من المعلوم بداهة ان قلب الأبوين مفطور على محبة الولد ومتأصل بالمشاعر النفسية والعواطف الأبوية لحمايته والرحمة به والشفقة عليه والاهتمام بأمره ولولا ذلك لانقرض النوع الإنساني، من الارض ولا يخفى على أحد ان القيام بهذه المهام يحتاج الى مؤهلات علمية وثقافية وفكرية، فهي مسئولية خطيرة بل هي الركيزة الاساسية لدخول الولد ابواب الحياة بكل ثبات وقوة ولا يتأتى ذلك اذا لم يكن المربي على مستوى رفيع يؤهله لتوصيل الأمانة وبلوغ الغاية بأكمل وجه فإذا لم يكن المربي على ذلك المستوى فمن الصعوبة تحقيق ذلك، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه ومن الضروري البحث عن طرق لإيصال ذلك الهدف وتحقيقه لدى كل أب فمن أكثر الأمور إعاقة لتحقيق ذلك كون فارق السن كبيراً بين الأب والولد وهو ما ينتج عنه تصادم في الثقافات والعادات والتقاليد وعدم فهم الاول لاحتياجات الثاني فهناك فارق كبير بين جيل الأجداد وجيلنا مثلاً وهذا ما لا يفهه كثير من الآباء، الشيء الذي يجعل الأبناء يفتشون عن احد يتعلمون منه غير آبائهم وهذا ما يؤدي الى تفكك الاسر وضياع الجيل الذي نعلق عليه الاماني والآمال. وللوقوف على هذه المشكلة كان لـ «دنيا الناس» هذه الوقفة. يقول جعفر الفردان مدير مدرسة السعيدية الاعدادية إن احد افرازات زواج كبار السن هو وجود الهوة السحيقة بين الآباء والأبناء مما يعني تغيراً كاملاً في الذوق والتفكير والتوجه والمباديء فالفارق العمري الذي يصل الى 30 سنة فأكثر يعني ان هناك فروقاً شاسعة لايمكن ان تجد خطوط التقاء مما يجعل الشرخ يكبر بين الأب وابنائه الصغار خصوصاً في هذاالعصر المتغير والمتسارع الخطى. حيث إن الاتصالات والانفجار العلمي الذي يشهده العالم يغير كثيراً في سلوكيات وأخلاقيات الناشئة مما يفقدهم الاصالة والشعور بالانتماء الى الاسرة ان كانت كبيرة أو صغيرة. ونحن التربويين تزداد حدة المعاناة لدينا ونحن نشاهد مواقف يندى لها الجبين جراء تصرفات يقوم بها الأبناء تجاه سمعة الاسرة وتجاه آبائهم ونشاهد في بعض الاحيان كيف يتعامل الابن مع الأب ونلمس مشاهد من الحدة في الحوار والمناقشة. كما يرفض الابن الانصياع لأوامر الأب وتوجيهاته وما نسمعه الان عن بعض الجرائم التي يرتكبها الأبناء تجاه آبائهم وتجاه افراد الاسرة مما يعني تفاقم الهوة بين الاجيال وتباعد خطوط الالتقاء فالأب يعيش الماضي وقليلاً في الحاضر اما الابن الذي يعيش الحاضر بعقلية المستقبل وكلاهما كضلعين متوازيين لا يلتقيان وهي قضية غاية في الاهمية والخطورة. وللأسف ان الظاهرة في ازدياد ومكانة الأب واحترامه اصبحا من مخلفات الماضي ومن التراث الذي يرفض الأبناء الانصياع له. اخيرا اعتقد ان العودة للدين واخلاق الاسلام هي الحل الاكيد لردم الفجوة بين الآباء والأبناء. مهمة الأب ويقول سامر محمد طالب جامعي: ان من اصعب المهام التي توكل للإنسان في حياته هي تربية الاولاد فهي ليست بالمهمة السهلة بل يعد نجاحها غاية في كثير من الاحيان فأنت عندما تستطيع تربية اولادك تربية حسنة تحمل الفضيلة والاخلاق والتدين والالتزام والآداب يعني انك ساهمت في تكامل المجتمع السليم الذي تسعى جميع الامم لإنشائه غير ان كثيراً من مشكلات التربية تأتي من الآباء انفسهم وليس من الأبناء وتحضرني قصة وهي ان رجلاً جاء الى امير المؤمنين عمر بن الخطاب ومعه ابنه يشكوه بأنه يعقه ولا يسمع كلمته فقال الولد لأمير المؤمنين عمر: يا أمير المؤمنين لم يعلمني القرآن ولم يحسن تسميتي ولم يختر لي اماً صالحة فقال أمير المؤمنين للأب عققت ولدك قبل أن يعقك. ويضيف: يجب على الآباء ان يتعلموا بداية كيفية التربية وان يطلعوا على الوسائل الجديدة والحديثة التي عني بها علم التربية لكي لا يجدوا هوة كبيرة بينهم وبين ابنائهم ومن المشكلات التربوية ايضا كون فارق السن بين الأب والأبناء كبيراً بحيث انك تجد الأب مثلاً يفوق الستين من عمره والولد عمره لا يتجاوز السنوات العشر ففي هذه الحالة من الطبيعي ان نرى عقوقاً من طرف الولد والا نرى تقارباً ولا انسجاماً ولا تواصلاً فالفترة الزمنية تجعل الامر يزداد صعوبة فترى الأب لا يستطيع متابعة ابنه مما يشعر الولد بالاهمال وهذا الشعور يدفعه لتجنب البيت والبحث عن اصدقاء يعوضونه هذا النقص حتى أنك ترى الولد في واد والأب في واد آخر بسبب تغير كثير من المفاهيم والعادات والتقاليد فالأب يريد أن يكون ابنه نسخة منه وبمعنى أصح يريد ان يربيه في عصر غير عصره هو يطلب منه فعل أشياء كانوا يفعلونها منذ سبعين عاماً ولا يرى الولد أحداً يفعلها في هذا الوقت فكيف ينتظر مثل هذا الوالد أذناً صاغية من ابنه. غرس القيم ويقول عبدالرحمن الجابري (موظف): تنبع اهمية التربية من شعور الوالدين بأن ابناءهم اكبادهم تمشي على الارض ان هبت الريح على بعضهم امتنعت اعينهم عن الغمض ولما كان الأبناء بمنزلة الاكباد كان الدافع للحفاظ على الابن هو الحفاظ على الذات وكما يقول علي كرم الله وجهه لابنه الحسين وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئاً لو اصابك اصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني وعلى ذلك فقد ظهرت الحاجة في التربية الناجحة الى حالة من العلاقة التفاعلية القائمة بين الأب وبين ابنائه هذا التفاعل الذي يمثل الوقود لخلق ابن صالح عماده التقارب النفسي والفكري بين الطرفين وهو العامل الرئيسي في نقل الثقافات والتجارب والقيم وزرعها في نفوس الناشئة وتوارثها عبر الاجيال ولذا كانت التربية عملية غرس وزراعة وتحتاج الى ما تحتاجه الزراعة تماماً فالطفل الحدث هو كالأرض وعقله وقلبه يختزنان التجارب والأفكار والممارسات بصورة سريعة وهذا ما يلزم الأب بحسن توظيف الارضية وحسن تعهدها بالبذر الجيد والماء المنتظم والهواء والشمس. «وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء «قبلته». هذا ما قاله سيدنا علي كرم الله وجهه وعلى ذلك اوجب الاسلام الزواج ونصح بالتعجيل فيه ليكون الفارق الزمني بين طرفي التربية فارقاً بسيطاً يساعد على هذا التقارب النفسي والافكار المشتركة والتربية الفاعلة ومصاحبة الأبناء تحقيقاً للنظرية التربوية القائلة بأن الابن امير سبع وخادم سبع ووزير سبع «سبع سنين». ويواصل ان اشد التحديات في عالم اليوم وفي عالم التربية هي حالة الانفلات التربوي الناتجة عن عدم وجود نقاط التقاء في مستوى التفكير بين الأب وابنه وعدم وجود قواعد يمكن البناء عليها وبالتالي ضعف فرص الرقابة الاسرية ويزيد هذه التحديات ارتفاع مستوى الفارق العمري بين الأب وابنه مما يجعله فاقداً للسيطرة على الأخير لسبب بسيط وهو ان الأب يطالب ابناءه بسلوكيات وممارسات وربما آداب تغير مفهومها بسبب المحيط الخارجي وهو الشريك الاكبر في التربية وانحسر دور المنزل وتراجع مقارنة بدور اجهزة الاعلام والمجتمع والاصدقاء والمدرسة والانترنت وغيرها. لكل ذلك وجب قيام المؤسسة الاجتماعية الهادفة لتقصير وتصغير الهوة التربوية هذه المؤسسات من شأنها تشجيع فرص الزواج المبكر والتدخل من جانب الدولة لتزويج كل من يرغب بذلك ومساعدته وهنالك قول لسيدنا علي كرم الله الله وجهه يقول «لا تجبروا اولادكم على آدابكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». فكما ان لكل زمان دولة ورجال كما يقولون كذلك فإن لكل زمن قيمه وثقافته الخاصة به ونقل التجارب والثقافات بين الأب وابنه يساعد على تصغير حجم الفارق العمري بين الطرفين حتى لا تتحول التربية إلى نوع من صراع الأجيال وهي الظاهرة الأعم بين الآباء وابنائهم في العالم هذه الايام العالم الذي يسير نحو الطرح الاسري الهادم بدلاً من الالتقاء الاسري الهادف. تقارب العمر يقول سعد الفريح «طالب جامعي»: انه كلما كان الفارق العمري بين الأب وابنه كبيراً كلما كان الأب بعيداً عن هموم وأفكار وأحلام ولده ذلك لأن الأب في واد والابن في واد آخر وكلما كان الفارق بينهما قليلاً كلما كان الأب قريبا من هموم وافكار ابنه لان التقارب في العمر يصاحبه بالضرورة تقارب في الافكار والهموم والاحلام فبرأيي انه من الافضل ان يكون التقارب قليلا فإذا كبر الرجل مثلا واصبح في الاربعين من عمره فإنه يرى ابنه وقد اصبح في ريعان شبابه وبلغ العشرين فيريحه ويحمل عنه بعض الواجبات في حين نجد ان أناساً قد بلغوا الاربعين وابناؤهم لم يتجاوزوا العاشرة من العمر وكم أشعر بالفرح والسرور عندما امشي مع ابني واحد الناس يظنه اخي نظراً للتقارب بيننا في العمر وحتى على صعيد الابن فانه حينما يشب في رعاية والده وهذا الأخير في شبابه ايضا يقوم بواجباته ويمارس مشاغله فيعيش الابن في هذه الاجواء فتتحقق فائدة للابن كبيرة بخلاف ما ينشأ الولد ويكون والده قد بلغ من العمر عتيا فيعيش الابن اجواء من المعاناة التي يتعرض لها معظم كبار السن اي يتفاجأ الولد حين يكبر بمرحلة التعب وربما العجز التي وصلها والده وبالتالي أين لذة العيش مع الوالد؟ أين الاحتكاك والتربية بالقدوة؟ بالتأكيد ضعيفة أو على الأقل ليس كما لو كان الوالد ـ كما يقولون ـ في «عز الشباب» ومن ناحية أخرى يتبادر سؤال انه اذا كان الفارق كبيرا وكما قلت وصل الوالد لأعتاب مرحلة يحتاج فيها لمن يعينه فهل الولد على هذا القدر من التحدي الذي ينتظره؟ أي يصل الوالد والولد لمرحلة يكون فيها الطرفان قد وصلا لمرحلة يحتاجان فيها لاعانة على أية حال هذه الحالة تحدث حينما يكون الفارق كبيرا وحقيقة كلما كان الفارق أقل كلما تم تلافي مثل هذه التعارضات وكلما كانت العلاقة أجمل وذات فائدة أكبر للطرفين معا. ويكفي ان يكون الوالد يمتلك شابا يعتمد عليه في الكثير من الامور فيشعر بنفسه انه اثنان وايضا الولد يكون قريباً من والده ويشكل مرجعية مهمة له يعيش همومه ويكون الأقدر على تفهمها ومعايشتها خاصة وانها مرحلة لم تعد بعيدة كثيرا وقد يحاول الأب تحقيق احلامه التي لم يستطع تحقيقها في ابنه. العيش في الماضي وتقول لمياء الشامسي (موظفة): أستطيع القول ان التربية أمر شاق ومهمة صعبة تطورت بتطور الدراسات واستنتاجاتها وما نراه اليوم من ظواهر غريبة في المجتمع شاركت التكنولوجيا بشكل كبير في تفشيها وما تلك الفوارق الكبيرة التي نراها بين الآباء وأبنائهم إلا نتيجة لعدم ادراك الآباء ووعيهم وفهم لكثير من آليات تلك التكنولوجيا التي عاشها الأبناء واعتادوا عليها وأصبح من الصعب العيش بدونها فعصر الآباء وزمانهم غير عصر الأبناء وزمانهم فلم يكن في السابق كمبيوتر ولا انترنت ولا هواتف متحركة ولا سيارات فترى كل ذلك في متناول الصغير قبل الكبير ويجب على الآباء فهم شيء وخاصة الكبار منهم والذين تزوجوا وهم في سن متأخرة وأنجبوا أبناء أن أبناءهم يعيشون في جو كله تطور وكل يوم تطالعنا الصحف والمجلات باختراعات وابتكارات تذهل الجميع وأكثر الفئات فهما لها هم الذين يواكبونها من أبنائنا فجهل الأب في مثل هذه الأمور برأيي قد يسبب مشكلة تجعل كلا الطرفين يبتعد عن الآخر. شخصية الأب وتضيف: فالزواج في سن متأخرة مشكلة لها سلبيات كثيرة أصعبها حالاً الأولاد الذين يأتون بعد الزواج فتراهم يقعون في عدة أمور منها أمور اقتصادية فترى الأب لا يقوى على العمل لكبر سنه هذا إذا كان فقيرا وتراه يكره الضجيج والحركة وهذا ما يجعله في كثير من الاحيان بحالة توتر وقلق من حركة أبنائه داخل المنزل وتراه يفضل خروجهم ليستريح وتراه لا يستطيع متابعتهم دراسيا فهو حتى لا يستطيع مساعدتهم في فهم دروسهم وحل مسائل الرياضيات مثلا وترى الأبناء لا يرون تجاوبا ولا تقاربا من آبائهم بسبب ان فارق السن كبير لانهم يجدونهم لا يفهمون كثيرا مما يقصدون فالصداقة المطلوبة بين الآباء والأبناء لا تتأتى بمثل هذه الفوارق ولا ننسى ان الامر يعود بالنهاية الى الأب في حد ذاته، شخصيته اسلوبه مهمة للحياة مواكبته للعصر هذا كله يساعد على تقارب وجهات النظر بينه وبين أبنائه الصغار وبذلك يستطيع ترسيخ القيم والعادات والثقافات الاصيلة دون تضارب بين الحديث والمتغيرات. محمد زاهر