عبر مجموعة من المقالات تتعلق بالأحداث والمفاجآت المتتابعة التي تمخضت عن اعمال العنف يوم الحادي عشر من سبتمبر بتفجيرات برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن يقدم الباحث والمؤلف محمد عدنان سالم هذه المقالات لتعبر عن تساؤلات مهمة وتبحث في جذور ما خلف هذه الأحداث وتشير الى موقف الإسلام وتبينه في ظروف اختلطت فيها الحقائق بسوء الفهم حيث تحتاج الى وقفة تأمل من مفكري العالم الذين تناولوا الأحداث بالتعليقات المختلفة، متسائلاً الى اين تسير هذه الاحداث وما النهاية التي ستنتهي اليها وهل ستجد من يكبح جماحها وكيف سيكون ذلك؟ ففي مقالته الأولى ردة الفعل يرى محمد عدنان سالم ان بشاعة الحدث الذي تعرضت له امريكا وحول الصدمة الكبيرة التي اذهلتها تسوغ لها ان تحرك عضلات في كل الاتجاهات دفاعا عن النفس وتأكيداً للوجود وانتقاما من الجناة واعادة للاعتبارات وفرضا للهيبة حيث لن يتردد احد في شجب العملية المروعة التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن وفي الشعور بالأسى للدماء التي اريقت والنفوس التي ازهقت وركاب الطائرات الذين سيقوا الى حتفهم من غير ذنب والموظفين الذين دفنوا تحت انقاض مكاتبهم التي بكروا اليها لاداء واجباتهم.. فالدم الانساني حرام أيا كان الدين والعرق الذي ينتمي اليه وسفكه من غير حق هو عدوان فاضح على الجنس البشري كله. لذلك لن يماري احد في حق الولايات المتحدة في تعقب الجناح والالحاح في البحث عنهم وانزال اشد العقوبات بهم بعد التثبت من ارتكابهم الجريمة او ضلوعهم في المساعدة عليها.. لكن هذا التحرك العسكري السريع اذا كان مسوغا على صعيد رد الفعل الغريزي الذي هو قاسم مشترك بين الانسان وسائر الكائنات الحية فإنه ليس مبررا على صعيد العقل الذي تميز به الانسان عن تلك الكائنات. وفي مقالته الثانية تحت عنوان «الاسلام والحدث الكبير» يرى محمد عدنان سالم انه لا شك ان ما حدث في نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر هو حدث انساني كبير يهم العالم بأسره وسوف يشكل منعطفا تاريخيا حاداً يصلح لأن يؤرخ به حيث من غريب المصادفة ان يأتي في السنة الأولى من الألفية الثالثة ليكون بداية لها تؤرخ به. ويتساءل مدير دار الفكر قائلا: فأين كان موقع الاسلام من الحدث وما كان موقفه منه بوصفه المرشح الأول للمواجهة مع الغرب في صراع الحضارات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما صوره هنتنجتون وصادقت على هذه الصورة تاتشر وكثير من المفكرين الغربيين؟ لذلك لم يتردد الأمريكيون فور وقوع الحادث من وضع الاسلام في قفص الاتهام كأبرز اصحاب السوابق المشتبه بهم كعادتهم كلما تلقوا ضربة حتى لو تبين لهم ان بعض هذه الضربات لم يكن له يد فيها. وعندما تختل الموازين وهو المقال الثالث في هذا الكتاب الجديد يتساءل المؤلف هل ادرك الأمريكان سر الفتنة وينابيع الارهاب أم أنهم لا يزالون تحت تأثير الصدمة يعيشون وهم القوة والاستكبار تعوزهم الحكمة والفطنة لمعالجة المشكلة من جذورها الكامنة بدلا من التلهي بإيقاد نيران الفتن والبغضاء وتأجيج المزيد من الارهاب وبث الرعب والدمار والخراب. فأيهما الأجدر بالمكافحة الظلم ام الارهاب حيث للظلم وجه واحد كالح لا تنفع معه محاولات التجميل ولون واحد اسود حالك لا سبيل لتصنيعه وتعريف واحد متفق عليه في اللغة والاصطلاح وهو حرمان الانسان من ممارسة حقه او بعض حقه بالاكراه او الاغتصاب أو وضع اليد. أما الارهاب فإنه حمال اوجه ومتعدد المفاهيم لم يتفق له على معنى محدد او تعريف جامع مانع بعد، لذلك ما معنى التحالف لمكافحة الارهاب اذا كانت تهمة الارهاب توجه للطفل الفلسطيني الذي يواجه الدبابة الاسرائيلية بالحجر تعبيرا عن وجوده ويجود بنفسه فداء لامته ووطنه ويسكت عنه عندما يمارسه الاسرائيلي اغتصابا للأرض وهدما للمنازل واقتلاعا للأشجار واغتيالا للرجال وقتلا للنساء والأطفال. وما معنى ان يطلب مكافحو الارهاب من المظلوم ان يلزم الهدوء ويكف عن البكاء ولا يطلبوا من الظالم ان يتوقف عن ظلمه ولو على سبيل التلطف والرجاء. ويخلص الباحث عدنان سالم في مقاله الرابع للقول فهل ادركنا الآن ان الاجدر بالعالم المتمدن ان يتحالف لمكافحة الظلم لكي يختفي الارهاب وتموت جذوره وان الارهاب سيبقى مادام يمارس بحرية وتأييد وأن مكافحته على السطح تغذي جذوره في الاعماق. وعن امريكا حضارة تتكلس يشير المؤلف سالم في مقالته السادسة والأخيرة مشفقا على الحضارة الامريكية وقد قطعت شأوا بعيدا في مضمار التقدم الانساني ان تتحنط وتتكلس وتتقوقع مشيرا الى تجربة العرب والمسلمين في هذا المضمار وهي اقدم واعرق من التجربة الامريكية قائلا: لعل اهم تجارب التخلف والانتكاس الحضاري الذي نحذركم منه ويقصد الأمة الامريكية هو الجمود الذي ينجم عن التقوقع والتكلس والتحنط والانكفاء على الذات والاعجاب بالرأي وتنزيه النفس واحتكار الحقيقة ونفيها عن الآخر ثم نفي الآخر معها. لقد خدعتنا الشعارات البراقة فحجبتنا عما وراءها من حقائق ومضامين وقد جمدت افكارنا وحجرت على عقولنا وردتنا الى التيه نتلمس طرق الخروج فهذه عبرة تجربتنا نقدمها آملين ان تتمكنوا من التحرر سريعا من اسر الشعارات وتزييف الاعلام والاختباء وراء التماثيل. غزوان عمر