جورج قرم هو أستاذ جامعي كان قد نال شهادة الدكتوراه في الحقوق من فرنسا ودرّس بعدها الفكر السياسي العربي المعاصر وسوسيولوجية التنمية والتاريخ الاقتصادي. وفضلا عن قطاع التعليم عمل جورج قرم مستشارا لدى البنك الدولي ولدى الاتحاد الأوروبي وعدة مؤسسات دولية واقليمية أخرى. وقد كان وزيرا للعمال في لبنان منذ شهر ديسمبر 1998 وحتى شهر اكتوبر 2000. وللمؤلف أيضا أكثر من عشرين كتابا تشمل الدراسات السياسية والبحث الاقتصادي وأيضا الرواية. ومن أهم أعماله «الشرق الأوسط المتفجر 19501991»، والذي أصبح أحد «الكلاسيكيات» في ميدان اهتمامه وكتاب آخر لا يقل شهرة وأهمية يحمل عنوان «أوروبا والشرق: من البلقنة إلى اللبننة». ونذكر أيضا كتاب «تاريخ التعددية الدينية في حوض البحر المتوسط» و«التبعية الاقتصادية ـ ديون البلدان النامية من منظور تاريخي»، وهذا الكتاب منشور باللغة العربية.. وكان المؤلف قد نشر قبل أشهر فقط كتابا باللغة العربية أيضا تحت عنوان «الاصلاح المالي في لبنان، الفرصة الضائعة» ... إلخ. هذا الكتاب الجديد «البحر المتوسط مجال للصراع ومجال للحلم» يحمل رسالة واضحة مفادها ان ممارسة القوى الكبرى في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط خلال العقود الأخيرة من الزمن قد أدت الى جعل هذه المنطقة بمثابة بؤرة كبيرة للنزاعات والتوترات. ان موجة العنف هذه غيّبت الى حد كبير مصداقية القيم الديمقراطية و«تغليب» سمة النزاع في المجال المتوسطي منذ منتصف القرن الماضي. بالمقابل وهذا هو «الشق الثاني» من الرسالة التي يوجهها «جورج قرم» لقارئه، يؤكد بأن «اعادة المصداقية للقيم الديمقراطية الكبرى «يمثل السبيل الوحيد الذي يمكنه ان يساهم في الدفع بالمنطقة نحو شاطئ السلام والازدهار. تجدر الاشارة هنا الى ان المادة الرئيسية لهذا الكتاب هي مجموعة المساهمات والدراسات التي كان المؤلف قد قدمها في ندوات مختلفة أو نشرها في دوريات مختصة. لكن جورج قرم يخرج عن اطار التحليلات «التبسيطية» والتي تنطلق غالبا من الموقف الايديولوجي لصاحبها، ويقدم ـ أي قرم ـ قراءة أكثر عمقا و«حرية» لمختلف الأحداث والتطورات التي خلقت أوضاعا ذات طابع تنازعي خطير. تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يبحث الأول منها في «ديناميات الهوية والجيوسياسة في العلاقات بين العالم العربي وأوروبا» ويبحث الثاني في «التركيز الفكري على العامل الديني في النزاعات الجيوسياسية». ويتعرض جورج قرم في القسم الثالث من الكتاب لما يسميه بـ «النزاعات الثلاثة الكبرى في الشرق الأوسط» ان القسم الرابع والأخير فموضوعه «التهميش الاقتصادي للبحر المتوسط». ويركز جورج قرم في بداية تحليلاته على الانتقال بطبيعة المواجهات من «الصيغ الايديولوجية» الكونية والدولية الى المواجهات ذات «الطبيعة الاثنية والدينية» الاقليمية والمحلية. كما يؤكد ضمن الاطار نفسه على واقع ان نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي قد أديا الى فتح الباب واسعا أمام «حقبة زاخرة بالمخاطر بسبب الشروخ والتراجعات العنيفة على صعيد الهوية». الترجمة العملية لمثل هذه المخاطر تتمثل في نوع من اعادة ترسيم الحدود بل وتشكل الدول مما يؤدي الى تشوش كبير للمشهد الدولي. لكن ما يركز عليه مؤلف هذا الكتاب هو انه وعلى الرغم من الحروب البلقانية وغيرها التي شهدتها السنوات الاخيرة من القرن الماضي وبداية القرن الجديد لم تؤد في واقع الأمر الى ان حققت أية مجموعة اثنية طموحاتها باقامة «دولة» تسيطر ضمن حدودها «القومية» على مجموع السكان الذين ينتمون الى الاثنية التي تتحدث المجموعة المعنية باسمها. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليتساءل: «ما هو مدلول مفهوم الهوية الجماعية؟». وبصدد محاولة الاجابة عن هذا السؤال يقوم بتحليل ما يمكن تسميته بـ «دينامية الهوية في منطقة حوض المتوسط» ولا يتردد جورج قرم في طرح فكرة فيها الكثير من الجدة ومفادها ان احدى اللمسات الاساسية للحداثة تتمثل في قدرتها على اجراء تبدل سريع للهوية الجماعية وذلك تحديدا بسبب «تعقد القاعدة» التي تقوم عليها هذه الهوية التي تعمل، كما يرى المؤلف، على أساس «سلسلة من الهوايات الجزئية التي يمكن تشبيهها بادراج الخزانة، ولا تعمل على أساس نواة مركزية ووحيدة». هذا يعني ان الهوية تعبر عن مفهوم «متحرك في الزمان والمكان». ولا شك بأن البحث في مفهوم الهوية يؤدي حتما الى البحث في مفهوم الامة ايضا الذي يتميز هو الآخر بقدر كبير من التشوش وحتى في تعريفاته الأكثر شيوعا الفرنسية أو الانجليزية والألمانية. وفيما يخص موقع العرب في «دينامية الهوية» بمنطقة البحر المتوسط بدا انهم وضمن اطار الرهانات الجيوسياسية والهويات الجماعية قد انتقلوا من حالة تشرذم الوعي بالهوية وثباته في مطلع القرن التاسع عشر الى تأكيد «هويتهم القومية الصلبة» في أواسط القرن العشرين كي يعود هذا الوعي القومي نفسه للانكفاء من جديد بسبب الهزائم العسكرية المتكررة ونشوب نزاعات قوية بين الدول العربية نفسها. ويذكر المؤلف في هذا الاطار ايضا الارث الذي تركته الامبراطوريات غير العربية منذ عدة قرون من الزمن. ويؤكد جورج قرم في تحليلاته ايضا على لجوء القوى الغربية الكبرى للعب على «البسيكولوجية الدينية» في الشرق المسلم. وذلك بهدف تعبئة الرأي العام الداخلي لصالح السياسات الغربية نفسها أو بهدف الحصول على تأييد شعوب البلدان التي كان قد تم احتلالها أو لاخضاع هذه الشعوب.. هذا ما تنم عنه سياسات القوى الغربية المعنية، وعلى رأسها بريطانيا، أثناء الحقبة الاستعمارية ليستمر الوضع في الفترات اللاحقة كي يتفاقم اللجوء على مثل هذه السياسات في ظل الحرب الباردة وخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية التي لجأت الى استخدام العامل الديني من اجل مواجهة الاتحاد السوفييتي ـ السابق. ويتحدث المؤلف ضمن هذا السياق ايضا الى ما يسميه بـ «تهميش الأقليات الدينية في منطقة الشرق الأوسط». هذا إلى جانب بروز منافسة كبيرة بين تيارين عريضين في عموم منطقة الشرق الأوسط وهما تيار «الاصلاحيين الليبراليين» وتيار «المحافظين». من جهة أخرى وصلت مسيرة السلام في الشرق الأوسط الى طريق مسدود وكانت هذه المسيرة قد انطلقت عمليا بعد حرب الخليج الأخيرة في مطلع عام 1991، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية العنصر الرئيسي في انطلاقها. لكن مسيرة السلام هذه ظلت في الطريق المسدود. هذا في الوقت الذي يرى فيه مؤلف هذا الكتاب بان حرب الخليج الاخيرة لا تزال تطرح مجموعة من المشاكل الاقليمية الهامة التي تحاول وسائل الاعلام أو القادة الغربيون والعرب التقليل من شأنها. ثم ان هذه المشاكل قد تولدت كلها من تجاوز الخطط التي وافقت عليها منظمة الامم المتحدة من قبل الحكومة الامريكية التي ساهمت ايضا من خلال دعوتها العراقيين للانتفاضة العامة وتشجيعها للأكراد في شمال العراق للدخول في معارضة معلنة ضد بغداد في خلق هزات اقليمية إذ لم يكن من المنطقي مثلا دعوة أكراد شمال العراق للتمرد دون ان يكون لذلك آثاره على أكراد تركيا.. وفي المحصلة بدا ان «الولايات المتحدة الامريكية لم تكن تمتلك أية خطة للعمل كما لم يكن لديها أي تصور واضح عما تريد ان يؤول اليه مصير العراق ومصير سكانه باستثناء تدمير قوته العسكرية». واذا كان التحرك في شمال العراق له تأثيراته على تركيا فلا شك بأن أي عمل انفصالي في الجنوب كان لابد وان تكون له آثاره المباشرة بالنسبة لايران. وفي هذا السياق يرى المؤلف بأن «تنامي معاداة السامية في العالم العربي» إنما بدا بمثابة محاولة للتعبير عن «المناهضة لأمريكا».. ولكنها مناهضة «ممنوعة». فمنذ حرب الخليج يعيش العالم العربي «حالة ألم مستمرة» تعيد إلى الأذهان فترة خلت وتعود إلى أكثر من مئة عام حيث كانت بريطانيا تتحكم بمصائر البلاد والعباد بالشرق الأوسط.. واليوم «تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة ولا تتردد أيضا في فرض ارادتها على مختلف الحكومات العربية». وبنفس الوقت تبدو الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى الحليف المتميز لاسرائيل.. وذلك في الوقت الذي يتمتع فيه اليهود الامريكيون بحرية الهجرة لاسرائيل مما زاد في تسارع استعمار ما بقي من فلسطين. وفي محصلة التحليلات يرى جورج قرم بأن الاستقرار في حوض البحر الابيض المتوسط مرهون بانتقال افضل للتكنولوجيات الاوروبية الى «الشركاء المتوسطيين» في الجنوب وبحيث يمكنهم المشاركة بشكل افضل في دورة المبادلات بين بلدان جواره.. كذلك ان مثل هذا الاستقرار يتطلب توزيعا افضل للدخل لدى بلدان جنوب المتوسط وشرقه مع السيطرة افضل على التقنيات الصناعية لان تحقيق مثل هذه الشروط يمكنه ان يؤدي الى وقف تدفق موجات الهجرة نحو اوروبا. وبكل الحالات تنبغي اعادة المصداقية للقيم الديمقراطية الكبرى. اما الرهان فهو ان يصبح حوض المتوسط «مجالا للنزاع او مجالا للحلم». كتاب في تاريخ حوض المتوسط وسياساته واقتصاده ورهاناته