشية في القرن الواحد والعشرين. ولهذا السبب فان السلام بين روسيا والغرب اصبح أمراً ممكناً. يضاف الى ذلك ان الفجوة الثقافية التي تفصل روسيا عن اوروبا وامريكا لم تعد كبيرة بعد سقوط الشيوعية. فروسيا دولة قانون الان، وتعتمد على الاقتصاد الحر وقانون السوق، كما وتعتمد التعددية السياسية والصحفية، وليست دولة أصولية على الرغم من تأثير الكنيسة الارثوذكسية عليها. وبالتالي فأوجه التشابه بينها وبين الغرب اصبحت كبيرة. نقول ذلك على الرغم من ان الثقة بين الطرفين بحاجة الى تنمية وتغذية بعد عدة عقود من الحرب الباردة والعداء الايديولوجي المستحكم. فكل ذلك لايزول بين عشية وضحاها. والان لنتحدث عن الموقف الاوروبي. في الواقع انه لا يوجد قرار سياسي اوروبي موحد كما يوجد قرار روسي او قرار امريكي. فالاتحاد الاوروبي الذي يشكل حقيقة واقعة من الناحية الاقتصادية لم يتوصل بعد الى التوحيد السياسي او العسكري. نقول ذلك على الرغم من بعض التقدم الذي حصل في هذا الاتجاه. وهذا ما سيؤخر من تشكيل منطقة الأمن المشترك على الصعيد الاوروبي ـ الاطلسي. فبما ان اوروبا لا تتكلم بصوت واحد حتى الان فيما يخص الامن والسياسة الخارجية فاننا لا نعرف مع اي شخص نتحدث لإقامة هذا السلام المستقر. ولكن الامور سائرة في الاتجاه الايجابي على الرغم من كل شيء. فهناك شخص يتحدث باسم السياسة الخارجية هو خافير سولانا. بالطبع فان صلاحياته محدودة وينبغي ان يعود الى وزراء خارجية جميع الدول قبل اتخاذ اي قرار مهم ولكنه موجود. واذا ما قسنا وضع اوروبا قبل اربعين سنة ووضعها الان ذهلنا لمدى التقدم الحاصل فيما يخص توحيدها. ففي عام 1952 كان الفضل في بناء الوحدة الاوروبية يعود الى سياسي فرنسا بعيد الرؤيا والنظر هو: جان مونيه. فهذا الرجل كان مهووساً بفكرة الحرب العالمية التي دمرت اوروبا. وكان يريد ان يجد وسيلة لمنع تكرر هذه الحرب مرة اخرى. وعرف ان تحقيق ذلك لا يمر الا من خلال النواة الصلبة للوحدة الفرنسية ـ الالمانية. ولذلك ربط البلدين ببعضهما البعض عن طريق الوحدة الاقتصادية اولاً. ثم راح يتخيل الوحدة على درجات ومراحل لكي يراعي حساسية الرأي العام في البلدين ولكيلا يصدم المشاعر الملتهبة بعيد الحرب. فالزمن هو وحده الكفيل بتخفيف حدة العداء بين الشعوب التي خاضت الحروب ضد بعضها البعض. ولا نستطيع ان نحرق المراحل دفعة واحدة ونفرض على الشعبين الفرنسي والالماني الوحدة الكاملة وآثار الحرب لاتزال عالقة في النفوس. وهكذا نجحت الوحدة الاوروبية في تخطي الحواجز والعقبات شيئاً فشيئاً على مدار الخمسين سنة الماضية. ويعتبر الخبراء ان الوحدة الاوروبية هي اكبر حدث سياسي حصل في الآونة الاخيرة. انه حدث هائل ولا يكاد يُصدق. واذا ما توصلت اوروبا الى توحيد نفسها سياسياً وعسكرياً مثلما وحدت نفسها اقتصادياً وتجارياً فانها ستصبح اكبر قوة على وجه الارض بعد امريكا، بل وستصبح منافسة حقيقية لامريكا. ولكن لا يتوقع ان تحصل اي حرب بينها وبين امريكا بسبب بسيط هو ان امريكا هي بنت اوروبا كما كان يقول الجنرال ديجول. الشيء المتوقع هو ان تحاول روسيا الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ان لم يكن كعضو كامل وعادي فعن طريق اتفاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية وثيقة. وربما شجعت امريكا على هذا الاتجاه لكي يصبح الامتداد الامريكي ـ الاوروبي ـ الروسي اكبر قوة ضاربة على سطح البسيطة. وعندئذ لن تتمكن اي قوة في الشرق الاقصى بما فيها الصين ان تقف في وجهها. وهذه هي اكبر خطة استراتيجية يبلورها الخبراء الامريكان للقرن الواحد والعشرين. فالتكتل الروسي ـ الاوروبي ـ الامريكي اذا ما حصل سوف يؤدي الى تشكيل تجمع بشري يحاذي المليار شخص تقريباً. وسوف يكون أغنى تجمع على وجه الارض واكثرها قوة من الناحية التكنولوجية والعسكرية والسياسية. فامريكا كانت منذ البداية مشجعة لتشكيل الوحدة الاوروبية على عكس ما يزعم البعض. فقوة اوروبا من قوتها لان القيم والمصالح التي تجمع بين الطرفين ضخمة وراسخة من الناحية التاريخية. وقد لاحظنا ذلك بوضوح بعد احداث «11» سبتمبر فقد تضامنت الشعوب الاوروبية بشكل هائل مع الشعب الامريكي الى درجة ان مدير تحرير جريدة «اللوموند» الفرنسية جان ماري كولومباني كتب افتتاحية بعنوان مثير: نحن جميعاً امريكيون!.. واما عن البريطانيين فحدث ولا حرج.. فقد اصبح طوني بلير عبارة عن وزير خارجية لامريكا كما قال احدهم.. وبالتالي فلا يمكن فصل امريكا عن اوروبا على الرغم من تنافر المصالح احياناً، بل وحصول الحرب التجارية من فينة الى اخرى. واما فيما يخص روسيا فان امريكا فوجئت بموقف بوتين بعد الأحداث واصبحت ميّالة الى توثيق التحالف معه بشكل اقوى بكثير من السابق. وفي نهاية الكتاب نلاحظ ان المؤلفين يقدمون النصائح التالية الى حكام روسيا وامريكا واوروبا من اجل إقامة السلام الدائم والتحالف الكبير بين الكتل الثلاث. النصيحة الاولى: ينبغي على إدارة بوش ان تبلور سياسة بعيدة المدى بالنسبة لحلف الاطلسي. وهي سياسة تهدف الى محاربة الارهاب والحفاظ على السلام وتوسيع العلاقات مع الدول الاخرى غير الأعضاء فيه. وينبغي على امريكا ان تقبل لمجاورة حلفائها داخل الحلف والا تتخذ القرارات المهمة الا بعد نقاشات معمقة معهم. كما وينبغي ان تضع الروس في الصورة قبل حسم اي قرار مهم. هذا ما ينبغي ان يكون هدف السياسة الامريكية في السنوات المقبلة. النصيحة الثانية: يعتقد مؤلفو الكتاب انه ينبغي على ادارة بوش ان تبلور سياسة متفهمة وبعيدة المدى تجاه الاتحاد الاوروبي. ينبغي ان تشجع توسيع الاتحاد لكي يشمل دول اوروبا الشرقية التي لم تنضم اليه حتى الان. وكذلك ينبغي تشجيع الاوروبيين على تشكيل دفاعهم المشترك ودمج منطقة البلقان في بقية اوروبا، ثم تحسين العلاقات الاقتصادية بين امريكا واوروبا. النصيحة الثالثة: اذا ما أراد الاتحاد الاوروبي ان يلعب دوراً حيوياً في تشكيل السلام المستقر المشترك بين اوروبا وامريكا وروسيا فان عليه ان ينظّم اموره الداخلية قبل عام «2004» تاريخ انضمام دول جديدة اليه. ينبغي ان يكون قادراً انذاك على بلورة الوسائل الضرورية تشكيل سياسة خارجية موحدة تشمل جميع اعضائه. كما وينبغي عليه ان يبلور استراتيجية مشتركة للعلاقات مع الولايات المتحدة. فامريكا ترغب في ان تجد في مواجهتها صوتاً اوروبياً واحداً لكي تتعامل معه. النصيحة الرابعة: نحن نعتقد، يقول مؤلفو الكتاب، بان على الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي ان تبذل جهوداً كبيرة لكي تقوي علاقاتها مع روسيا، نقول ذلك على الرغم من حصول خلافات في وجهات النظر من حين لآخر بين الاتحاد الاوروبي وامريكا. فالخلافات مشروعة ولا ينبغي ان تحول دون التعاون والتحاور بين طرفي الاطلسي. ولكن على الرغم من كل الخلافات فان على السياسة الاوروبية والامريكية ان تفعل كل ما بوسعها لقبول روسيا كأمة «طبيعية»، وان تساعدها على تجاوز محنتها ومشاكلها الاقتصادية والداخلية وتعتبرها شريكاً اساسياً في المستقبل. النصيحة الخامسة: ينبغي على الغرب ان يساعد روسيا على تشكيل نظام ديمقراطي مستقر، نظام يحترم حقوق الانسان ويتقيد بها، كما ويحترم دولة الحق والقانون. النصيحة السادسة: على روسيا ان تحسم امرها وتحدد هويتها على الصعيد الدولي. ولكي تفعل ذلك ينبغي ان تبني سياستها الخارجية على أساس التعاون الايجابي مع امريكا واوروبا لا على أساس المعارضة والتناقض.