دانييل جوليمان هو مؤلف بعض الكتب التي لاقت نجاحاً ورواجاً كبيراً في المكتبات. نذكر من بينها الذكاء العاطفي، والعمل بالذكاء العاطفي. وهو عالم نفس في الأساس، وقد اشتغل لمدة سنوات طويلة كمراسل لجريدة النيويورك تايمز وذلك فيما يخص العلوم السلوكية والعقلية. كما انه كان استاذاً زائراً في جامعة هارفارد. وقد نال عدة جوائز صحفية من بينها جائزة بوليتزر. واما ريتشارد بوياتزييس فهو استاذ السلوك العضوي في احدى الجامعات الامريكية. وكان مسئولاً عن تنفيذ البرامج التربوية. من أهم كتبه: المدير الكفء، نموذج على الادارة الناجحة والفعالة. واما آني مكي فهي استاذة في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الامريكية. وهي مختصة بمسائل التربية التنفيذية او الاجرائية. كما انها تشتغل كمستشارة لدى العديد من قادة المنظمات والشركات ذات المستوى العالمي. منذ البداية يقول مؤلفو الكتاب الثلاثة هؤلاء بانهم كتبوه على أثر النجاح المنقطع النظير الذي لاقته مقالتا دانييل جوليمان المنشورتان في مجلة الاعمال الخاصة بجامعة هارفارد. هاتان المقالتان هما: ما الذي يصنع القادة؟ ثم: القيادة الفعالة التي تعطي النتائج. ولكن الكتاب يذهب بالطبع الى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فهو يخترع مصطلحاً جديداً يدعى: القيادة الأولية او الاساسية بمعنى اخر فانه يبلور فكرة القادة الجدد. فالمهمة الاساسية الملقاة على عاتق القادة تكمن في إحداث انطباع جيد لدى الناس الذين يقودونهم. وهذا الشيء لا يحصل الا عندما يخلق القائد نوعاً من الصدى الطيب لدى الشعب ويحرر طاقاته وافضل ما لديه. وبالتالي فان وظيفة القيادة، في الأساس، هي وظيفة عاطفية او انفعالية او شعورية. من هنا جاء مصطلح الذكاء العاطفي: اي الذكاء الذي يلعب على وتر العاطفة لدى الشعب ويقنعه بشكل عفوي بصحة اراء القائد لكي يتبعه. والقيادة هنا تعني القائد على كافة الاصعدة والمستويات من مدير شركة الى رئيس الجمهورية او قائد الحزب، الخ... وهناك صفات معينة ينبغي ان يتمتع بها اي قائد والا فلن يصبح قائداً ولن يتبعه احد. ولكن الكتاب يركز تحليلاته بشكل خاص على القيادة داخل الشركات ومجال الاعمال او البزنس. وقد اعتمد على معطيات واقعية كثيرة وموثقة، وقابل مؤلفوه العديد من رؤساء الشركات والمنظمات الدولية او المحلية الناجحة. وبالتالي فهو ليس مبنياً على فراغ او على تنظيرات مجانية كما يحصل احيانا. نضرب على ذلك المثل العملي التالي. في الأيام الاخيرة لانهاء الكتاب حصلت تفجيرات «11» سبتمبر الشهيرة في امريكا. وهذه النكبة اثبتت مدى اهمية وجود القيادة العاطفية في أوقات الأزمات العصيبة. فهنا يحتاج الناس الى قائد حقيقي يتفهّم مشاعرهم وآلامهم اكثر من اي وقت مضى. من بين هؤلاء القادة الذين لعبوا دوراً ايجابياً لمواجهة الحدث كان مدير احدى الشركات التي فقدت الكثير من اعضائها اثناء انهيار مركز التجارة العالمي. هذا الشخص الذي يدعى مارك لويهر سارع الى دعوة جميع الموظفين الذين بقوا أحياء الى الاجتماع في اليوم التالي مباشرة. وما كان ذلك من اجل العمل بالطبع وانما من اجل التشاور والتداول حول ما يمكن فعله. وعلى مدار الايام التالية ما انفك لويهر يجتمع بعائلات المنكوبين ويعزيهم ويتضامن معهم عاطفياً ونفسياً. وفي كل مساء الساعة العاشرة الا ربعاً كان يرسل رسائل شخصية الى جميع العاملين في الشركة للتحدث عن الجوانب الانسانية للاحداث. ثم خطا خطوة ابعد من ذلك. فقد شجع على الانخراط في محادثات جماعية من اجل ايجاد معنى وسط هذه الفوضى المرعبة التي تلت التفجيرات. وقرر اعضاء الشركة عندئذ تخصيص يوم كامل من مرتباتهم لدعم العائلات المنكوبة. وهذا القرار لم يكن له مضمون الدعم المادي فقط، وانما الدعم النفسي والعاطفي وإشعار المصابين بان هناك اناساً يفكرون فيهم. وكان من المتوقع جمع مليون دولار ولكن النتيجة تجاوزت ذلك بكثير. فقد وصلت الى ستة ملايين دولار! وكل ذلك بفضل القيادة المحنكة والحكيمة لمارك لويهر وطريقته في التعبئة النفسية للعاملين في شركته. ولتتويج كل ذلك طلب هذا المدير الكفء من جميع الموظفين ان يسجلوا مشاعرهم وافكارهم وآمالهم في كتاب جماعي يكون بمثابة ذكرى للاجيال القادمة لكيلا تنسى هذه المأساة الكبرى التي هزّت امريكا وأصابتها في الصميم. في مثل هذه الأزمات الخطيرة تتجه كل الانظار نحو القائد لكي يوجه مشاعرها وعواطفها، لكي يخفّف من رعبها وهلعها. وقد استطاع مارك لويهر على صعيده الخاص كمدير لشركة كبرى مواجهة الوضع. لقد عرف كيف يطمئن الناس ويقدم لهم المعنى المتماسك في مواجهة الفوضى العامة والحدث الجنوني. ولذلك أخذ الكثيرون يفكرون في إدخال مادة الذكاء العاطفي او الشعوري الى المدارس الامريكية. فعن طريق تدريسها يمكن تخريج عدد كبير من القادة المقبلين. وبالتالي فالمسألة تخص نظام التربية والتعليم ولا ينبغي ان تترك على هوى الظروف والاحداث. وكما قال مفكر النهضة الاوروبية العظيم ايراسم فان اكبر امل للأمة يكمن في تربية اطفالها الذين سيصبحون قادة المستقبل. ولذلك فان مدارس الاعمال والشركات في امريكا ينبغي ان تولي عناية خاصة للتربية النفسانية لكي تخرج قادة حقيقيين لا مجرد اداريين بيروقراطيين عاديين. ينبغي ان نعلم ان القادة الكبار هم اولئك الذين يعرفون كيف يحرّكون مشاعرنا وعواطفنا. انهم يلهبون احاسيسنا ويلهمون افضل ما فينا. وعندما نحاول تفسير سبب هذه الفعالية فان البعض يركز على اهمية الاستراتيجية، او الرؤيا، او الافكار القوية. ولكن هناك عامل اخر اكثر اهمية الا وهو: ان القادة الكبار يلعبون على وتر عواطفنا اولاً. فاذا ما كسبوها استطاعوا ان يفعلوا بنا اي شيء. ينبغي العلم ان هناك عدة انواع من القادة. فهناك اولا القائد الرؤيوي اي الذي يتمتع برؤيا بعيدة للمستقبل. وهو قادر على تحريك الجماهير من اجل تحقيق احلام وآمال مشتركة. وظهور هذا النوع من القادة ضروري عندما تحصل متغيرات ويحتاج المجتمع الى رؤيا جديدة او الى قيادة واضحة تعرف كيف تشقّ له الطريق. وهناك القائد الديمقراطي الذي يظهر في أوقات الاستقرار والبحبوحة في المجتمع. وهو يعرف كيف يجعل اكبر قدر من الناس يشاركون في تسيير امور المجتمع. والقائد الرؤيوي او التاريخي يظهر عادة في الأوقات العصيبة او التراجيدية. نضرب على ذلك مثلاً الجنرال ديجول الذي عرف كيف ينقذ فرنسا من ورطتها مرتين. المرة الاولى اثناء الحرب العالمية الثانية بعد هزيمتها امام المانيا النازية. والمرة الثانية اثناء حرب الجزائر عندما فهم ان الاستعمار قد انتهى دوره وان استقلال الجزائر امر محتوم. وفي كلتا الحالتين كان يتمتع برؤيا بعيدة المدى. اما عندما اصبحت فرنسا مستقرة وغير مهددة بأخطار كبيرة فانها لم تعد بحاجة الى قادة تاريخيين من وزن ديجول. اصبح يكفيها شخصيات ديمقراطية عادية من أمثال ميتران او جيسكار ديستان او شيراك.. والان نطرح هذا السؤال: ما هي السمات او الكفاءات التي ينبغي ان يتمتع بها القادة؟ يرى مؤلفو الكتاب ان من أهم هذه السمات الثقة بالذات، وإدراك نقاط القوة والضعف لدى الذات، ومعرفة كيفية التأثير على الآخرين دون إكراه او قسر، وإدراك مشاعر الاخرين وتقديرها بدقة، ومعرفة ادارة الامور بكل حزم. اذا ما اقتضى الامر، ومعرفة السيطرة على الذات وبخاصة في أوقات الازمات فالقائد لا ينبغي ان يظهر على وجهه الهلع كبقية الناس الاخرين. وحتى لو شعر بالخوف ينبغي ان يخفي ذلك بقدر المستطاع وان يسيطر على نفسه، والا فانه ليس بقائد.. والقائد الشجاع هو ذلك الذي يتجرأ على الاعتراف بالخطأ اذا ما أخطأ، بل ويقوم بالنقد الذاتي لنفسه دون ان يفقد قيمته. وهناك ميزة اخرى للقادة وهي انهم يتمتعون بحضور قوي بين الجماعة ايا تكن. وعندما تنظر الى جماعة ما، او مجلس شركة ما فانك تعرف القائد من مظهره ولهجته وطريقة تصرفه داخل الاجتماع.. وهناك ميزة يستحسن ان يتمتع بها القائد لكي ينجح في ادارة شئون المجتمع او اي مؤسسة اخرى وهي الشفافية. فالانفتاح على الآخرين والاعتراف بالمشاعر الشخصية يقرب القائد من الناس ويجعله يبدو اكثر انسانية ونزاهة. وينبغي على القائد ايضا ان يعرف كيف يتأقلم مع المعطيات الجديدة او مع المتغيرات والا فان الزمن يسبقه ويصبح خارج قوس. فالتحديات الجديدة تتطلب عقلية جديدة في مواجهتها. وليس من السهل على الانسان ان يغير عاداته وافكاره بين عشية وضحاها. ولكن القائد يعرف كيف يفعل ذلك اذا ما اقتضى الأمر. فهو يتمتع بمرونة كافية من اجل تغيير مواقفه السابقة او تعديلها. والقائد الناجح يتمتع بالبراجماتية او الحس العملي. فهو يعرف كيف يقدر حجم المخاطر التي تعترضه ولا يغامر بنفسه الا في الوقت المناسب وبعد ان يكون قد درس الموضوع من جميع جوانبه. والقائد الحقيقي يعرف كيف يأخذ المبادرة في اللحظة المناسبة. فالقائد يمتلك عادة حسّ الفعالية والنجاح ولذلك فانه يعرف كيف يقتنص الفرصة او حتى يثيرها اذا لزم الأمر. انه لا يقف بشكل سلبي امام الاحداث لكي يتفرج عليها.. وينبغي على القائد ان يتحلّى عادة بالتفاؤل والا فان عزيمته سوف تحبط من أول ضربة وينهزم امام الواقع. فالانسان المتشائم او السلبي لا يمكنه ان يكون قائداً للآخرين ولا حتى لنفسه. ولكن التفاؤل لا يعني التهور او عدم تقدير الصعاب والمخاطر بدقة. ينبغي ان يعرف مدى امكانية تغيير الواقع باتجاه المستقبل، باتجاه الافضل، ثم يتصرف على هذا الاساس، والقائد يستشعر عادة أحاسيس الجماعة ويتقمّص عواطفها ومشاعرها. وهذه الخاصية تتيح للقائد ان يتفهم احاسيس الشعوب المختلفة، ذات الخلفيات الثقافية المتعددة، والقائد الملهم يكون عادة قادراً على فهم علاقات القوة السائدة داخل المجتمع، وكذلك مراكز القوى وهو يعرف كيف يستخدمها لصالحه، او لصالح المشروع الذي يعمل من اجله. كما انه يتمتع بحسّ تنظيمي عالي المستوى. واخيراً فان القائد يتمتع بميزة عظيمة هي حب المصلحة العامة والتفاني في خدمة الجماعة او الشعب الذي ينتمي اليه. من بين هؤلاء القادة المتواضعين الذين لا يعرف احد اسماءهم نذكر عبدالناصر علي من كينيا. فهذا الشخص استطاع ان يحقق حلمه بالهجرة الى امريكا والدراسة ونيل شهادة عالية في هندسة المياه. يضاف الى ذلك انه استطاع جلب اطفاله معه من اجل تربيتهم وتطبيبهم في افضل المعاهد والمستشفيات الامريكية. ولكن بعد ان كبر اطفاله وأحيل على التقاعد راح يفكر في العودة الى بلاده من اجل خدمتها، ومن اجل تعليم الشعب كيفية استخراج المياه من باطن الارض، من المعلوم ان قريته تقع في منطقة جافة مجدبة في شمال كينيا. وهي غير بعيدة عن حدود الصومال واثيوبيا، وكان يحلم منذ الطفولة بفعل شيء لانقاذ قريته والقرى المجاورة من الجفاف والعطش الذي كثيراً ما يصيبها. وربما لهذا السبب راح يتخصص في هندسة المياه. ولكن هناك نوع اخر من القادة ندعوهم بالقادة السلبيين او الديماغوجيين، وذلك على عكس القادة الحقيقيين الذين يخدمون المصلحة العامة كثيراً. وقد وجدوا عبر التاريخ، وكانوا يستخدمون أساليب التأثير نفسها على الجماهير، ولكن من اجل تضليلها وتحقيق مآربهم الخاصة. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر هتلر، او بول بوت. فهتلر كان يعرف ايضا كيف يحرك الجماهير بالملايين عن طريق خطاباته النارية الملتهبة. وكان يعرف كيف يضرب على الوتر الحساس من اجل التأثير على هذه الجماهير الى اقصى حد ممكن. ولكن النتيجة كانت الدمار الشامل لشعبه وللآخرين. وبالتالي فينبغي التمييز بين نوعين من الابطال في التاريخ. فهناك البطل الذي يعمّر وينشر الخير، وهناك البطل الذي يدمر وينشر الشر في العالم. فنيرون كان بطلاً وقائداً ولكنه حرق روما. وقس على ذلك الكثيرين. وبالتالي فلا يكفي ان تجيّش الجماهير لكي تصبح قائداً حقيقياً. وانما ينبغي ان يؤدي هذا التجييش الى نتائج ايجابية تخدم مصلحة الجماعة والشعب ككل. ان القائد الديماغوجي يختلف عن القائد الحقيقي من حيث مضمون رسالته. فهو يلعب كثيراً على وتر الاحقاد والضغائن، كما انه يلجأ الى تهييج العصبيات الطائفية والعرقية ويقسم الناس الى قسمين: نحن وهم. وبالطبع فنحن نمثل الخير والآخرون الشر. وبالتالي فاذا ما استطعنا القضاء عليهم او سحقهم فان ذلك يعتبر نصراً كبيراً. ان هؤلاء القادة الديماغوجيين بارعون في تعبئة الناس على أساس عنصري.