يواظب الدكتور جابر عصفور في كتابه الجديد «ضد التعصب» على مقارعة خصومه السياسيين من التيارات المحافظة والمتأسلمة، ويعمل جاهدا على تقويض دعائمهم الفكرية الناصة على قمع الاحلام الذاهبة باتجاه الحرية والتقدم والابداع، والدعاية لشكل من الحكم لايتعدى النموذج «الطالباني» حيث تحل ايديولوجيا التحريم والتكفير بدلا من التفكير العقلاني، وهو الى ذلك لايدعي الطهرية الايديولوجية التي يريدها له الآخرون، وانما يعلن بصريح العبارة: ان ما كتبه في هذا الكتاب، انما كتبه من منظور المواجهة التي اقتضتها ظروف الصراع السياسي في مصر، فيكتب دفاعا عن حرية الفكر والابداع، وتأكيدا لقيم الدولة المدنية، ومتابعة للتقاليد الخلاقة التي اسس لها رعيل متقدم من المفكرين المصريين الذين خاضوا صراعا مماثلا في بدايات النهضة، وكأن التاريخ يجدد نفسه، حيث مازال المشهد الثقافي المصري يصطرع فيه تياران: اولهما مدني متعدد الفصائل والمذاهب، يسعى لتكريس قيم المجتمع المدني واستكمال اسس الدولة الحديثة بكل ماتقتضيه من فصل بين السلطات، واحتكام الى الدستور، وتجسيد الديمقراطية، واحترام الاديان والقيم الروحية بلا تمييز بين دين وآخر، او مذهب ومذهب، وبالاضافة الى ذلك تشجيع التجريب والمغامرة الخلاقة التي تسهم في معاني التقدم العلمي والتطور الحضاري. اما التيار الذي ينسب نفسه الى الدين الاسلامي بوصفه دين الاغلبية، ولكنه يقوم بتأويل معين لهذا الدين وداخل دائرة فقهية بعينها، وذلك على نحو يستبدل فيه الدولة المدنية القائمة على التسامح بدولة دينية قائمة على التعصب، مع كل مايلازم هذه الدولة من مباديء التراتب والاجماع والتقليد وكراهية الاجتماع العقلي ونبذ بدع الضلالة المفضية الى النار. وسيعتبر الدكتور عصفور ان الصراع بين هذين التيارين ليس صراعا دينيا بقدر ماهو صراع سياسي يقوم على مبدأ رد الفعل، وخصوصا تلك القضايا التي اشعلتها جماعات التكفير في المشهد الثقافي المصري كما في قضية الباحث المجتهد «نصر حامد ابو زيد» وغيره من الكتاب. ومن هنا، فان دفاعه الطويل في هذا الكتاب عن «نصر حامد ابو زيد» يعبر اشد التعبير عن موقفه المدافع عن حرية التفكير والابداع باعتبارها جزءا لايتجزأ من حرية الانسان الاعتقادية والسياسية والاجتماعية، ويعتبر ان هذه المسئولية هي مسئولية عقلية ودينية واجتماعية بالدرجة الاولى، وذلك لان الحرية كانت ومازالت «حلم مبدعي الأمة ومطلب مفكريها من قبل ان يكتب عبد الرحمن الكواكبي عن طبائع الاستبداد»، هذا الاستبداد السرطاني الذي استشري في جسد الأمة بدءا من الاستبداد السياسي وانتهاء بالتعصب الاجتماعي او الفكري، والذي ادى في ما اداه الى توالد العصبية من العصبية، وتفريخ مستبدين كبارا وصغارا دأبهم قمع الكتاب بالدرجة الاولى لكي لاتزدهر شجرة الحرية، ولكي يبقى المسكوت عنه حبيس الذات المبدعة فلا يجد مساحة للنشر في اي دورية او كتاب، وعلى حد تعبير طه حسين: «النبوغ الذي يضيع ويذهب هدرا لانه يكظم نفسه، ويكرهها على الاعراض عن الانتاج خوفا من الدولة، او خوفا من القراء . ويذهب الدكتور عصفور في هذا الجانب المؤسس لتأصيل حرية الكتابة بالدعوة الى مواجهة العوامل القمعية التي يعيشها الفكر العربي والمبدع العربي المعاصر، مؤكدا ان التعصب هو العلة الاولى للقمع ووجهه الاول، والدليل على ذلك سلسلة الاغتيالات التي طالت ادباء ومفكرين والى ذلك فانه سوف يستعرض في فصول خاصة من الكتاب قضية تكفير «نصر حامد ابو زيد»، وتكفير «حسن حنفى» والباحث المعروف «سيد القمني» وغيرهم من الكتاب والفنانين في الوطن العربي. وفي معرض دفاعه عن «نصر حامد ابو زيد» يؤكد الدكتور عصفور بانه لم يكن من قبيل المصادفة ان تصدم كتابات نصر ابو زيد العقليات المحافظة والتجمعات التي يهيمن عليها التأسلم السياسي في الجامعات المصرية، وان يصطدم خطابه النقدي بالخطاب الاتباعي السائد خارج الجامعة حيث تيارات التأسلم الموازية بتيارات تعصبها المنتهي بتكفير الخصوم والدعوة الى استئصالهم معنويا او ماديا، فكان التنسيق بين الجامعة وخارجها لافتا ولايزال سواء في وحدة الاستجابة او تكامل الادوار او الإلحاح على الهدف نفسه ولذلك كان الدور الذي لعبه عبدالصبور شاهين في لجنة الترقيات موازيا للدور الذي كان يلعبه في جامع عمرو بن العاص ومكملا لدور الوساطة الذي كان يقوم به مع مجموعات الارهاب الديني ومتسقا مع مصالحه المادية في شركات الريان المتأسلمة ومصالحه السياسية التي كان قناعها مسمى الشئون الدينية في الحزب الوطني. والى ذلك فانه سوف يذهب في استعراض ملابسات قضية «نصر ابو زيد» بشكل مفصل ودقيق بدءا من ازمة الترقية في الكلية وانتهاء بالحكم الذي اصدرته محكمة النقض في جلستها العلنية معتبرا انه حكم جائر ولابد ان يحفظه لها التاريخ ويسجله الوعي الثقافي لطليعة الامة مقرونا بالاحباط وصدمة الدهشة وخيبة الامل حيث ان هذا الحكم قد تسبب على نحو مباشر وغير مباشر وضمن علاقات التفاعل مع متغيرات الواقع المصري والعربي والعالمي في ان توضع موضع المساءلة: حدود الحرية الفكرية الممارسة بالفعل في العالم الثالث وحضور الدولة المدنية الحقيقية في الأقطار العربية ومعنى (الجامعة) في الدول النامية ودور القضاء في المجتمعات الاسلامية الساعية الى التحديث. وهي اسئلة جوهرية يطرحها باحث واديب ورجل فكر على هذه الامة الذاهبة نحو الحداثة في كل شيء باستثناء حرية الفكر وحرية التعبير. ويتطرق الكتاب في فصول اضافية لظاهرة قمع المثقفين العرب سواء بواسطة المجموعات المعادية للمجتمع المدني التي تبرر ارهابها باسم الدين زورا وبهتانا، او بواسطة مؤسسات الدولة المدنية التي تخترقها هذه المجموعات لتبدو ظاهرة متكررة دأبها محاصرة المبدعين التي تخترقها هذه المجموعات لتبدو ظاهرة متكررة دأبها محاصرة المبدعين العرب بين سندان حكومات تفر من الديمقراطية ومطرقة ارهاب المجموعات المعادية لهذه الحكومات التي لا تحمى مثقفيها او تكفل لهم حقوقهم الانسانية والدستورية في ممارسة حق التعبير المغاير او حق التجريب الخلاق والى ذلك فانه يستشهد بما جرى للعديد من الكتاب العرب في بيروت ومصر والكويت والمغرب من حالات قمع مستمر على الابداع وتعدّ على حرية التعبير كما حدث مع الكاتبتين الكويتيتين: ليلى العثمان وعالية شعيب، او مع الاستاذ احمد البغدادي او مارسيل خليفة وسيد القمني، وعبده وازن، وحيدر حيدر، ونجيب محفوظ، ومحمد شكري وغيرهم. ويستخلص الدكتور عصفور ان جملة هذه المواقف انما تعبر عن ثقافة العنف التي افرزها الواقع العربي الذي لم يحسم قضاياه بعد حول امور سياسية ومجتمعية كثيرة، وخصوصا الثقافة المدنية الديمقراطية الامر الذي سمح لظهور جماعات تستند الى بعض المرجعيات الدينية، وتذهب في تأويل النصوص الوجهة التي تخدم سياستها المتعصبة من خلال خطاب حدي يجسد عقلية اصولية لا ترى في ما يحدث لهذا الكوكب سوى الشر، وبالتالي فانهم يشرعون لمواجهة هذا الشر بالعنف اللغوي والعنف الجسدي. وختاما فانه ينبغي التنويه الى ان كتابات الدكتور جابر عصفور تحاول ان تؤسس لاستراتيجية ثقافية عربية طموحة من خلال تنوير القاريء العربي بجملة خصائص ثقافة العقل المتحضر القادر على تجاوز ازمات امتنا الراهنة، نحو مجتمع مدني حديث يحل مشكلاته عبر الحوار والتسامح وليس عبر لغة المدافع والخنادق التي ما فتئت تفتك في جسد هذه الامة، وبالتالي فان الخلاص من لغة كهذه لن يتم بالنوايا الحسنة فقط وانما باقامة جبهة صلبة من المثقفين العرب تعمل بدأب على تقويض اسس ثقافة العنف التي استشرت في بلداننا، ورسمت صورة مظلمة عن ثقافتنا. عزت عمر