بيان الجمعة:اثارت فتوى الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ويحرم السلام على المرأة وأن مصافحة الرجل للمرأة مقدمة للزنا ردود فعل متباينة لدى علماء الدين بينما أيد بعض العلماء الفتوى، وأكدوا صحتها وموافقتها لتعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية، ذهب بعض العلماء إلى أن الفتوى تنطوي على تشدد لا مبرر له موضحين أن مصافحة الرجل للمرأة ليست حراما لكنها مكروهة وقد تصل الكراهة إلى درجة التحريم في حالات نادرة. وكان الشيخ عطية صقر قد أفتى بأن سلام الرجل على المرأة زنا مستندا إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه قال: «على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان تزني وزناهما النظر. واليد تزني وزناها البطش. والرجل تزني وزناها السعي.. واللسان يزني وزناه الكلام. والفم يزني وزناه القبل» وقال ان هذا الحديث وغيره جاء للترهيب وتحذير المسلم من المصافحة والقبلات وغيرها على أساس أنها مقدمة للزنا وكذلك إمساك يد المرأة بشهوة والتغزل فيها لقوله تعالى: «ولا تقربوا الزنا». وأكد أن الإسلام وضع إحتياطات كثيرة ونفر من الوقوع في المحظورات من أجل الحفاظ على العرض وعدم الوقوع في الفاحشة، مشيرا إلى أن جهود العلماء ذهب إلى أن المصافحة حرام في حين قال أبو حنيفة وحده إنها حلال. وهذا يتطلب مراجعة آراء أبي حنيفة سدا للذرائع وإتقاء للوقوع في المحرمات. من جانبه يؤكد الشيخ إبراهيم جلهوم شيخ الجامع الزيني بالقاهرة أن مصافحة الرجال للرجال والفتيان للفتيان مندوبه شرعا ورغب فيها رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا فغفرا لهما قبل أن يتفرقا» وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فتصافحا تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر» موضحا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتصافحون فيما بينهم. ويضيف قائلا أما بالنسبة لمصافحة الرجل للمرأة والفتى للفتاة فقد روى الشيخان ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أعف الناس. لم تمس يده يد إمرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو ذات محرم له تكون هناك مصافحة بين رجل وإمرأة أو بين فتى وفتاة إتباعا للمنهج النبوي وطاعة لتعاليم الإسلام. ويشير الشيخ جلهوم إلى واقعة تؤكد عدم مصافحة النبي للنساء، فعن عروة أن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية الكريمة: «يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بيعتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهم ولا يعينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم». قالت أم المؤمنين فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ قد بايعتك ـ أي كلاما ـ ولا والله ما مست يده يد إمرأة في المبايعة ما يبايعهن إلا بقول: قد بايعتك على ذلك. ويخلص إلى القول ان المصافحة من رجل لإمرأة أو من فتى لفتاة حرام ولا ينبغي لمسلم أن تمس يده يد إمرأة أجنبية عنه مشيرا إلى أن القاء السلام من الرجل على المرأة أو من المرأة على الرجل جائز ما لم يصحبه كلام ليس حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض. ويؤكد أن فتوى الشيخ عطية صقر صحيحه وتستند إلى أحاديث صحيحة وأن كانت لا تعجب الكثير من المسلمين في الوقت الحاضر. ويؤكد الدكتور أحمد طه ريان الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن جمهور الفقهاء لا يجيزون مصافحة الرجل للمرأة دون حائل خشية الفتنة وكنوع من سد الذرائع مشيرا إلى أن الإمام مالك ـ رضى الله عنه ـ قال: لا تحرم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية إلا إذا خشيت الفتنة ويستثنى من تلك القاعدة الشاب الذي يخطب فتاة ويرى أن المصافحة بينهما محرمة لأنه بعد الخطبة تصبح لكل منهما رغبة في الآخر وتتطلع نفسه إليها وقد لا تنتهي الخطبة بالزواج فيقع المحظور. وحول ما يحدث في العمل من مصافحة بين الرجال والنساء بصفة يومية يرى الدكتور ريان أن فعل العامة ليس حجة على الإسلام مشيرا إلى أن القواعد والاحكام الشرعية مهما خالفها الناس تظل هي الحجة ولا تفسد أو تبطل لأن الناس اعتادوا على مخالفتها وإنما يظل الناس مخطئين حتى يرجعوا عن مخالفتهم ويعودوا إلى أحكام الشرع. ويطالب المسلمين رجالا ونساء بالإلتزام بتعاليم الإسلام وعدم المصافحة مشيرا إلى أن هذا ليس مستحيلا وإنما إذا توفرت الإرادة وتعارف الناس على ذلك وانتشر الوعي بحكم الإسلام في تلك المسألة فإنه من الممكن اختفاؤها نهائيا من المجتمع. ويشير إلى أنه رأى الكثير من الفتيات في بعض دوائر العمل يعرفن هذا الحكم معرفة جيدة ويمتنعن عن مصافحة الرجال خوفا من الفتنة. وحول ما إذا كانت الفتنة مأمونة أي لا خوف من الفتنة هل يجوز المصافحة بين الرجل والمرأة يجيب الدكتور ريان الفتنة قائمة خاصة بين الشباب والفتيات صغيرات السن والمخاطر موجودة لان اللمس يؤدي إلى آثار مدمرة سواء في نفسية الشاب أو الفتاة وبالتالي فإن الإمتناع عن المصافحة هو الأصل. نقص الوضوء ولا يتفق الشيخ فرحات السعيد المنجي المشرف العام على مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر مع الآراء السابقة ويؤكد أن الفقهاء تحدثوا عن المصافحة ليس بمعنى السلام باليد بالطريقة المألوفة بيننا وإنما عندما يأخذ الرجل يد المرأة بقوة أو عنف أو عندما يتحسس يدها عندئذ يكون حراما أما المصافحة العادية فلا شيء فيها، موضحا أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ حينما قال: «اليد تزني. والعين تزني. والرجل تزني» فإنه اتبع ذلك بالقول: «وزنا اليد البطش» والبطش معناه القوة والعنف والقسوة وهذا يؤكده قول الله ـ تعالي ـ : «إن بطش ربك لشديد». ويضيف قائلا إذا صافح الرجل المرأة بتلك الصفة العنيفة أو تحسس يدها فإن ذلك يعتبر من مقدمات الزنا بالقطع أما إذا كان السلام بطريقة عادية فإن العلماء فيه آراء فالإمام أبو حنيفة على سبيل المثال يقول: ان مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية إذا كان بدون شهوة ودون نازع من نوازع الجسد فلا تنقض الوضوء أما الإمام الشافعي فقد ذهب إلى القول: ان لمس الرجل للمرأة الأجنبية بدون حائل ينقض الوضوء. ويوضح الشيخ فرحات أن الخلاف بين الفقهاء حول مصافحة الرجل للمرأة كان يتعلق بصحة الوضوء وعدم انتقاضه ولم يكن الخلاف حول ما إذا كانت المصافحة زنا أو ليست زنا مشيرا إلى أن المصافحة إذا كانت بأسلوب البطش كما ورد في الحديث النبوي فهي تنقض الوضوء قطعا. ويرد الشيخ فرحات على القائلين بتحريم المصافحة وإنها مقدمة للزنا قائلا ان أي دليل تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال مشيرا إلى أن الدليل الذي يستند إليه القائلون بالتحريم فيه كلام للأئمة وخلاف في الرؤى بينهم وبالتالي فلا أحد يستطيع أن يجزم أو يؤكد على وجه التأكيد أن المصافحة مقدمة للزنا. ويرى أن الخوض في مناقشة هذا الأمر بين العلماء لا يتلائم مع طبيعة الظروف الحاضرة خاصة في ظل إتهام الإسلام بالتشدد أو التعنت ووصفه بأن دين عنف وتأخر وفي ظل هذا الجو السياسي المشحون بالعداء للإسلام والمسلمين مؤكدا أن التشدد في تلك المسألة قد يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام وتوجيه اتهامات كثيرة للمسلمين هم في غنى عنها. تخويف وترهيب ويؤكد الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة عين شمس أن الشيخ عطية صقر يقصد بحديثة المصافحة التي وراءها أغراض وأهداف مشيرا إلى أن ما ورد في فتواه من عبارات شديدة هو بمثابة نوع من التخويف والترهيب والزجر حتى لا تكون المصافحة مقدمة لارتكاب الفاحشة. ويوضح أن بعض الائمة وبعض المذاهب الفقهية أباحت مصافحة الرجل للمرأة لكن الحديث الصحيح يؤكد أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لم يصافح إمرأة قط طوال حياته وهذا لا يمنعنا من القول ان بعض المذاهب تبيح المصافحة التي لا تصحبها رغبة أو التي لا تكون غايتها الملامسة من أجل الإثارة. ويضيف قائلا ان الشيخ عطية هو فقيه العصر دون شك وهو يقصد لفتواه دائما التحرز من المسالك التي تؤدي إلى وقوع الإنسان في الإثم مؤكدا أن فتواه دعوه إلى العفة وإلى عدم التساهل في التعامل بين الرجل والمرأة. ويشير إلى أن من أباح المصافحة أباحها بشروط مثل ألا تكون مدخلا من مداخل الشيطان أو سبيلا من سبل الغواية أو طريقا يؤدي إلى الإثارة وتأجيج الشهوة مؤكدا أن من يتحرز لهذه المحاذير فإنه من الأفضل له عدم المصافحة ما لم تكن هناك ضرورة. ويخلص الدكتور فؤاد شاكر إلى القول ان مصافحة الرجل للمرأة قضية خلافية وما كان لها أن تأخذ هذا الشكل المتأجج أو أن يلجأ في مناقشتها إلى أساليب التشهير وإثارة الناس مشيرا إلى أن الصحف التي أشعلت نار تلك المعركة كأنها كانت تنتظر مصيبة لتهيئ نفسها لمداومة اللطم. ويرى أن الأولى بالمسلمين اليوم العمل على تنشيط علاقات المودة بين الناس والاهتمام بالجوانب الإنسانية والدعوة إلى العمل والإنتاج والبعد عن الخلاف والشقاق وعدم إثارة الخلافات التي يعتبر الجعل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع.