يقول الشاعر والروائي ابراهيم نصر الله، في مشروعه الروائي، انه يسعى للقبض على اللحظة الفلسطينية في كثافتها واتساعها الانسانيين، ويعتقد أن الحداثة السوداء تفصل بين الأدب والحياة مضيفا أن حداثة جليدية ضحلة أوجدت مسافات عازلة بين الحياة والقصيدة بشكل خاص. في هذا الحوار يقدم نصر الله رؤيته لجوهر الكتابة، وطبيعة العلاقة بين النص والقارئ، والعلاقة بين النص والكاتب، وشاعرية النص والمحتوى، والزمن الروائي الممتد باتجاهي القادم والماضي.. ـ لا نعرف لماذا ونحن نقرأ روايتك «طفل الممحاة» منذ بدايتها الى ما قبل النهاية بقليل، بدا لنا أن يوسف آخر محشورا بين سطورها، ما الذي تسرب الى مخيلتك أثناء كتابتها؟ ـ لا يستطيع الكاتب أن يوجه قراءة القارئ لعمله في الاتجاه الذي يريده من حيث التأويل، حتى لو كان هذا الاتجاه هو الصحيح، وذلك في اعتقادي يعود لسببين: الأول أن على الكاتب أن يمنح الحرية لقارئه، تماما كما منحها لشخوص روايته، والا فانه سينتمي شاء ذلك أم أبى الى نمط غير ديمقراطي، وهذا الأمر هو عكس جوهر الكتابة. أما السبب الثاني فيتعلق بدلالات النص الأدبي، واذا ما أشار كاتب بدقة الى دلالة عمله، فانه يشير دون أن يدري أيضا الى فقر هذا العمل، وفي ظني أن كل عمل يُقرأ قراءة واحدة يتيمة هو عمل فقير، وليس ابن حياة. العمل الحقيقي هو الذي لا يكف عن مد القارئ النوعي والناقد النوعي بآفاق جديدة، ولكِ أن تتخيلي رواية يمكن أن يحيط بها مقال نقدي واحد، مثل هذه الرواية أو القصيدة لا أهمية لوجودها في الواقع، ويمكن أن نستدعي رواية مثل «عوليس» لجيمس جويس مثلا، فانها تبدو رواية لا تنتهي، فهناك أكثر من ثمانين رسالة دكتوراه كُتبت عنها، هذا غير البحوث والدراسات التي لا حصر لها. ذات يوم سأل أحدهم صموئيل بيكيت: ما الذي تريد أن تقوله عبر مسرحيتك «في انتظار جودو»؟ فرد بيكيت: لو كنت أعرف لقلت لك!! وأظن أن اجابة بيكيت غاية في الديمقراطية، والدهاء أيضا، فما الذي يمكن أن يبقى للناقد والقارئ اذا كتب الكاتب عمله الابداعي ونقده، لا يبقى سوى أن يكون قارئه الوحيد، فيما بعد!! ـ بالتعريف جاء أن «طفل الممحاة» جزء من مشروعك الروائي «الملهاة الفلسطينية» الذي يسعى لرسم صورة داخلية للفترة ما قبل عام 1948 وما بعدها. ما بعدها هذه بالنسبة لي على الأقل زمن مفتوح، ما دامت الأحداث تدور في الفلك نفسه، دون أي بوادر تغيير، ما مدى هذا الزمن بالنسبة لك؟ ـ ليس «ما بعدها» هو الزمن المفتوح فقط، بل «ما قبلها» أيضا في اعتقادي، لأن زمن العمل الابداعي هو زمن مفتوح بالضرورة، واختباره قائم في هذا المعنى، ولذا بالقدر الذي يعني هذا فترة محددة، يعني بالنسبة لي بابا مشرعا على التجربة الانسانية بتقاطعها مع قضية غير عادية كالقضية الفلسطينية، ولذا، قد تعبر رواية تتناول فترة ما قبل عام 48 عن زماننا هذا، أكثر بكثير من عشرات الروايات التي تتناول زمننا الراهن، لأن الزمن الروائي ومعنى الحياة في الرواية ليس هو التأريخ بأي شكل من الأشكال، هو زبدة التجربة وكثافتها في لحظة قادرة على أن تفيض لتلامس لحظات أخرى ليس لها ذلك الوجود المادي في الرواية. منذ البداية كان سعيي يتجه الى طموح القبض على اللحظة الفلسطينية في كثافتها واتساعها الانسانيين. ولعل ذلك بالذات ما دفعني لتأمل هذا المشروع الروائي كل هذا الزمن، فمنذ عام 1985 بدأت الاعداد له، وخلال هذه السنوات أنجزت منه ثلاث روايات: طيور الحذر، طفل الممحاة، ورواية تصدر قريبا عنوانها زيتون الشوارع، بل ان فكرة الزمن بمعناها الأعمق هي التي جعلتني أتجاوز فكرتي الأولى التي كانت تغريني بكتابة رواية كبيرة واحدة، اذ اكتشفت أن في مشروع كهذا ابتعادا عن جوهر الكتابة ذاتها، وحدّ لحريتها في التجدّد وخلق علاقات وحوارات مع الأمكنة والأزمنة والشخوص، ولذا جاءت فكرة كتابة مجموعة من الروايات يجمعها عنوان واحد هو «الملهاة الفلسطينية» ولكن لكل رواية الأجواء الخاصة بها، وحكايتها الخاصة، وحريتها في أن تجد معناها الأفضل في الزمن الذي تختار والشكل الذي تختار. ـ جربت أن تُقرأ كلماتك بلغات أخرى، هل كان النقل على قدر غلاوة الفكرة الروائية بالنسبة اليك؟ أم على حسابها؟ بعبارة أخرى هل كان النقل أمينا؟ ـ هناك معيار وحيد في اعتقادي يشير الى جدوى وأمانة الترجمة، هو الكيفية التي يُستَقبل بها العمل المترجم، سواء كانت الترجمة من لغة أجنبية الى العربية أو من لغة عربية الى لغة أجنبية، وفي الحالات التي ترجمت فيها أعمال لي، كانت الحفاوة كبيرة، وقد صنفت رواية براري الحمى مثلا كرواية ما بعد حداثية من وجهة النظر الغربية، رغم أنها في الحقيقة كُتبت في مرحلة قبل مرحلة ما بعد الحداثة، ولا أريد أن أقول مرحلة الحداثة، لأننا لم نعش أيا من الحداثتين بصورة حقيقية. ـ كعرب نعرف كيف يرقى الشاعر بفن الرواية حين يصوغ جمله بشاعرية كما تفعل، فتجد أن هذه الشاعرية هي أحد أسباب الرواج، هل تعتقد أن هذه الشاعرية، خاصة في الرواية الوطنية، قد تربك القارئ الأجنبي؟ ـ الشاعرية قيمة فنية لا توجد في الرواية وحدها، بل توجد في السينما والقصة واللوحة، وقد تفتقر قصيدة ما الى الشاعرية، وتتوافر في عمل غير شعري بدرجة أكبر، تماما كمنسوب الحياة الذي يمكن أن يتوافر في شخص بلغ السبعين أكثر من شخص في ريعان شبابه. لكن هذه الشاعرية جزء من العمل الابداعي، الى جانب أجزاء كثيرة تشكله، وليس بالضرورة أن توجد في كل عمل، كما أنها شاسعة ومتنوعة بحيث يمكن أن تكون شاعريات كثيرة. في «براري الحمى» كانت شعرية اللغة هي العنوان العريض، وفي «طيور الحذر» كانت شعرية الحالة، لا شعرية اللغة. ولذا فالشاعرية هي جزء من رؤيتنا للعالم، ولكنها تحضر بهذا القدر أو ذاك، وبهذا الحجم أو ذاك، وبهذا الشكل أو ذاك ضمن المنطق الداخلي للعمل الفني. وفي ظني أن جوهر الشاعرية انساني، وليس حكرا على أمة دون بقية الأمم، كما أنه جزء من الطبيعة البشرية كما يخيل الي، بدليل أن الأمم كلها لديها شعراء، ولديها ما هو أرق منهم: الموسيقيون. وان لم يوجد الموسيقيون فان موسيقاهم موجودة وأثيرة على قلوب البشر كالشعر، فكأن الشاعرية كالجمال وطنها الوحيد هو الروح الانسانية في أجمل حالات صفائها. أما صفة الرواية الوطنية، فانني أتحفظ عليها كثيرا، لأنني لا أرى بوجود رواية وطنية وقصة وطنية وقصيدة وطنية، بل أرى رواية وقصة وقصيدة يشكل جزء من هذا العالم مساحتها الثقافية والتاريخية، ولكنها تلامس وتتقاطع مع أزمنة وتجارب البشر في أماكن لم يرها الروائي أو الشاعر ماديا، وتملك قدرة اختراق حواجزهم أيا كانت هذه الحواجز، ثقافية أم سياسية. كما أن مسئولية كتابة رواية تتحرك في الأفق الفلسطيني مهمة صعبة اذ على الروائي هنا أن يتجاوز الراهن لكي تكون روايته قابلة للقراءة بعد عشرة أو عشرين عاما، فثمة يوم سيجيء يكون كل ما مر علينا هو ذكرى. ـ الشارب، القتيل فوق الكتفين، النجوم، رموز استخدمتها كثيرا في طفل الممحاة، وكذلك في «مجرد 2 فقط»، وأيضا ازدواجية «الميت الحي» في براري الحمى، هو والآخر في «مجرد 2 فقط» وأخيرا فؤاد بتقلباته داخل البزة العسكرية وخارجها، موته وبقاؤه حيا، هو والمرآة، لماذا تكررت هذه الرموز بالذات، ولماذا يفترش الشيء ونقيضه صفحات عدد من رواياتك؟ ـ قد تشكل هذه الرموز منظورا لكتابتي، لكن كلاً منها يسعى لقول شيء مغاير، ومن خلال شكل فني مغاير، لذلك فالمسافة بين «براري الحمى» و «مجرد 2 فقط» كبيرة، لأن لكل رواية منهما عالمها المختلف تماما، فالأولى تدور في الصحراء وترصد حرب الانسان مع ذاته، أما في الثانية فالآخر فيها ليس نقيضا للشخص الذي يقابله، وهما كائنان يملكان شروط حياتيهما المتقاطعتين في أجواء المذابح التي يتعرض لها الفلسطينيون، وكذلك الأمر بالنسبة لفؤاد في طفل الممحاة، فهناك مناخ مغاير وزمن مغاير ومكان مغاير، وشخصية مغايرة. أما الرموز وتكرارها، فليس بالضرورة أن تكون كل مفردة رمزا في العمل الابداعي. ثم ان الحيوان مثلا، يحضر كشخصية في كل رواية من رواياتي، ولكنه في كل مرة يؤدي غرضا مغايرا، لأنه كائن مغاير في ظرف مغاير، فالحمام يلعب دورا له معناه الخاص في «مجرد 2 فقط» ولا علاقة له بالطيور التي تملأ صفحات «طيور الحذر» أو الدور الذي يلعبه «الكلب» في «عو»، و «الذئاب» في «براري الحمى» وهكذا.. مرجعية الكاتب قائمة في خبراته التي يعرفها بيديه وقلبه، وحين يوظفها في عمل يوظفها ضمن أفق الرؤية التي يعبر عنها هذا العمل بالذات وليس سواه. ـ يقول بلزاك: ان الانسان ومؤلفه يشكلان كلا واحدا، ويترك الباب مفتوحا لبعض التناقض، كمثقف فلسطيني، كم من ابراهيم نصر الله في مشروعك الروائي، وفي أي روايات بالذات؟ ـ في ردي على السؤال السابق قلت ان مرجعية الكاتب قائمة في خبراته التي يعرفها بيديه وقلبه، ويمكن أن أضيف هنا بمعرفته، وبمخيلته، فالمخيلة هي التي تبني هذا العالم الذي سيكون رواية أو قصيدة، لكن أساس هذه المخيلة مادي، معرفي، وعلمي أحيانا. سأقول لكم شيئا: في براري الحُمى هناك صراع بين بطل الرواية والخفافيش الذي تسكن غرفته، لكن هذا الصراع الذي أسسه الخيال والواقع معا، ما كان يمكن أن يكون لولا المعرفة بعادات الخفافيش، وامكانية امتصاصها لدم الانسان أثناء نومه. ولكتابة مشهد كهذا، أو لتصعيده كان علي أن أعرف ما الذي يدور في عالم كائنات الليل، هذه، بدقة. ـ مجموعتك الشعرية الأخيرة «مرايا الملائكة» التي صدرت منذ شهور تناولت بشعرية عالية المستوى موضوع استشهاد الطفولة الفلسطينية، ما هي الرسالة التي أردت ايصالها؟ ـ أن تكتب ثلاثين قصيدة تشكل في النهاية عملا شعريا يروي سيرة طفلة فلسطينية شهيدة عمرها أربعة أشهر «ايمان حجو» مسألة مركبة تماما. ليس هناك رسائل أرسلها بهذا الخصوص، بالمعنى التقليدي، أكثر مما تحتضنه هذه القصائد من أسئلة؛ لكن أحب أن أقول ان هناك ما يمسني في العمق على المستوى الروحي كانسان، بما يعنيه فعل القتل الذي تمارسه قوة عنصرية عاتية ضد شعب أعزل وطفولة بالغة العذوبة تُسحق في هذه الحالة التراجيدية التي تستحق الكثير من التأمل، وعدم الصمت في آن.. ويمكن أن يضيف المرء هنا: ان هناك موجة قاتمة روجتها حداثة جليدية ضحلة أوجدت مسافات عازلة بين الحياة والقصيدة بشكل خاص، بحيث ينهمك شاعر في كتابة قصيدة لا تعنيه ولا تعني أحدا حوله، ويتعامل مع تراجيدية الحالة الفلسطينية كما لو أن الدم المراق هناك سيفسد شعره الخالص. في اعتقادي أن الشعر الخالص قائم في كل تفصيلة من تفصيلات هذه الحياة، ولا يمكن أن يكون هذا الشعر الخالص مقيما في الوردة أو النافذة أو المقعد، وقد كتبت عن الورد والنوافذ والمقاعد، أكثر مما هو مقيم في أرواح تقتلع بكل هذه القسوة والوحشية. واذا كان البعض يدعو لايجاد مسافة عازلة بين فلسطين والشعر، كما أوجدت الحداثة السوداء مسافة بين الأدب والحياة، فأعتقد أن في ذلك وعيا ناقصا لا على المستوى النظري فحسب بل على المستوى الجمالي أيضا، فقد طفا على السطح منذ مدة طويلة وعي مراوغ يتعامل مع الانتفاضة ككوكب مضيء بعيد، دون أن يخطر بباله أن هذا الكوكب يتشكل من ملايين البشر والتفاصيل والهموم الصغيرة والحكايات المؤسية والجميلة التي لا تنتهي، وقد تعامل هذا الوعي اللزج مع فلسطين باعتبارها أقل مرتبة من الشعر، أقل صفاء، وأضيق معنى، بحيث يتحتم على هذا الشعر أن يتحاشى المرور في أرض روحها الدامية، في أجمل وأعلى حالاتها تراجيديةً، كي يضمن وهْمَ خلوده، بعيدا عنها؟! لقد انشغل الفكر الانساني بقضايا كبيرة اعتصرت روح البشر وعلّقتهم في مهب أسئلة لا تنتهي: انشغل بسؤال الموت، سؤال الحياة، سؤال الحرية، سؤال العدالة، سؤال المصير، سؤال الطريق، سؤال الغامض، سؤال الحب، سؤال البراءة، سؤال القسوة، ..وسؤال الجمال. وحين ذهبت لكتابه سيرة طفلة شهيدة عمرها أربعة أشهر، كنت أدرك خطورة الأمر، فنيا وانسانيا، حين يذهب كاتب ليعيد بناء سيرة لطفلة بهذا العمر، لكنني كنت على يقين أن كل الأسئلة التي مزقت روح البشر وروح ابداع البشر كانت ساكنة، هنا، في هذا الجسد الصغير. عمان ـ غادة الكاتب