فتيات لم يبلغن بعد مرحلة المراهقة بسراويل فضفاضة ملونة ويغطين رؤوسهن بشالات غير مربوطة باحكام يلهون بمرح مع بعضهن البعض، واحداهن تحاول دفع فتاة اخرى من الرصيف الى بركة الماء في الطريق. وقد لايتخلفن عن اي فتيات من نفس الاعمار في اي مكان في المناطق الريفية في تركيا ـ غير ان معظمهن امهات ويحملن اطفالهن المقمطين داخل شراشف معقورة الى ظهورهن. هذا مشهد مألوف في اجارلار، البلدة الصغيرة في غرب تركيا والمحاطة ببساتين الزيتون وحقول القطن وحيث يتم تزويج الفتيات مع بلوغهن سن الرابعة عشرة، وبعضهن في سن العاشرة. ويقول عضو مجلس البلدة برهان بيلار (51 سنة): اي شخص فتى او فتاة لا يزال غير متزوج في سن السادسة عشرة او الثامنة عشرة يعتبر موضوعا على الرف، لقد تزوجت عندما كنت في الخامسة عشرة وزوجتي في الثالثة عشرة. وقد بدأت السلطات القلقة من ارتفاع نسبة المتغيبين عن المدارس الثلاث في البلدة، تكافح زواج الاطفال المراهقين باعتقال ازواج وآباء الاطفال المتغيبين عن المدارس وفرض غرامات مالية على اوليائهم. وتأتي الحملة ضد تزويج المراهقين، وهو امر غير قانوني اصلا ولكن يغض عنه الطرف، في وقت تبذل فيه تركيا جهودا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وقد رفعت الحكومة مؤخرا السن القانونية لزواج الفتيات من 15 الى 18 سنة، وجعلت التعليم اجباريا للاطفال حتى الصف الثامن بدلا من الصف الخامس ابتدائي. ودعت منظمة اليونيسيف ايضا الى تحريم زواج المراهقين مشيرة الى ان الامومة المبكرة تسبب معاناة جسدية ونفسية للفتيات. وقد اثارت التدابير التي اتخذت في اجارلار غضب سكان البلدة وجعلت المجتمع المغلق على نفسه في البلدة التي يبلغ عدد سكانها 9000 نسمة اكثر شبهة وحذرا من الغرباء. وقد اعتقلت الشرطة مؤخرا 40 من الرجال في البلدة، وبعضهم في سن المراهقة لكونهم متزوجين من فتيات لم تتجاوز اكبر هن سنا «الرابعة عشرة» ويواجه هؤلاء تهمة اقامة علاقات جنسية مع قاصرات. كما يجري التحقيق مع عائلات الفتيات لمعرفة ما اذا كانت تستغل بناتها. وقد يواجه رؤساء العائلات احتمال الحكم بالسجن حتى ثلاث سنوات لقبضهم مدفوعات مالية من عائلات الصبيان. وقد منع المحافظ المحلي كمال كوتن اقامة حفلات الزفاف للفتيات القاصرات وهدد باحالة أصحاب المطاعم والملاهي الى المحاكمة اذا سمحوا باستعمال محلاتهم لاقامة مثل هذه الحفلات. كما فرض كوتن غرامة قدرها سبعة دولارات على آباء الاطفال لكل يوم تغيب عن المدرسة، وهذا مبلغ ضخم بالنسبة لمواطني اجارلار الذين يعملون في الحقول ويبيعون المحاصيل الزراعية في الاسواق في محافظة ايدين. ويقول مدير احدى المدارس ان هذه التدابير قد اعطت مفعولها، ففي السابق كان حوالي ثلث التلاميذ من اصل 500 تلميذ في مدرسته يتغيبون عن الدروس، اما اليوم لا يتغيب سوى عدد ضئيل منهم. ويقول كوتن: ان شاء الله سينتهي هذا التقليد المعمول به في اجارلار منذ 200 سنة. وثمة أمر آخر يثير المخاوف ايضا وهو ان الزواج بين الاقارب شائع في القرية. ويقول احد المسئولين الصحيين ـ طلب عدم ذكر اسمه ـ ان الاطفال المصابين بعاهات خلقية بسبب زواج القربى ليسوا نادرين في اجارلار. وماذا يقول اهل القرية؟ يقولون ان مسئولي البلدة قد خانوهم. يقول ايهان بورك: هؤلاء جاؤوا الى حفلات عرسنا وشربوا الـ «راكي» (العرق) ورقصوا معنا. ولو كان الامر (زواج المراهقين) مخالفا للقوانين ما كان ينبغي ان يأتوا. والقران في اجارلار يتم بمراسم دينية ويعقده امام (مأذون) الا ان الحكومة العلمانية لا تعترف بمثل هذا الزواج. ويقول عرفان ساكا، الذي اوقفت الشرطة ابنه البالغ من العمر 17 سنة بتهمة اقامة علاقة جنسية مع قاصر: اننا مستعدون لتغيير طرائقنا ونعرف المخاطر التي ينطوي عليها زواج الاطفال صغار السن ولكن لا يجوز ان تتوقع منا ان نتخلى عن تقاليدنا دفعة واحدة وكأنك تقطع بسكين. وقد وافق عدد من رجال القرية اجراء مقابلة صحفية معهم شريطة ان اغادر البلدة فور الانتهاء من المقابلات، ولم يسمحوا بالتحدث مع النساء والاطفال، وقد اصبح سكان البلدة يجزعون من الصحفيين بعد ان كتبت صحيفة «ملييت» مقالا عن البلدة تحت عنوان «آباؤهم يبيعونهن» في صفحتها الاولى. وتطلب العائلات هنا ما يتراوح بين 1000 و 1400 دولار كهدايا للعروس اي المبالغ التي يدفعها اهل العريس لأهل العروس، والقانون يمنع مثل هذه الممارسات. احدى الامهات الصغيرات وافقت بتردد، وهي واقفة امام محل بقالة، ان تذكر عمرها: 16 سنة ثم قالت قبل أن تسرع مغادرة المكان ـ وكانت تشير الى ابنتها المربوطة الى ظهرها بشرشف ابيض: عمرها ثلاث سنوات وهي معوقة. ومع انه لا توجد احصاءات رسمية دقيقة عن العرائس الاطفال فان التقليد دارج في انحاء اخرى من تركيا، وخاصة في المقاطعات الجنوبية الشرقية التقليدية اكثر وذات الغالبية السكانية الكردية حيث كثيرا ما ترغم الفتيات الصغيرات على الزواج من رجال كبار السن. وتقول نباهات اقكوج، رئيسة جمعية «كامير» النسائية في ديار بكر، وهي ناشطة ايضا في ميدان مكافحة زواج القاصرات: البنات ملك ابائهن الى حين زواجهن ثم يصبحن ملكا لازواجهن بعد الزواج. في ديار بكر في جنوب تركيا قالت امرأة لم تشأ ذكر سوى اسمها الاول، فاطمة، انها كانت في الرابعة عشرة عندما ارغمها والدها على الزواج من رجل لم تراه الا بعد عقد القران: قال والدي انه سيضع رصاصتين في رأسي اذا رفضت الزواج منه. الا ان سكان اجارلار يقولون ان بناتهم يخترن ازواجهن بانفسهن ولا يتم تزويجهن لرجال كبار السن ابدا