يقول الله تبارك وتعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ان تلقى أخاك بوجه طلق». إذا استقر هذا المعنى في النفوس لم يثقل عليها أداء المعروف لانه لن يكلفها ما لا تطيق بل انه بذلك يساعدها على ان يكون أداء المعروف حركة طبيعية ووظيفة سلوكية تؤديها استجابة للفطرة السليمة التي تؤدي الزهرة وظيفتها حين تمتع الأنظار بألوانها البهيجة وتنعش النفوس بعطرها الفواح ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يتكلف الانسان لضيفه فيما يقدم من طعام لان التكلف لا تطيقه النفوس ولا صبر لها على احتماله إذا ما تكررت أسبابه وبذلك يضيق الانسان بضيفه ويقع التباعد والتقاطع بين الناس. والمعروب باب يسره الله لعباده وان منه بذل الصدقة بمعناها الانساني الواسع العميق الذي لا يقتصر على الغني دون الفقير ولا على القادر دون العاجز ولا على القوي دون الضعيف بل الجميع ميسرة أمامهم أبواب الخير متاحة لهم أسبابه يقول صلى الله عليه وسلم: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: ان ابواب الخير لكثيرة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الاذى عن الطريق وتسمع الاصم وتهدي الاعمى وتدل المستدل عن حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك وتبسمك في وجه أخيك صدقة والكلمة الطيبة صدقة». وهذا المعنى يعطي الصدقة مفهوما يحقق كرامة الانسان ويشعره العزة والقدرة على العطاء وانه ان كانت تنقصه بعض الاسباب فانه يملك اسبابا اخرى يفيد بها المجتمع ويرد له بها ما عليه من دين فليست الصدقة إذن وليس بذل المعروف أمرا يملكه الغني دون الفقير ويجود به عليه أو يستأثر به القوي ويتفضل به على الضعيف ولكن أفراد المجتمع فيه سواء كل منهم يستطيع ان يعطي وان يكون صاحب اليد العليا وان تكون له مواقف ايجابية في هذه الحياة. وهل يعجز إنسان مثلا مهما يكن أمره عن ان يميط الأذى عن الطريق او ان يدل المستدل عن حاجته او ان يلقى أخاه بوجه طلق؟ ان اماطة الاذى عن الطريق وهي عمل يسير قد تحفظ على انسان حياته او تحول دون تعرضه لأذى شديد وكم من حوادث أليمة تقع بسبب عثرة قدم فهل يستهين الانسان بالحجر او قشرة الموز يرفعها عن الطريق فينقذ حياة او يجنب انسانا مزالق الخطر وهل يحقر هذا المعروف لانه لم يكلفه شيئا من الجهد والمال؟ وان تلقى اخاك بكلمة طيبة ووجه طلق امر يسير ولكن اثره في نفس اخيك اثر عظيم انه يفتح لك مغاليق قلبه فان كان بينك وبينه مودة ازدادت هذه المودة عمقا وازدهارا وان كان بينك وبينه جفوة أو عداء فعلت الكلمة الطيبة والبسمة الحانية فعلها في نفسه: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). فلا يحقرن أحد كلمة ينطق بها لسانه أو بسمة تنفرج عنها شفتاه يكون لها من الأثر الطيب في النفوس ما لا يبلغه بوسائل أخرى قد تكون أعظم قدرا وأعز منالا. ألا وان من الادب النبوي ان يكون هذا سلوكك حتى مع من تسيء الظن به او تعرف عنه السوء لانك انما تعامله بما يليق بك لا بما يستحق فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها ان رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه مقبلا قال: بئس اخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط اليه! فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت اليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة متى عهدتني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره. هذا هو المعروف وذلك أثره في النفوس ولهذا كان الامر بالمعروف والدعوة اليه واجبا على كل مسلم يحب للناس ما يحب لنفسه ويرجو لهم مثل ما يرجو لنفسه من الخير والامر بالمعروف يقتضي النهي عن المنكر وكلاهما واجب يفرضه صالح المجتمع يقول صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم». وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حثّ على أداء المعروف بين الإنسان وأخيه الإنسان حتى في الأمور اليسيرة لتتكون عنده عادة الخير في نفسه. وهذه المشاعر الخيّرة حين تُصبح طبيعة في الإنسان تمتد فيوضها فتشمل كل ما يحيط به فإذا هو يتعاطف مع كل كائن حي وفي هذا أيضاً لا يحقرن الإنسان ما يبذل من معروف. إن قطرات من الماء تقدمها إلى حيوان يلهث من العطش عمل يسير ولكن ثوابه يتضاعف عند الله حتى ليوازي ثواب أعظم الأعمال. وهناك من المعروف ما يؤديه الإنسان ولا يكاد يحسّ به ولكن أجره عند الله مكفول إنه ثمرة دائمة من ثمرات عمله الصالح ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة». فما أكثر وما أيسر وجوه المعروف وما أعظم ما يجزى به الإنسان على معروفه ولو كانت قطرات ماء تبل بها ظمأ حيوان أو سنبلة قمح تأكل منها الطير أو كلمة طيبة أو بسمة حانية تلقى بها أخاك. وبالله التوفيق أحمد عبدالتواب أحمد