رغم كثافة البث الفضائي التلفزيوني في سماء اليوم يظل للاذاعة المسموعة دورها الاساسي في وسائل الاتصال العامة، لذا يأتي كتاب الدكتور عبدالقادر الدليمي الجديد (الاذاعة بين الحرفية والاتصال) ليغطي جانبا حيويا من الصورة المعلوماتية لهذه الوسيلة الاتصالية التي تعتمد على الصوت وحده، باشكال الصوت المتعددة لنقل المعلومة السياسية والثقافية والاجتماعية الى اي انسان وباللغة التي يختارها وفي المكان الذي هو فيه وبأبسط جهاز التقاط ممكن. ويعتبر المؤلف الاذاعة المسموعة واحدة من اعظم وسائل الاتصال السريع وذلك بعد التطور الكبير الذي شهدته السنوات الماضية في مجال الثورة التكنولوجية حيث لم يعد صعبا الحصول على المعلومة التي يريد من هذه الوسيلة، ولا يقلل الدليمي هنا من تأثير التلفزيون ولا قدرته المدهشة على نقل المتلقي الى ساحة الاحداث لكنه يستقريء الفنون الاذاعية بعين خبير متخصص عمل في حقولها مدة ثلاثين عاما وجاء كتابه هذا للتعريف بتاريخ ووسائل وأهمية الفن الاذاعي. يتحدث الكاتب في مقدمة كتابه عن جهد الانسان عبر التاريخ في تطوير وسائل اتصاله بالآخرين عبر الرسائل البدائية باشاراتها وتقنياتها الاولية كالطبول والاعلام الملونة ثم الرسائل المباشرة بواسطة المندوبين والحمام الزاجل واستخدام وسائل النقل المتيسرة في كل عصر الى ان توصل الانسان الى البرق كوسيلة اتصال ثم الى الهاتف ثم ظهرت الصحف كوسيلة اتصال اساسية. في سنة 1876 بدأ الكسندر غراهام اولى تجاربه في استخدام الهاتف في وقت كان فيه بعض علماء أوروبا يجرون تجاربهم في كيفية استغلال الموجات اللاسلكية الكهرومغناطيسية التي اكتشفها الالماني هرتز عام 1888 فاستفاد من اكتشافه الرياضي هذا المخترع الايطالي الشاب ماركوني الذي صمم اول جهاز له عام 1896، لكن اول ميلاد فعلي للاذاعة بالمعنى المعروف لدينا كان عام 1906 على يد الامريكي فيسيدين في ولاية بنسلفانيا حيث نقل الصوت البشري عدة اميال في حينه بحيث سمعه مجموعة من البحارة البعيدين عن موقع الارسال. في الوقت ذاته كان الفرنسي دي فون يعد العدة لتقديم اول برنامج غنائي يذاع على الهواء مباشرة وقد تم له ذلك عام 1910 بمشاركة عدد من المطربين بينهم الايطالي الشهير كاروزو، لكن انتشار هاتين الاذاعتين كان محدودا اصلا لعدم وجود اجهزة استقبال لدى المتلقين بعدد كاف. واستمرت التجارب الاهلية المحلية في اوروبا لتظهر في بلجيكا اذاعة غير رسمية استطاعت البث بشكل محدود مدة ثمانية اشهر ثم أوقفت بسبب قيام الحرب العالمية الاولى عام 1914 دون ان تستغل كوسيلة اتصال، وكان ابرز حدث اذاعي بعد هذا ان عرض في معرض باريس الدولي عام 1921 اول جهاز استقبال مناسب للاذاعة (راديو) في وقت استطاعت فيه الولايات المتحدة عام 1920 نقل وقائع انتخابات الرئاسة مباشرة على الهواء. بعد هذه المقدمة نقف عند الفصول الثلاثة للكتاب التي تشمل تقنيات العمل الاذاعي والتمثيلية الاذاعية ووظائف المخرج والموسيقى كما نرى. في الفصل الاول الذي شكله المؤلف من عدة فقرات يقف عند المادة التقنية في العمل الاذاعي في قسم الهندسة الاذاعية، فيقر بوجود نوعين من الهندسة في الاذاعة سواء كانت مرئية ام مسموعة فالنوع الاول هو الهندسة الكهربائية والالكترونية التي تهتم بصيانة الآلات وتأمين الطاقة وتطوير اجهزتها لمواكبة التطور السريع في هذا المجال والثاني هو الهندسة الاذاعية التي تهتم بالجانب الفني الذوقي اكثر من اهتمامها بالجانب التقني ومن مهامها تسجيل الاعمال الاذاعية من احاديث وأغان وموسيقى وبرامج اخرى وهذا النوع من الهندسة الاذاعية يلعب دورا كبيرا في العمل الاذاعي اذ يقع عليه عبء ضبط الصوت وتسجيله حتى وصول المادة الاذاعية الى اذن المستمع ثم الحفاظ على الاشرطة في المكتبة الصوتية ويفصل المؤلف في صفات المهندس الاذاعي الشخصية وذائقته الفنية. ويتحدث المؤلف عن (الصوت) في فقرة خاصة كمادة رديفة للعمل الهندسي الاذاعي معتبرا الصوت هو المنتج الاساسي في العمل الاذاعي ومتحدثا عن الصوت كمادة فيزيائية تشكل موجاته الطويلة والعرضية ومؤكدا ان الاذن البشرية تعد من اجود وأدق الاجهزة السمعية الطبيعية، اما مصادر الاصوات فهي عديدة ومن اهمها عند الانسان الحبال الصوتية وفي الآلات الموسيقية اما الاوتار او الاعمدة الهوائية وان اهم الاشياء التي ينبغي معرفتها هنا انه اذا انخفض التردد كان الصوت غليظا وكلما ارتفع التردد كان الصوت حادا وبين الاصوات الغليظة والحادة عدة اصوات بترددات متعددة وسماع الصوت ذاته مرة اخرى يسمى الصدى ولحدوثه لابد من وجود سطح عاكس على مسافة من الاذن التي تستطيع ان تستمع الى الصوت ورجعه تفصلهما مدة زمنية بسيطة وهذا ما يعرف بالايكو، اما الرنين فهو الصوت غير المباشر الناتج عن انعكاسات الصوت الاصلي على الاسطح، وفي كل مرة يحدث فيها انعكاس يحدث امتصاص للصوت المنعكس الى ان يتلاشى نهائيا. ان الموجات القصار ومحطات تقوية وارسال البث المنتشرة في المحيطات والجبال والبحار رغم حيويتها كاسناد اساسي لمحطات البث الاساسية اصبحت اليوم تقنية قديمة تجاه الاقمار الصناعية التي اطلقت في الفضاء وسهلت عملية التقاط الاذاعات المرئية والمسموعة فضلا عن شبكة الانترنت. وعندما ينتقل المؤلف الى الاذاعة ودورها في تعميم الثقافة يناقش موضوع الثقافة كبناء علوي للمجتمع ودور الاذاعة في ايصال المادة الثقافية من خلال برامج مبسطة او متخصصة للمستمعين طبقا لمستوياتهم الثقافية التي تدفعهم الى تغيير مؤشر المذياع او ايقافه عند «صوت» البرنامج المذاع، ثم يتحدث المؤلف عن الاذاعة وعلاقتها بوسائل الاتصال الاخرى كالسينما والشاشة الصغيرة ثم عن الادب في الاذاعة ودور الاذاعة بالتعريف بمختلف الانشطة الادبية عن طريق البرامج والندوات والمسرحيات المعدة وفي باب (ما هو شكل الادب الاذاعي وملامحه) يقف المؤلف عند العلاقة الحميمة والضرورية بين الادب والاذاعة فعلى الكاتب الاذاعي ان يكون ملما بقواعد الدراما وخصائصها وكيفية تطور الصراع ونموه والعقدة وعناصر التشويق.. الخ وعليه ايضا المعرفة التامة بـ (التخيل) لان الاذاعة فن الرؤية بالاذن ولابد للكاتب الدرامي ان يكون ملما وعارفا بالامكانات التقنية المتاحة وخصائص الميكروفون كوسيلة هندسية صوتية ناقلة للعمل المدون ويفصل المؤلف طويلا في خصائص الميكروفون التي منها انه يخاطب الاذن متجها اساسا الى خيال المستمع وانه يعطي الكاتب الاذاعي حرية التنقل عبر الزمان والمكان وان الموسيقى المصاحبة للمسامع او الفواصل هي المعين الآخر والاساسي للكاتب الاذاعي للانتقال عبر الازمنة والعصور وللتأثير المباشر على المتلقي عبر الميكروفون وان الميكروفون كذلك يمتلك وسيلة اتصال مباشر بالمستمع في اي مكان يكون ويغطي الفصلان التاليان لهذا الكتاب تفصيلات اخرى عن البناء الاذاعي كوسيلة اتصال ومن فقرات الفصل الثاني: التمثيلية الاذاعية البناء الدرامي علاقة المخرج الاذاعي الدرامي بالنص ـ التنفيذ ـ علاقة المخرج الدرامي بالممثلين ـ الموسيقى في التمثيلية الاذاعية ـ وظائف الموسيقى والمؤثرات الصوتية وفي وظائف الموسيقى في النص الاذاعي الدرامي نقف عند اربع وظائف اساسية هي اللحن المميز او المقدمة الموسيقية وموسيقى الانتقال التي تستخدم بين مسمع وآخر ثم موسيقى التصوير التي تستخدم كخلفية للحوار بحيث لا تغطي عليه تقنيا وغرضها تعميق حالة معينة من حالات التوتر او التصاعد لخلق جو نفسي يسهم في اضفاء التخيل عند المستمع ثم الضربة الموسيقية او الجملة الموسيقية التي تستخدم لا كنقلة بل للشد والتركيز على جملة ادائية معينة وتأتي فقرة المؤثرات الصوتية لتتحدث بلغة علمية مبسطة عن انواع المؤثرات وفوائدها اذاعيا. ويشمل الفصل الثالث المادة الخاصة باخراج البرامج بأنواعها الثقافية والدينية والخاصة والمونتاج الاذاعي والبرامج التعليمية ثم دراسة عملية رجع الصدى بالنسبة لكافة برامج الاذاعة الى مدى وصول الرسالة الاذاعية وتأثيرها سلبا أم ايجابا على المستمع. ان هذا الكتاب بلغته العلمية المبسطة يكثف عملية البناء الاذاعي بمختلف تقنياته ووسائله وأنواعه الخدمية للمستمع وهو مفيد للقاريء العام والخاص. باسم عبدالحميد حمودي