يضم هذا الكتاب (المواطنة في زمن العولمة) لمؤلفه السيد ياسين مجموعة من الدراسات التي تتناول المفهوم الجديد للمواطنة في ظل العولمة أو بالأحرى التغيرات التي لحقت بهذا المفهوم في سياق ظاهرة العولمة باعتبارها عملية تاريخية لها أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية ظهرت بوادرها منذ انهيار المنظومة الاشتراكية ممثلة في الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثم انهيار النظام الدولي الذي كان قائما على التوازن ثنائي القطبية (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية)، وبالتالي هيمنة قطب واحد على العالم هو النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة. ويرصد الكتاب التغيرات التي انبثقت عن العولمة، وعلى رأسها تراجع المفهوم القديم لسيادة الدولة، والاتجاه الى حرية تدفق السلع والخدمات ورؤوس الأموال والمعرفة بلا قيود أو حدود، وهو التدفق الذي وصل الى ذروته مع ثورة المعلومات الكونية الجديدة وتكنولوجيا الاتصال المتقدمة وعلى رأسها الانترنت كما يرصد الكتاب ـ من جراء العولمة ـ ظهور تكتلات اقليمية جديدة أبرزها الاتحاد الأوروبي الذي افضى الى وحدة سياسية واقتصادية أوروبية جديدة ذات أثر كبير على حقوق المواطنة بمعناها التقليدي السابق على العولمة، حيث ظهرت مايمكن تسميته بحقوق المواطنة الاوروبية الى جوار حقوق المواطنة الفرنسية أو الانجليزية أو البلجيكية.. وهكذا. ويشير السيد ياسين الى المفهوم التقليدي للمواطنة باعتباره مفهوما قانونيا في المقام الأول يرتب للمواطن مجموعة من الحقوق والواجبات المدنية والسياسية مثل حق الجنسية وبطاقة الهوية وجواز السفر والعمل والتملك والترشيح والانتخاب وكذلك واجباته في دفع الضرائب واداء الخدمة العسكرية، ثم يقدم المؤلف مجموعة من اراء كبار المفكرين الأوروبيين التي تشكل مجمل الجدل الثقافي الصاخب حول العولمة واثارها في أوروبا وبالذات اثر العولمة على مفهوم المواطنة بمعناه الذي استقر مع نشأة واستقرار الدولة القومية. وحول وضع المواطنة في العالم العربي وآفاق تغيرها في ظل العولمة يتبنى السيد ياسين تعريفا للمواطنة يربطها ربطا وثيقا بالديمقراطية ويرى انه لا وجود للديمقراطية دون اعمال فعلي لمبدأ المواطنة كما انه ليست هناك مواطنة كاملة في سياق سياسي غير ديمقراطي (بعبارة أخرى فإن غياب الديمقراطية وسيادة الشمولية التي تقضي على المجتمع المدني بالكامل والفرد معا، أو السلطوية التي تقيد تقييدا شديدا من حركة المجتمع والفرد، لابد ان تؤدي الى فقدان اعضاء المجتمع لحقوقهم في المواطنة، واهمها الاعتداء على حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحكم القضاء على حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم السياسي والنقابي واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني). ويعرض المؤلف لآراء عدد كبير من المفكرين العرب على اختلاف مشاربهم الايديولوجية حول مفهوم المواطنة، لكنه يتوقف عند رأي المفكر اللبناني القومي قسطنطين زريق الذي يرى أن المواطنة لا توجد بالطبع أو السليقة وانما تكتسب اكتسابا بمقدار مايبذل ابناء الوطن من تضحيات من أجلها، ويبلور زريق فلسفته حول المواطنة في مبادئ اساسية اصبحت اليوم في عصر العولمة ـ كما يقول السيد ياسين ـ محل اجماع عالمي وهي تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق العيش الكريم لكل مواطن وتأكيد روابط الانتماء للوطن والذي لا يتعارض ـ بل ينبغي ان يتكامل ـ مع الانفتاح الحضاري على العالم مع ملاحظة أن أحد معايير التقدم ستكون مدى اسهام المواطنين في ضوء انجاز مجتمعاتهم في الحضارة الإنسانية. القاهرة ـ «بيان الكتب»