تأتي أهمية هذا الكتاب (الفتح الاسلامي لمدينة كابول) لمؤلفته د.اصلاح عبدالحميد ريحان في انه يتناول بالتحليل الفترة التاريخية التي شهدت دخول الاسلام الى مدينة كابول التي صارت محط انظار العالم كله بعد أحداث 11 سبتمبر الماضي وماتلاها من حرب أمريكية ضروس ضد تنظيم القاعدة في افغانستان مازالت تدور رحاها حتى الآن. وقبل الدخول في تفاصيل دخول الاسلام الى هذا المكان من العالم حرصت المؤلفة ان تشير الى ان ولاية (كابول ) كما أوردتها في الكتاب تعد من أشهر مدن العالم القديم وهي تشبه المدن القديمة كبابل ونينوى وباميان وقال عنها المؤرخ اليوناني هيرودوت انها كانت تشتهر منذ فجر التاريخ بالتجارة حيث كانت سوقا تجارية تتجمع فيها السلع من الصين والهند وخراسان وتنقل منها الى أسواق اليونان والرومان وذكر أيضا ان كابول كان يطلق عليها اسم (كسبا يتروس) وقد اخذت تجارتها تشق طريقها من عصر الاسكندر وماتلاه نحو البحر المتوسط. وقد استطاع الامبراطور كورش الارياني أن يبسط نفوذه وسلطانه على هذه الولاية في عام 545ق.م، ثم خلفه ابنه كامبوجيا (قمبيز) الذي حكم ايران فيما بين عامي 529 ـ 523ق.م وظلت المدينة تحت سيطرته، أما في فترة حكم الملك دارا (داريوش522) ق.م فقد كانت كابول ضمن فتوحاته، ومن المعروف تاريخيا أن الاسكندر الأكبر المقدوني دخل منطقة فارس عام 330ق.م في عهد (داريوش الثالث) وحل نظام ملكها بعد سيطرته على ايران، ثم يمم وجهه شطر كابول عن طريق قندهار ولكنه مني بهزيمة ساحقة ومقاومة ضارية من الشعب الافغاني الذي أمطره بوابل من الثورات العنيفة وتوزع ملكه بين أعظم اثنين من قواده هما بطليموس وسيليوكوس الذي كانت كابول من نصيبه وذلك اثناء الحكم اليوناني في آريانا، وقد تدخلت أسرة الموريا الهندية في منطقة جنوب هندوكوش وقامت بمجهودات عسكرية وحربية واستطاعت تحت قيادة جندرا كويتا عام 323ق.م ان تلحق بسيليوكوس هزيمة ساحقة وتبسط سلطانها على هذه المناطق وبالاخص كابول ، حيث اعتبر الهنود ان كابول من أقدس مناطقهم الدينية وذلك لوجود معابد الشمس بها. ولقد استطاعت البوذية والدعاة البوذيون ان يتسللوا الى كابول ومايجاورها من البلدان، كما اثر الفكر اليوناني في المدينة فظهرت الفنون اليونانية والهندية البوذية، وليس في الامكان انكار الاثار الحضارية التي تركتها هذه العناصر الاجنبية، حيث تقدمت صناعة التماثيل بها والصناعات النحاسية والفضية والجواهر، كما تطورت بها صناعة الأسلحة فظهرت السهام والأقواس والخناجر واستعمل الفيل الهندي في الحرب، كما ارتقت اللغة اليونانية في كابول. ووفقا لما ذكرته المؤلفة فإن الاسلام عرف طريقه الى مدينة كابول في عام 31 ـ 650م في عهد الخليفة عثمان بن عفان، حيث شهد هذا العام دخول قوات القائد العربي عبدالرحمن بن سمرة الى المدينة بعد حصار لها استمر سنة كاملة، وبعد هذا الفتح ترك عبدالرحمن بن سمرة المدينة تحت قيادة أبي رفاعة تميم بن أسيد العدوي وجبير بن مطعم وعبدالله بن جابر مع عدد من العلماء منهم الحسن البصري لتعليم أهل كابول فرائض الدين الاسلامي والآداب الاسلامية، وفي عام 35 هـ توفى الخليفة عثمان بن عفان ومات في أثره ملك كابول وكان يدعى (الكوشاني الأعرج) وخلفه ملك آخر يدعى جيبال، وهذا الاخير استغل فرصة وقوع الخلافات في الدولة الاسلامية بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان واشاح بوجهه عن تأدية الخراج، بل وقام وعلى حين غرة بقتل أبي رفاعة تميم وجبير مع بعض أصحابهم الذين تركهم ابن سمرة في كابول وهؤلاء دفنوا في مكان شهير بالمدينة يطلق عليه حاليا مقبرة الشهداء الصالحين، ولكن في عهد معاوية بن أبي سفيان عادت الأمور الى ما كانت عليه ودانت كابول مرة أخرى للخلافة الاسلامية. ولم تتوقف المؤلفة عند هذا الحد بل حرصت على تقديم صورة للنظام الاجتماعي والتاريخ الحضاري لكابول ، فمثلا اشارت الى انه فيما يتعلق بملوك كابول تم الاصطلاح تاريخيا على ان حكومة كابول شاة وهو لقب ملك كابول وهو لقب عام، أما المؤرخون العرب فأطلقوا عليه لقب رتبيل حتى القرن الثالث، حكومة كانت قوية وذلك لأن هؤلاء الملوك كانوا رجال حرب وسياسة وبأس شديد بعد سيطرتهم على مناطق نفوذ واسعة تمتد من حدود السند شرقا وحتى بلوشستان ووزير ستان جنوبا، وسجستان غربا، وملك كابول لابد أن يكون من طبقة الاكشتارية أي من طبقة المحاربين العسكريين الاشراف ويذكر الرحالة الصيني هيوان تسنك الذي كان قد زار كابول قبل الفتح الاسلامي ان (كابول شاه) من طبقة الاكشتارية وهو رجل عاقل ذو عقل راجح وعالم شجاع له عزم وشدة بأس ويقيم على الدوام الحفلات بمناسبة صنع تمثال من ذهب لبوذا، ويعطي المنح والعطايا للرجال والنساء الفقراء وهو رجل يعتنق البوذية. سكان أصليون وحول النظام الاجتماعي في كابول أشار الكتاب الى أن كابول يقطنها عناصر متعددة من الأجناس المختلفة فهي خليط عجيب من البشر أهمهم الافغان وهم السكان الأصليون لكابول ومعروف ان الاسم الوطني الذي يطلق على الافغان هو البشتون ويتميزون بقوة البناء الجسماني وسمرة البشرة ويعملون في الزراعة والتجارة، والهنود الآريون وكان منهم الحكام والوزراء كما كانوا يعملون التجارة وبيع الذهب ومنهم من كان يعمل بالزراعة ويطلقون لحاهم ويلبسون الزي الهندي، أما الطاجيك فهم اسم قوم كان يستعمل للدلالة على العرب بمعنى تازي أي مهاجم على قول بعض المصادر وان كانت غير مؤكدة وهم يتحدثون الفارسية ويقطنون جبال كوه وامن ووادي لوكر جنوب كابول وهم مسالمون يعملون بالزراعة ويمتازون بالبشرة البيضاء والقامة المتوسطة. كما تشكل القبائل التركية طائفة من سكان كابول وقد استقر معظمهم في القرى الزراعية، ويتبعون في نظامهم المعيشي النظام القبلي، كما توجد جماعة البلوج وهم ينسبون الى بلوشستان ويمتدون الى السند شرقا ومكران وسجستان غربا ويتحدثون اللهجة البلوشية وهم طوال القامة ومن ضمن السكان أيضا قبائل الكافرية حيث يعيشون في جبال كافرستان وكانت ديانتهم مذهبا من المذاهب الهندية. وتتميز منازل كابول بأنها بسيطة ذات طابق واحد ومبنية من الطوب اللبن أو الأخشاب ويحيط بكل منزل سور وبداخله حديقة واسطبل للماشية، كما تتميز الحياة الافغانية بنظام الاسرة المترابطة حيث يعيش الابناء مع الوالدين وتنظر الزوجة الافغانية الى الزواج على انه رباط مقدس، والزي هناك لون من ألوان الحضارة يميز كل مجتمع انساني على حدة، فالرجال يلبسون سروالاً واسعاً من القطن وفوقه قميص، فوقهما عباءات تسمى جبان وتلبس في الشتاء، في حين تتكون ملابس المرأة من سروال وفوقه قميص طويل وعباءة تسمى جادر وهي تغطيها من قمة رأسها حتى أطراف قدميها. القاهرة ـ «بيان الكتب»