الباحثة الايطالية ايزابيلا كامرا دافليتو واحدة من اهم الدارسات للادب العربي المعاصر، واستاذة للدراسات العربية في جامعة نابولي، ترجمت العديد من الاعمال الادبية العربية الى الايطالية، كما انها ساعدت على نشر العديد منها، وهي استاذة فاعلة وهامة في حركة الثقافة وعنصر هام في العلاقة الادبية العربية ـ الايطالية. والكتاب الذي بين ايدينا الموسوم «الحضور العربي الاسلامي في المطبوعات الايطالية» الذي اعدته واشرفت عليه ايزابيلا كامرا دافليتو، كان قد صدر في الاصل باللغة الايطالية، ثم صدر بلغة عربية سليمة وواضحة عبر سلسلة مجموعة كتب ودفاتر ايطالية، وهذه السلسلة تصدر عن مؤسسة الدولة للطباعة والصك في روما. وتديرها الايطالية انجلا بادلارو. في هذا الكتاب نجد التقديم الذي كتبه كل من جوفانا ملاندري وزيرة الثروة والنشاطات الثقافية الايطالية، وفرانتشسكو سيتثيليا مدير عام المكتب المركزي لثروة الكتب والمؤسسات الثقافية والنشر في روما. وهاتان المقدمتان تتحدثان عن اهمية الثقافة العربية ـ الاسلامية وكذلك اهمية الترجمة في تبادل التجارب الثقافية والاطلاع على ثقافات الشعوب الاخرى. يقول فرانتشسكو «الثقافة العربية معروفة في العالم منذ قرون، اما ما قدمه العالم العربي للحياة الثقافية في بلادنا فمازال مجهولاً في ايطاليا، ويوماً بعد يوم يتضح ان من يملك سلوكاً متعلقاً يدفع الاخرين الى الاعتقاد بان سلوكه هنا نتيجة رغبة في الانطواء والانزواء على النفس، وهذا يسري على كل جماعة بشرية سواء كانت عرقية او دينية او ثقافية. كما يبدو جلياً ان مستقبل البشرية الاكيد هو في قيام جماعة عالمية وان الانفتاح بشكل ذكي وبناء هو الطريق للاسهام في بنائها». اما التمهيد الذي كتبته ايزابيلا كامرا فقد كان بمثابة منهج بحثي دراسي يعتمد على طبيعة وحجم الاهتمام الايطالي بالثقافة العربية الاسلامية، ومحدودية النشر او التراجم التي اهتمت بها بعض الهيئات والمعاهد والجامعات المتخصصة بالدراسات الشرقية. كما تحدثت في هذه المقدمة عن تاريخ هذه العلاقة من الجانب المعاصر بالاشارة الى ان اول معهد اهتم بهذه الدراسات هو «معهد الشرق كارلو الفونصو نالينو» عام 1921، وقد بينت ريادة هذا المعهد ودوره في التعريف بالثقافة العربية، ثم قدمت دراسة مكثفة عن دور النشر التي قامت بهذا الدور، وخاصة فيما يتعلق بالترجمة وانعكاس ذلك على حركة النشر، وخروج الاهتمام من الوسط الجامعي الاكاديمي الى اوساط اخرى اهتمت بالثقافة العربية فقدمتها للقاريء الاكاديمي وبذلك خرجت من محدوديتها الى قطاع واسع، تقول كامرا «يجب القول ان العديد من الكتب المتوفرة في السوق اليوم ليست من انتاج الاخصائيين الجامعيين وانما من وضع دارسين لمادة او لمسألة معينة او كتبها دارسون شباب نشروا فيها بواكير ابحاثهم، ساهم كل هؤلاء في اغناء حقل المعرفة بالعالم العربي الاسلامي». وتواصل ايزابيلا كامرا دراستها عن واقع وتاريخ ومستقبل هذه التجربة، وتقدم تحليلاً علمياً ومبرمجاً لكل هذه التجربة على اتساعها مع الحديث عن جوانب النقص فيها مثلما تتحدث عن جوانب التجلي والابداع. ثم تتناول الكتاب لتقول بتواضع العلماء انها لم تستطيع في هذا الكتاب «ان تورد كل ما كان يمكن ايراده» على حد تعبيرها. نقرأ في هذا الكتاب «القرآن الكريم في المطبوعات الايطالية» للكاتب سرجو نويا نوسيدا، وهي دراسة بانورامية تاريخية عن الترجمات المتعددة عبر التاريخ للمصحف الشريف، مع النقد او وضع الملاحظات لتلك الترجمات وظروفها ومن قام بها والطبعات المتتالية عبر عصور مختلفة لهذه الترجمات. وفي محور واسع ومتشعب عنوانه «المقوم الاسلامي في التاريخ العربي وفي الثقافة العربية» نجد ان عدة باحثين تناولوا هذا المحور، ولكل باحث مسار ينطلق منه ويتحدث في اطاره. فمثلاً بيانكاماريا سكارشا امورتي يتحدث عن مسار القضايا، اما ليوناردو كابتسونه فيتحدث في مسار الموضوعات، وهنا يقدم دراسة عما ترجم من كتب او موضوعات، ونقدها، او نقد دورها، او حتى الذين كتبوا فيها وهو يقول في اطار دراسته هذه. نلاحظ ان ما هو غائب اكثر مما هو حاضر. فبالاضافة إلى غياب العناوين نلاحظ غياب المسارات والمواضيع وغياب مشاريع مطبعية تشمل الحضارة العربية الاسلامية في خطاب مفصل حول وحدة حوض البحر الابيض المتوسط، وتعطي القاريء غير المتخصص رسماً لتلك الحضارة وللعالم العربي المعاصر نوضح فيه تأثيرهما بمعانيه المختلفة ويصبح الحديث عن كل عنوان امراً غير يسير لاننا سنحتاج الى مساحات مضاعفة للنشر. وتختار من تلك النماذج كتبته ايزابيلا كامرا حيث تتحدث الباحثة عن طبيعة ومستوى وحجم الترجمات الايطالية للادب المعاصر منذ بداية القرن العشرين، واهم العوامل والاسباب التي ادت الى تحجيم هذه التراجم واهتمامها بالحائزين على الجوائز العالمية من العرب ، أو حتى عدم معرفة بعضهم حتى فوزه بتلك الجوائز. وهي دراسة هامة ومؤشر لحجم معرفة المثقف الايطالي او الادبي بالادب العربي المعاصر على الرغم من اتساع حجم الانتاج الادبي وتعدده. كما تؤشر هذه الدراسة اسباب فشل وصول المنجز الادبي المعاصر للقاريء الاوروبي، تقول كامرا «اسباب الفشل عديدة، تعود في بعض الحالات لعدم استجابة القاريء الايطالي، وفي حالات اخرى لعدم دراسة الناشر الذي قد يقدم لقرائه ترجمات ركيكة تكاد تكون ترجمات حرفية عوضاً عن ان تكون ترجمات أدبية، وقد تكون مرصوصة بالحواشي الفصيحة التي قد تناسب نصاً اكاديميا وليس قصة...». عبد الإله عبد القادر