لاشك بان بطرس بطرس غالي غني عن التعريف بالنسبة للقرّاء العرب بعد ان احتل مناصب سياسية عليا مثل وزير خارجية مصر والامين العام للامم المتحدة ويشغل الان منصب الامين العام للمنظمة الدولية للفرانكفونية. له العديد من المؤلفات التي بدأها منذ ان كان استاذاً جامعياً لمادة القانون.. ومن أهم مؤلفاته «مساهمة في سبيل نظرية عامة للتحالفات» و«النزاعات الحدودية في افريقيا» و«الطريق الى القدس» و«السنوات التي امضيتها في البيت الزجاجي»، اي في مقر الامم المتحدة. اما «ايف بيرتيلو» فقد عمل لسنوات طويلة في عدة مناصب مسئولة في لجان الامم المتحدة الخاصة بالتنمية وهو الان رئيس اللجنة الفرنسية للتضامن الدولي، بعد ان كان قد شغل منصب الامين العام التنفيذي للجنة الاقتصادية للشئون الاوروبية. هذا كتاب اخر عن «العولمة والديمقراطية» في اطار سلسلة طويلة كرّسها مؤلفوها لهذا الموضوع. حاول البعض الكشف عن آليات عملها ويرى بها البعض «خطباً» يمكن للجميع الاستفادة منها بينما يعتبرها البعض الآخر بمثابة خطر داهم بالنسبة للشعوب الفقيرة بشكل خاص اذ ان ثمراتها يجنيها اساساً اولئك المستفيدون منها.. وهذا ما يتم التعبير عنه بالقول الشائع الذي مفاده ان «الاغنياء يصبحون أكثر غنى والفقراء اكثر فقراً». لكن العولمة أثارت وبكل الحالات، اضطراباً كبيراً في المشهد الدولي وفي العلاقات الدولية.. وخاصة في اطار العلاقات بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب في ظل سيادة قواعد اقتصاد السوق والمنافسة. ان ما تثيره العولمة من اشكال الخوف والرفض العنيف احياناً يجعلها دائماً موضوعاً له راهنيته ووجوده القوي على ساحة النقاش وفي اهتمامات اصحاب القرار بشتى ميادين النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ضمن هذا السياق لعالم يبدو وكأنه يبحث عن مصيره يقدم بطرس بطرس غالي رؤيته عن العلاقة بين العولمة والديمقراطية وحيث يؤكد بشكل اساسي على فكرة تتكرر بأشكال كثيرة في هذا الكتاب وهي انه ينبغي بأي ثمن جعل العولمة ذات طابع ديمقراطي صميم وذلك قبل ان تحوّل العولمة السائدة نفسها ببعدها الليبرالي المتطرف الديمقراطية نفسها وتنزع عنها طبيعتها التي اكتست بها عبر عملية تكدس تاريخي طويلة، وايضاً قبل ان تندلع نزاعات لم تكن معروفة من قبل مثل تلك التي شهدتها الولايات المتحدة الامريكية يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي البوادر الاولى لها. هذا ما يعتبره بطرس بطرس غالي بمثابة احدى ثمرات التجربة الدبلوماسية الطويلة التي عاشها وايضا ثمرة لفهمه للعلاقات الدولية التي يدرسها في هذا العمل بعد ان كان قد درّسها عندما كان استاذاً جامعياً. ويستعرض بطرس بطرس غالي طويلاً في هذا الكتاب تجربته كأمين عام سابق للامم المتحدة.. بل انه يعود للتأمل بآليات عمل المنظمة الدولية واهدافها وواقع فعلها، او عدم فعلها، في المسائل الدولية الاكثر حساسية. ولعلّ اهمية هذه الافكار تأتي من واقع ان بطرس بطرس غالي يرى الامم المتحدة بعد ان اخذ مسافة خمس سنوات كاملة عنها. هذه المسافة تسمح برؤية اكثر موضوعية. ومن هذا الموقع «المتراجع» يقترح العديد من الاصلاحات التي يعتقد بانها يمكن ان تجعل من هذه المؤسسة الدولية عنواناً للتجدد بحيث يمكنها ان تصبح قادرة على مواجهة التبدلات الطارئة على المجتمع الدولي والسيطرة عليها وعلى نتائجها، وفي السياق الدولي الراهن تتمثل أهم المتغيرات في سيادة واقع العولمة. من هنا يعتبر بطرس بطرس غالي بان ما يعرضه في هذا الكتاب هو نوع من المساهمة في مشروع البحث بـ «التاريخ السياسي لافكار الامم المتحدة». كانت هذه هي نقطة الانطلاق في هذا الكتاب ـ الحوارات التي يؤكد فيها بان «الامم المتحدة» تبقى المنتدى الوحيد الذي يمكن ضمن اطاره المساهمة فعلاً في «دمقرطة» العولمة. ويرى المؤلف في هذا السياق بان احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي أظهرت في البداية رغبة الولايات المتحدة في انتهاج سياسة متعددة الاطراف ضمن اطار الامم المتحدة، لكن سرعان ما لجأت الى تبني صيغة العمل من جانب واحد مهمشة بضربة واحدة الأمل الوليد في زرع روح الديمقراطية بالعولمة. وتتمثل احدى الأفكار الرئيسية التي يركز عليها بطرس بطرس غالي في هذا الكتاب بالقول بان الانسانية هي اليوم في بداية «ثورة كونية». لكنها ثورة مطلوب منها ان تؤمن أولاً ديمقراطية العولمة وتنمية بلدان العالم الثالث ثانياً. انه يؤكد على هذا لاسيما وان فترة ما بعد الحرب الباردة قد شهدت واقعاً جديداً تمثل في الهيمنة الكبيرة للقوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية. وهذا امر غير صحي لانه اذا كانت السلطة مصدراً للافساد فان السلطة المطلقة هي مصدر للافساد المطلق. من هنا يبدو انه من مصلحة القوة العظمى الوحيدة، اي الولايات المتحدة الامريكية في السياق الراهن، قبولها مشاركة الدول الاخرى في تسوية المسائل الدولية. هذا يقتضي بالضرورة قيام عالم متعدد الاقطاب اذ «منذ اللحظة التي تعرف فيها بعض الدول كيف تقول لا»، او تتوصل الى مناقشة شئون العالم، لاشك بان الامور سوف تتغير. ولا يتردد بطرس غالي في هذا السياق في التأكيد بان هيمنة الولايات المتحدة تعود الى حد كبير لواقع ان الدول الاخرى تُبدي قدراً كبيراً من «اللامبالاة والسلبية والخضوع». كذلك يؤكد الامين العام السابق للامم المتحدة على ضرورة ان تقدم الدول الغنية مساعدات اكثر فعالية للدول الفقيرة، لان هذا يشكل بنظره احد التحديات الكبرى في القرن الحادي والعشرين» ويذكّر في هذا الاطار بانه ينبغي ان لا يغيب عن الاذهان واقع انه سيتواجد في بلدان الاتحاد الاوروبي بأفق عام 2020 وحتى 2025 ما بين خمسة وعشرين الى ثلاثين مليونا ممن ينتمون الى بلدان شمال افريقيا ان هؤلاء سيشكلون واقعاً ديموغرافياً واجتماعياً وربما سياسياً، لابد من اخذه في الحسبان والا هناك خطر مواجهة مشاكل كبيرة بسبب عوامل اختلاف اللغة والمعتقد والثقافة. ويرتقب المؤلف ان تأخذ ظاهرة الهجرة ابعاداً اكبر في افق المستقبل لاسيما وانه لا يمكن لاي قانون ان يوقف حركات الهجرات الكبرى هذه، كما تثبت حالة الولايات المتحدة الامريكية، التي سنت قوانين كثيرة لمواجهة هجرة المكسيكيين اليها، لكن دون جدوى. بل ويذهب ابعد من هذا في تحليلاته حيث يقول بان بلدان شمال افريقيا العربية، اي مصر والجزائر وتونس والمغرب التي تشهد انفجاراً ديموغرافياً حقيقياً «ستواجه هي ايضا بدورها هجرة متعاظمة وكبيرة من بلدان افريقيا السوداء» حيث يبدو افق الازمات الاقتصادية مع تسارع عدد السكان مهدداً جداً. هذه الصورة المتشائمة التي يرسمها بطرس بطرس غالي للمستقبل تجعل من الملحّ والجوهري اعادة النظر في المساعدات المكرّسة لتنمية بلدان العالم الثالث وذلك من اجل تجنب ان يصبح «التقسيم الحالي للعالم اكثر خطورة». وتبقى «الرسالة» التي يوجهها بطرس بطرس غالي للعالم ولقادته هي ضرورة العمل من اجل «اصلاح الامم المتحدة» اما السبيل الى الاصلاح الذي يقترحه فيتمثل في «التحضير لوصول الجيل الثالث من المنظمات الدولية». كان الجيل الاول قد تمثل في عصبة الامم والثاني في الامم المتحدة.. اما منظمة الامم المتحدة الجديدة فينبغي ان تضم، كما يرى المؤلف، الى جانب الدول ـ الامم مجموعة من القوى الفاعلة لا تمتلك الطابع الدولي ـ من دولة ـ لكن مثل هذا الافق الاصلاحي يطرح عدداً من الاسئلة ذات الطابع التقني مثل معرفة المعايير التي سيتم الاختيار على اساسها والمكانة القانونية للقوى من جمعيات وحركات ومنظمات وغيرها التي يتم قبولها وكيفية التعامل معها على صعيد الاقتراع.. الخ؟. وتبقى احدى العقبات الكبرى في مثل هذا المشروع تذليل العقبات الخاصة بتأمين الاستقلال المالي لهذا «الجيل الثالث» من المنظمات الدولية. ويرى المؤلف بان أفق نشوب نزاعات مسلحة في العديد من مناطق العالم يشكل احد تحديات القرن الراهن.. وهو تحد مطروح بشكل مباشر على منظمة الامم المتحدة التي ينبغي ان يتم تفعيل دورها في هذا الاطار. ويشير في هذا الاطار الى ضرورة تكوين دبلوماسيين يختصون بمسألة تسوية النزاعات، فالتصدي لمثل هذا الاحتمال يتطلب «خبرة» و«مؤهلات خاصة». لذلك اختار المؤلف للفصل الرابع والأخير من الكتاب عنواناً جاء فيه: «الدبلوماسية في مواجهة امتحان 11 سبتمبر 2001» او الذي يركز بطرس بطرس غالي فيه على ضرورة حل مشكلتين تخص الاولى عملية اعادة بناء افغانستان والثانية ايجاد حل نهائي للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. كتاب في العولمة وسياسات المستقبل... والديمقراطية